رئيس التحرير: عادل صبري 10:49 مساءً | الخميس 15 نوفمبر 2018 م | 06 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

المذاهب الفقهية: إعدامات المنيا مخالفة

المذاهب الفقهية: إعدامات المنيا مخالفة

حامد العطار 29 أبريل 2014 09:29

أيدت  محكمة جنايات المنيا إعدام 37 شخصًا ومعاقبة 492 آخرين بالسجن المؤبد، وقد جاء تأييد حكم الإعدام بعد الاطلاع على رأي مفتي الجمهورية في القضية، مما قد يشي بأن المحكمة تنفذ رأي المفتي، وبخاصة أنها تراجعت عن القرار السابق لها بإعدام جميع المتهمين، ولم يجد للمحكمة سوى الاطلاع على رأي المفتي، مما  يثير سؤالاً: هل الحكم بإعدام هذا العدد من المتهمين موافق لأحكام الشريعة الإسلامية.

في المسألة خلاف بين العلماء:

تعرف هذه المسألة في الفقه الإسلامي بقتل الجماعة بالواحد، وقد اختلف فيها العلماء إلى اتجاهين:

الاتجاه الأول: يرى وجوب قتل الجماعة بالواحد من حيث المبدأ، وإلى هذا الاتجاه ذهب الأئمة الأربعة (أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية عنه) وروي ذلك عن عمر، وعلي، والمغيرة بن شعبة، وابن عباس. وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وأبو سلمة، وعطاء، وقتادة.

الاتجاه الثاني: يرى أنه لا يقتل بالواحد إلا شخص واحد لقوله تعالى {الحر بالحر} [البقرة: 178] . وقال: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] . فمقتضاه أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة، فإذا قتلت جماعة شخصًا، وجبت عليهم الدية لا القصاص، وإلى هذا ذهب ابن الزبير، والزهري، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك، وربيعة، وداود وابن المنذر. وحكاه ابن أبي موسى عن ابن عباس.

وروي عن معاذ بن جبل، وابن الزبير، وابن سيرين، والزهري، أنه يقتل منهم واحد، ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية.

أصحاب الاتجاهين لا يجيزون قتل ال (37) شخصًا.

وبعيدًا عن السجال الفقهي بين هذين الاتجاهين، فإنهم جميعًا متفقون على عدم جواز قتل الـ(37) شخصًا الذين أيدت المحكمة قتلهم.

فقد جاء في حيثيات حكم المحكمة  " وما إن ظفروا به حتى أطلق المتهم علي حسن إبراهيم عبد الظاهر 45 سنة طبيب بمستشفى مطاي العام صوبه " المقتول" عيارا ناريا قاصدا إزهاق روحه حال تواجد باقي المتهمين على مسرح الجريمة للشدّ من أزرهم فحدثت إصابته الموصوفة بالتقرير الطبي المرفق والتي أودت بحياته".

 أولا : المذهب الحنفي :

في المذهب الحنفي لا يقتل من حضر مؤازرة للقاتل، بل لا بد أن يشترك مع القاتل في إزهاق روح المقتول، وهو ما نفته حيثيات الحكم إلا في حق شخص واحد، هو الطبيب "علي حسن إبراهيم عبد الظاهر".

وهذا ملخص فقه الحنفية في المسألة :

يقتل جمع بمفرد إن جرح كل واحد جرحا مهلكًا معًا ؛ لأن زهوق الروح يتحقق بالمشاركة ؛ لأنه غير متجزئ بخلاف الأطراف، واشتراك الجماعة فيما لا يتجزأ يوجب التكامل في حق كل واحد منهم، فيضاف إلى كل واحد منهم كملا كأنه ليس معه غيره كولاية الإنكاح، فإن كان جرح البعض مهلكا، وجرح الآخرين غير مهلك، فالقود على ذي الجرح المهلك، وعلى الآخرين التعزير، والدية- في الظاهر - لتعمدهم ، أما إذا باشر القتل بعضهم وكان الآخرون نظارة أو مغرين فلا قود ولا دية[1] .

ثانيا المذهب المالكي:

صنف المالكية قتل الجماعة  للواحد إلى حالتين :

الأولى : أن تتمالأ الجماعة على قتل الواحد، والمقصود بالتمالؤ الاتفاق السابق بين الشركاء المباشرين على ارتكاب الجريمة، بمعنى أنهم يقصدون جميعًا قبل ارتكاب الحادث الوصول إلى تحقيق غرض معين، وهو هنا القتل، وفي هذه الحالة يقتل الجميع بقتل الواحد، لا فرق بين الأقوى ضربًا وغيره ، وإن لم يتولّ القتل إلا واحد منهم، بشرط أن يكون غير الضارب لو لم يضرب غيره لضرب.

فلا بد لإسقاط هذا الحكم على ال(37) متهمًا أن يثبت في حقهم هذا التمالؤ، لكن المالكية ذكروا شرطًا آخر يمنع إسقاط هذا الحكم في حق هؤلاء المتهمين، وهو أن  يثبت قتلهم له ببينة، أو إقرار، وهو مالم يحدث في واقعة " طماي".

الثانية : أن  يتفقوا على قتله دون تمالؤ، والمعنى أن تتجه إرادة المشتركين في الجريمة إلى ارتكابها دون أن يكون بينهم اتفاق سابق، بل يعمل كل منهم تحت تأثير الدافع الشخصي والفكرة الطارئة، كما هو الحال في المشاجرات التي تحدث فجأة، فيتجمع لها أهل المتشاجرين دون اتفاق سابق، ويعمل كل منهم بحسب ما تمليه عليه رغبته الذاتية وفكرته الطارئة، ففي هذه الحالة وأمثالها يقال إن بين المشتركين توافقًا، ولكن كلاً منهم لا يسأل إلا عن فعله فقط، ولا يتحمل نتيجة فعل غيره[2].

جاء في الموسوعة الفقهية تقريرًا لمذهب المالكية في هذه الحالة :

" قدم الأقوى فعلاً حيث تميزت أفعالهم فيقتل، ويقتص ممن جرح أو قطع، ويؤدب من لم يجرح، فإن لم تتميز الضربات بأن تساوت أو لم يعلم الأقوى قتل الجميع إن مات مكانه حقيقة أو حكما، وإلا فواحد"

وواقعة : "طماي" قد تميزت فيها الضربات القاتلة كما جاء في حيثيات الحكم أن الذي باشر القتل شخص واحد فقط.

فسواء اعتبرنا حالة القتل تمالؤا أو غير تمالؤ، فلا يقتل في هذه الواقعة أكثر من شخص واحد.

ثالثا :المذهب الشافعي:

لا يعتبر المذهب الشافعي مجرد الحضور كافيًا لإيجاب القصاص على من حضر، بل لا بد من إتيانه بفعل إيجابي في جريمة القتل، والتهمة الموجهة لل(37) كما جاء بحيثيات المحكمة هي مؤازرة القاتل لا إعانته، فلا يجوز القصاص منهم على مذهب الشافعي بسبب تهمة المؤازرة.

وهذا ملخص فقه الشافعية في المسألة كما جاء بالموسوعة الفقهية الكويتية:

يقتل الجمع بواحد وإن تفاضلت الجراحات في العدد ، والفحش ، والأرش ، حيث كان لها دخل في الزهوق سواء أقتلوه بمحدد ، أم بمثقل ، أم ألقوه من شاهق ، أو في بحر.

أما من ليس لجرحه أو ضربه دخل في الزهوق بقول أهل الخبرة فلا يعتبر. ولو ضربوه بسياط، أو عصا خفيفة فقتلوه وضرب كل منهم لا يقتل، قتلوا إن تواطئوا أي اتفقوا على ضربه. وكانت جملة السياط بحيث يقصد بها الهلاك. وإن وقع مصادفة ولم يعلم المتأخر ضرب غيره، فالدية تجب عليهم باعتبار عدد الضربات إن علم يقينا، فإن جهل أو شك فيه فالتوزيع على الرؤوس كالتوزيع في الجراح.

رابعا :المذهب الحنبلي:

لا يختلف المذهب الحنبلي عن الشافعي في هذه المسألة كثيرا من حيث المبدأ، فهم أيضا يشترطون المشاركة الفعلية لا مجرد المؤازرة، بل يزيدون عن الشافعية في اشتراط أن يكون فعل كل واحد على حدة مما يؤدي إلى القتل في العادة لو انفرد، وهو ما لم يحدث مع ال(37) فهم لم يقوموا بأي فعل إيجابي في إزهاق الروح، بل كان حضورهم مؤازرة للقاتل كما جاء بحيثيات الحكم.

وهذا ملخص مذهب الحنابلة كما جاء بكتاب كشاف القناع :

وتقتل الجماعة بالواحد إذا كان فعل كل واحد منهم صالحا للقتل به) وانفرد ..... ... وإن لم يصلح فعل كل واحد من الجماعة للقتل؛ كما لو ضربه كل واحد منهم بحجر صغير فمات، فلا قصاص عليهم؛ لأنه لم يحصل من أحد منهم ما يوجب القود (ما لم يتواطئوا على ذلك) الفعل ليقتلوه به فعليهم القصاص لئلا يتخذ ذريعة إلى درء القصاص.

وعلى هذا فلا يقتل على أقصى تقدير سوى الطبيب المتهم بمباشرة القتل، وهذا كله من حيث المبدأ، وإلا فإذا انتقلنا إلى مناقشة وسائل الإثبات لما وجب القتل أيضا على الطبيب.

وهذا كله إذا ناقشنا المسألة مناقشة جنائية محضة متناسين السياق السياسي لها، وإلا فإننا إذا انتقلنا من الفقه الأصغر إلى الفقه الأكبر، وناقشنا المسألة في ضوء واقعها السياسية، باعتبار هؤلاء المحكوم عليهم، إنما خرجوا للدفاع عن الرئيس المنتخب وإسقاط النظام الذي قام بالانقلاب عليه، لوجدنا في الفقه السياسي للمواجهة بين أهل العدل وأهل البغي ما يؤدي إلى قلب هذه المحاكمة رأسا على عقب.

________________________________________

[1]  حاشية ابن عابدين (6/ 556

[2] - انظر : التشريع الجنائي

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان