رئيس التحرير: عادل صبري 04:15 صباحاً | الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م | 05 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

فقهاء: للسجين حقوق من يخالفها آثم

بعد"موسم الاعتقالات"..

فقهاء: للسجين حقوق من يخالفها آثم

جمال أحمد: مصر العربية 13 يناير 2014 13:54

د. عبد الحى عزب: إذا ثبتت براءته بعد الحكم عليه فله الحق شرعا فى طلب التعويض

محمد رأفت عثمان: لا يجوز منعه من أداء شعائره الدينية.. ومن حقه إدارة أمواله من داخل السجن
محمود مزروعة: على ولى الأمر توفير الطعام والشراب والدواء والملابس الصيفية والشتوية
مجمع الفقه الإسلامى بالهند: الزنازين الضيقة حرام وتعذيب السجناء لا يجوز
مفكرة سعودية تطالب بإلغاء السجن والاكتفاء بالعقوبات البديلة مثل الإقامة الجبرية والغرامة المالية

شهدت الفترة الأخيرة شكاوى متعددة من المعتقلين السياسيين -من معارضي النظام الحالي بمصر وغيرهم- من سوء معاملتهم داخل السجون، لدرجة وصلت لمنع بعضهم من أداء الصلوات فى جماعة كما يحدث مع الدكتور محمد البلتاجي القيادي الإخواني، أو المنع من الزيارات والتضييق كما يحدث مع الرئيس المعزول محمد مرسي، وأيضا ما كشفه بعض معتقلى حركة 6 أبريل من تعرضهم لسوء معاملة دفعهم لإعلان الإضراب عن الطعام.

 

آلاف الشكاوى التى ترد من خلف القضبان دفعتنا للبحث عن أصل "الميثاق الحقوقى الإسلامي" لمعاملة السجناء، خاصة أن هناك أحاديث كثيرة عن النبى صلى الله عليه وسلم تحذر من الظلم وسوء المعاملة والتعذيب وتتوعد فاعليها بعذاب الله يوم القيامة.

 

 فى البداية يقول الدكتور عبد الحى عزب، أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة: هناك قواعد يجب مراعاتها فى بداية مراحل التقاضى وهى أن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته" وإذا تم الحكم القضائى العادل عليه، فإن هناك حقوقا للسجين المدان قضائيا حتى لا يحرم من حقوقه الإنسانية والاجتماعية والعائلية.

 

وأشار إلى أنه من أبرز حقوق السجين فى الإسلام أنه إذا ثبتت براءته بسبب خطأ فى الإجراءات أو كذب الشهود أو شك القاضى فى عدم كفاية أدلة الإدانة، فإنه يجب الإفراج عنه فورا وتعويضه عن الأضرار المادية والمعنوية التى لحقت به، وفى حال كون الخطأ من القاضى فإن الضمان لمال المحبوس يكون من بيت مال المسلمين.

 

رسالة من ذهب

بدوره يؤكد الدكتور محمد رأفت عثمان، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر وعضو مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، أنه لا يجوز شرعا منع المسجون من حقه فى أداء الشعائر الدينية، مثل حضور صلاة الجمعة أو العيدين، وقد وردت روايات متعددة أن كبار العلماء فى مختلف العصور ألزموا أولى الأمر بأن يخرجوا المحبوسين لأداء صلاة الجمعة والعيد ويضمنهم الأولياء حتى يردوهم.

 

واستشهد "عثمان" على بعض حقوق السجناء فى الإسلام على أولى الأمر برسالة القاضى أبو يوسف لما ولى قضاء الجماعة، إلى الخليفة هارون الرشيد يحدد فيها حقوق السجين وكان مما قال فيها: «فمُرْ بالتقديم للسجناء ما يقوتهم فى طعامهم وأدمهم، وصير ذلك دراهم تجرى عليهم فى كل شهر، فإنك أن أجريت عليهم الخبز ذهب به ولاة السجن، وولّ رجلا من أهل الخير يثبت أسماء من بالسجن ممن تجرى عليهم الصدقة شهرا فشهرا، ويقعد ويدعو باسم رجل رجل، ويدفع ذلك إليه فى يده. وأمر بكسوتهم فى الشتاء قميص وكساء، وفى الصيف قميص وإزار، وانهوا عن غلّ السجين وعن ضربه، وأفسحوا له فى المكان، وهيئوا له الفراش المناسب، ووفروا له ما يحتاجه للغسل ونحوه، وقدموا له الكتاب والقرطاس، ولا تحجبوه عن زائريه يوما فى الأسبوع، وعينوا ساعيا يوصل رسائله إلى أهله، وأذنوا له إذا كان عليه ديون أن يخرج فيخاصم».

 

وأضاف أنه من حق السجين كذلك إدارة أمواله وممتلكاته بطريق غير مباشر أو عن طريق أحد الأشخاص الذين يمكنه الاتصال بهم، طالما أن أمواله كسبها من حلال ويديرها بما فيه مصلحة البلاد والعباد وليست عليه، وبالتالى لا تجوز المصادرة أو التجميد للأموال بدون بينة أو حق شرعى أو قانونى لأن السجن فى الإسلام نوع من التعزير، وللعقوبات أهداف منها التطهير، والزجر والقصاص والتعويض وغيرها.

 

الاعتراف تحت التعذيب

من جانبه، أوضح الدكتور محمود مزروعة، رئيس جبهة علماء الأزهر، أن السجن فى الإسلام ليس مكانا للتعذيب والانتقام، كما يشاع عنه الآن، بل هو مكان يجب إعداده للتوجيه والإرشاد لمساعدة السجين على قضاء مدة عقوبته بأقل الأضرار، فلا يجوز شرعا أن تصبح حياته فى السجن جحيما.

 

ويتابع: ورد فى أمهات كتب الفقه أنه على ولى الأمر أن يراعى حاجات المحبوسين فى معاشهم من الغذاء والدواء والهواء الصافى والألبسة الصيفية والشتوية وسائر الإمكانات وغيرها من احتياجاته كأن يكون بناء السجن مريحا وواقيا من الحر والبرد مما يتوفر معه راحة السجين.

 

ولفت مزروعة إلى أن النبى عندما حبس "أسرى الحرب" بنية مبادلتهم مع جيوش العدو كان يحبسهم فى الدور الاعتيادية التى يسكنها الناس، ففرقهم على بيوت بعض الصحابة.

 

وقال مزروعة: يجب أن تتغير نظرة المجتمع للمفرج عنه حتى يتم احتواء هؤلاء السجناء وتنمية الجوانب الخيرية فى نفوسهم، ولا ننظر إليهم على أنهم جناة يجب الحذر أو الاقتراب منهم، لنصبح بذلك عونا للشيطان عليهم، وقد روى أبو هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب خمرا وقال: "اضربوه"، فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه فلما انصرف قال بعض القوم للرجل: "أخزاك الله" فقال لهم رسول الله: "لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان".

 

ويتابع: من المقرر شرعا مسئولية الفرد عما يرتكبه من انحراف، وبالتالى لا يجوز عقاب أحد من أسرته لأن هذا يتنافى مع قول الله تعالى "ولا تزِرُ وازِرةٌ وِزْر أُخْرى"، بل يجب شرعا الرفق بالسجناء، خاصة إذا كانوا من سجناء الرأي، لقوله صلى الله عليه وسلم "الراحمون يرحمهم الرحمن وارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء" وقوله فى حديث آخر: "خاب عبدٌ وخسِر لم يجعلِ الله تعالى فى قلبِهِ رحمة للبشرِ".

وأنهى الدكتور مزروعة كلامه بالتأكيد على حق السجين فى تعجيل محاكمته، وألا يقضى فترة طويلة فى الحبس الاحتياطي، مدللا بما كان يفعله أمير المؤمنين على بن أبى طالب، حيث كان يتفقد السجون فى كل يوم جمعة، فمن كان عليه حد أقامه، ومن لم يكن عليه حد أخلى سبيله ويأمر ولاته أن يفعلوا ذلك فى ولاياتهم، كما روى عنه كرم الله وجهه قوله: "ولا تحل بين المحبوس وبين من يأتيه بمطعم أو مشرب أو ملبس أو مفرش ولا تدع أحدا يدخل إليه ممن يلقن اللدد" أى من خصومه.

 

وثيقة فقهية

اهتمت المجامع الفقهية الدولية بقضية حقوق السجناء ولعل أشهرها ما اتخذه مجمع الفقه الإسلامى بالهند، من قرارات التى توضح الأحكام الإسلامية والخلقية بقضايا السجناء وأهمها أن الإنسان، على الرغم من ارتكابه جريمة، يبقى إنسانا، وهو سيُعاقب حتما بناء على جريمته، ولكنه لا يكون محروما من حقه الذى يتقاضى احترام ذاته، ولا يمكن اعتبار شخص متهم بجريمة مجرما إلا أن تثبت جريمته ولا يجوز السلوك معه مثلما يكون السلوك مع المجرمين.

 

المجمع طالب أيضا بأن يحصل السجين على حرية العبادة والعمل حسب ديانته، ولا يتم بهذا الخصوص أى تمييز ضده. وبالإضافة إلى ذلك سيتم توفير الغذاء له وفق تعليماته الدينية. ويتم اجتناب الإساءة إلى قدسية الشخصيات والكتب الدينية له، ويتم الاهتمام بالوفاء بحاجات السجناء الجسمية نحو الغذاء المناسب، والمياه الصالحة للشرب، والملابس حسب الموسم، بالإضافة إلى تسهيلات العلاج. وهم سيسمحون للرياضة البدنية لرعاية صحتهم. ولا يكون من الصواب وضع السجناء فى مكان ضيق لا يمكن فيه الوقوف أو الاستلقاء بمد الرِجلين، أو لا توجد تسهيلات لازمة للحياة من الهواء والنور.

 

المجمع شدد على وجوب إجراء فحص دورى عضوى واجتماعى ونفسى على السجناء لدفعهم إلى التعبير عما يتعرضون له بصدق مما يتعارض مع حقوقهم مثل: خلع ملابسهم، وإجراء الصدمة الكهربائية عليهم، وإكراههم على الاستيقاظ وقت النوم، وإطلاق الكلاب عليهم، وإلقائهم على الجليد، وإضاءة مكانهم إضاءة مؤلمة، أو إسماعهم صوتا شديدا للغاية، فلا تجوز هذه الأمور كلها بكونها غير خلقية، وغير إنسانية. وكذلك من الحرام شرعا اختيار طريقة يتضرر بها عضو من الجسم، أو من المحتمل أن يصاب بالتلف، أو تتأثر بها صحة الدماغ.

 

عقوبات بديلة

وقد شغلت قضية حقوق السجناء المفكرين الإسلاميين من الجنسين، حتى إن المفكرة السعودية الشهيرة الدكتورة سهيلة زين العابدين حمّاد، عضو الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان بالسعودية وعضو الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين، أعدت بحثا عنها لمجمع الفقه الإسلامى الدولى حفظ حقوق الكرامة الإنسانية فى الإسلام وصنفته ضمن حفظ الكرامة الإنسانية فى الإسلام وطرحت فيه فكرة "بدائل عقوبة السجن" مع الإبقاء على الأصول التى تقوم عليها فلسفة العقوبة فى الفقه الإسلامي، مثل الإقامة الجبرية أو الحبس المنزلى أو المنع من السفر، أو تقييد التنقل والغرامات المالية والعقوبة بالتشهير والإيقاف عن العمل أو سحب الترخيص لمدة معين أو دائمة.

 

وكشفت الدكتورة سهيلة عن أن هناك فقهاء الإسلام سبقوا المعاصرين فى إيجاد عقوبات بديلة عن السجن تكون بالإقامة الجبرية أو الحبس المنزلي، أو بالغرامة المالية، أو بخدمة المجتمع.

 

وطالبت سهيلة، الدول العربية والإسلامية بأن تلغى "صحيفة السوابق" التى يوصم بها كل من دخل السجن طوال حياته فيُحرم بموجبها من حقه فى العمل، ممّا يضطر من تغلق أبواب العمل الشريف أمامه إلى ارتكاب مختلف الجرائم ليؤمن لنفسه وأسرته لقمة العيش.

 

موضوعات ذات صلة:

علماء وحقوقيون: لا يجوز منع السجين من صلاة الجمعة

المحكمة الأمريكية العليا: للسجين حق الاحتفاظ بـ"لحيته"

وفاة سجين بقسم بولاق لإصابته بهبوط بالدورة الدموية

 

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان