رئيس التحرير: عادل صبري 11:23 صباحاً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

"نوّة الإسكندرية".. وثلاثية الخراب والديون والإهمال

"نوّة الإسكندرية".. وثلاثية الخراب والديون والإهمال

أحمد عبدالمنعم 22 ديسمبر 2013 15:06

"النوّة"، مصطلح يحفظه كل أبناء مدينة الإسكندرية الساحلية، فمواعيد النوّات تحدد طريق الجميع، وتخطط حياتهم، متى تبدأ، وفي أي وقت تنتهي.

"دمار وخراب" هي النتائج الحتمية لنوّة الإسكندرية، فرغم أنه لا أحد من الأهالي يعرف المعنى اللغوي لـ"النوّة"، إلا أن الجميع يتفق الجميع حول نتائجها، التي تعجز معها كل الحواجز الاصطناعية.

 

ورغم التأثير السلبي للنوات على أهالي الإسكندرية، إلا أن تأثيرها على الصيادين أكبر، حيث تساهم في تدمير سفنهم ومراكبهم، كما تمنعهم من الخروج إلى الصيد، وتوقف مصادر دخلهم.

 

مطالب عديدة يبعثها الصيادون إلى المسئولين كل شتاء، لعمل حواجز و"صدادات" للأمواج في منطقة "المكس" بالإسكندرية، لحجز الأمواج عنهم، إلا أنها كلها باءت بالفشل واستمر إهمالهم للمنطقة، رغم أن المكان المخصص لوضع الحواجز موجود وكل ما يطلبونه فقط هو وضع البلوكات الخرسانية عليه.

 

مواعيد

ويعرف الصيادون النوّة وقوتها من سرعة الرياح في اليوم السابق لها، وشكل الغيوم، وإتجاه مرور السحاب، كما يعرفون لها مواعيد شبه محددة.

 

ويؤكد الصيادون أن النوّة التي ضربت الإسكندرية كانت الأكثر قوة خلال الـ 20 عاماً الماضية، والتي لم يشهدوا مثلها من قبل في قوتها وسرعة رياحها.

 

وتبدأ النوّة عادة في شهر ديسمبر من كل عام، ويتم تقسيمها إلى 4 نوات كبيرة تأتي بأمطار غزيرة وهي "الفيضة الكبيرة" و"القاسم" و"العوة" و"المكنسة"، وباقي النوات عبارة عن رياح أو رياح بأمطار خفيفة مثل "الشمس الصغيرة والكبيرة" و"نوة الحسوم" و"السلوم".

 

وخلال النوّة الحالية على مدينة الإسكندرية، لم تفلح الصخور والحواجز على شاطئ البحر في صد الأمواج، فخرجت إلى الشوارع القريبة من الشاطئ، فدمرت واجهات ومطاعم الكورنيش، حتى مراكب الصيادين دمرتها.

 

المكس بلا حماية

في الميناء الشرقي، بمنطقة بحري، وسط الإسكندرية، تصطف مئات المراكب الكبيرة والصغيرة التي لم تخرج إلى الصيد منذ أسبوع.

 

لم يكن الوضع أفضل حالاً لدى صيادي المكس، غرب الإسكندرية، حيث كانت أكثر المناطق تضرراً من نوة "قاسم" و"الفيضة الكبرى" و"الصغرى"، وهي الأسماء التي يطلقها أهل الاسكندرية على النوات.

 

ويعيش في منطقة المكس قرابة 15 ألف صياد بلا ميناء أو رصيف، أو كتل صخرية، ويواجههم خطورة أن منطقة المكس ليست منطقة بحرية مغلقة مثل نظيرتها في الميناء الشرقي، فتتعالى الأمواج أكثر في المكس، وتطيح بكل ما يقابلها.

 

مطالب عديدة حملتها كلمات الصيادين بشأن عمل حواجز وصدادات للأمواج في المكس لحجز الأمواج عنهم إلا أنها كلها باءت بالفشل, كما يقول احمد محمود احد الصيادين، مؤكداً ان المكان المخصص لوضع الحواجز موجود وكل ما يطلبونه فقط هو وضع البلوكات الخرسانية عليه.

 

ديون وقروض

"الدين والقرض" هما المصطلحات الأكثر تكراراً في المكس، فالكل يتعامل بالديون والقروض التي أثقلت كاهل كل صياد، بالإضافة إلى أن أسعار الوقود ارتفعت للغاية في الفترة الأخيرة.

 

إبراهيم معيزة، صياد ستيني، يلبس صديري أبيض، وبنطلون متسع، ويغطي رأسه بعمامة بيضاء، يجلس في مقدمة مركب ضخم تحركها الأمواج المتلاطمة، ينظف شباكه بعد رحلة صيد طويلة.

 

يقول إبراهيم: "اتخلقنا للبحر ناخد منه ويدينا.. المرة دي أخد وما إداش"، تعليقًا على ابتلاع البحر مركب الصيد التي يملكها في المكس، والتي تجاوز ثمنها 280 ألف جنيه، ضاعت أمام عينيه وقت "فوران البحر" كما يسميه.

 

وانتقد إبراهيم هيئة التأمينات التي تجبر الصيادين على دفع مبلغ 280 ألف جنيه تأميناً إجبارياً على الصيادين، بينما يكون المبلغ الأقصى للتعويض في حالة ضياع المركب 40 ألف جنيه.

 

الصيادون في النوّة

ويروي إبراهيم، كيفية معرفة الصيادين بالنوّة فيقول: "لما بيكون في سحاب كبير وسرعة معينة باتجاه الغرب بنسميه باور وبنعرف أن في بورة شتاء يعني نوبة مطر وبنختصر رحلتنا في البحر".

 

و"في وقت النوّة تتوقف الحياة تمامًا بالنسبة للصيادين" هذا ما قاله مجدي عيسى، كبير صيادي المكس، الذي تابع: "البحر بالنسبة لنا زي الدكان، بناكل منه عيش، ووقت النوّة بيبقى مقفول، نقف نتفرج عليه من برا وبس، أصل النوّة دي حاجة مكروهة جداً، بس الأرزاق على الله".

 

ويقول: "هي في الأساس عاصفة، لكن الصيادين بيحددوها بالتعود وترتيب حدوثها عليهم من كثرة عملهم في البحر، لكنها مواعيد مش علمية، الآن يوجد أجهزة وهيئة ارصاد تحدد قوة النوّة وعدد أيامها، لكن في أيام المياه تفيض بشكل كبير خصوصاً في كياك وأمشير وطوبة".

 

تصليح الشباك أو زيادة حجمها يكاد يكون العمل لأعلب الصيادين وقت النوّة، فيقول السيد: "وقت توقف الحركة في البحر، الواحد بيكون معه قرشين، يبدأ يشوف حاله بهم، وفي ناس بتبقى مش لاقية بتقعد على القهوة تقول يارب وتبدأ الديون تشتغل..".

 

حدوتة المكس

في "حدوتة المكس" مقهى الصيادين، تختلف حركته ونشاطه عن باقي المقاهي، نشاط ضعيف جدًا في الصباح وعمل مكثف في الليل، لكن وقت النوّة، الكل يجلس ويتجاذب أطراف الحديث، لا يجمع الصيادون داخله سوى الديون المكتوبة في أجندة صاحب المقهى، حتى إنها باتت تمثل سجلاً "شبه رسمي" بأسماء غالبية الصيادين في المكس.

 

"نوة العوة.. ما بعدها نوة".. هكذا يقول مجدي عيسى، متحدثاً عن شدة النوّة، وأمطارها الغزيرة، بالإضافة إلى كونها آخر نوة تأتي تقريبًا في 29 مارس، حتى منتصف العشر الأوائل من أبريل.

 

وأضاف: "تتوقف النوات في شهر أبريل وبعدها تبدأ فترة حظر الصيد من شهر مايو حتى يوليو ولا يبقى أمام الصياد سوى اغسطس واكتوبر للعمل فيهم بدون قيود حتى تبدأ النوات مجدداً في نوفمبر".

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان