رئيس التحرير: عادل صبري 10:40 مساءً | الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م | 02 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

التجربة الصينية في النهضة والتحول الاقتصادي

التجربة الصينية في النهضة والتحول الاقتصادي

تقارير

النهضة الصينية

التجربة الصينية في النهضة والتحول الاقتصادي

مهندس / خالد محمد فراج 22 يناير 2018 11:00

الصين دولة تبلغ مساحتها حوالى 9.5 مليون كيلو متر مربع، يبلغ ناتجها المحلى الإجمالي حوالى 12،000 مليار دولار أمريكي حسب إحصاءات عام 2014 وعدد سكانها حوالى 1.4 مليار نسمة.

 

المدقق في التجربة الصينية سيتأكد أن الموارد الاقتصادية والطبيعية ليست هي العامل الرئيسي في تقدم الامم، فالصين في ظل حكم ديكتاتوري متخلف وفي عصور حكام منخفضي الكفاءة والموهبة السياسية والخبرات العلمية والإدارية كانت تعاني من الضعف والهوان، كانت عرضة للاحتلال من أي قوة كاليابان وتدخلات الدول الأجنبية الأخرى كإنجلترا وروسيا وألمانيا وفرنسا، كان العالم كل عام يفزع من صور ملايين الصينيين، وهم يموتون جوعًا في فصل الشتاء من قسوة المناخ وشح الاطعمة وانعدام الرعاية الصحية والخدمات الحكومية الاساسية ، بينما سيندهش وهو يرى الصين بنفس الموارد ونفس عدد السكان الضخم وبعد أن تخلصت من اولئك النوع من الحكام والسياسيين وحل محلهم وكما يصف الغرب افضل العقول السياسية والاقتصادية والإدارية بالعالم قد اصبحت ثاني أكبر اقتصاد بالعالم بعد الولايات المتحدة ومتفوقة على اليابان وينعم كامل شعبها الضخم بالرفاهية والتقدم والأمان.

 

 النجاح لا يأتي من فراغ، كما أن البناء لا يمكن أن يكون مستقرًا وقويًا بلا اساس، كمقدمة ضرورية لاستيعاب عوامل التغيير والاصلاح في تجربة جمهورية الصين الشعبية سوف نستعرض للقراء اهم المراحل والاحداث التي مرت عليها منذ العام 1900 وحتى العام 1978 وهو العام الذى تخلصت الصين فيه من العصابة التي كانت تحكمه وتقلد راس السلطة احد ابنائها السياسيين والاذكياء والموهوبين وهو دينج زياو بينج، هذا السياسي الصيني النابهة اعاد هندسة اركان الحكم بما يضمن وجود اعظم وافضل الكفاءات والمواهب السياسية والاقتصادية والإدارية بدائرة اتخاذ القرار الضيقة بالحزب الحاكم وبمفاصل الدولة ، قاد باقتدار معركة التقدم وفي اقل من 8 سنوات تأكد للصينيين وللعالم أجمع أن المعجزة الصينية في طريقها للتحقق، وأن المارد الصيني قد تخلص من يعوقون صحوته ويساهمون في اعاقة انطلاقه وان الصين قد انتهت من تأسيس انظمتها القادرة على تحقيق معجزتها في النهضة .

فيما يلى ملخص لبعض الحقائق التاريخية عن تجربة صعود الصين كقوة عالمية من بعد ضعف وهوان بل واحتلال من اليابان . 

 

محطات في تاريخ الصين الحديث، الفترة من 1900 - 1978

1- في عام 1900 كان تعداد الصين حوالى 400 مليون نسمة أكثر من 80 % منهم أميون يجهلون القراءة والكتابة ولم يتلقوا أي قدر من التعليم.

2- تسببت تلك الأوضاع الصعبة في تشجيع ورواج تجارة المخدرات وبخاصة الهيروين والأفيون لدرجة وصلت أنّ أكثر من 10 % من شعب الصين أصبح مدمنًا، وازداد معها تجارة الدعارة وعادات لعب القمار وانتظام المخالفين للقانون في عصابات منظمة اصبحت الأجهزة الأمنية متورطة في ضمان وجودها وحمايتها، حتى اليوم ونتيجة لتلك الفترة مازالت تلك العادات منتشرة بالمجتمع الصيني وبالذات في المقاطعات الريفية.

3- في عام 1911 اندلعت ثورة شعبية عارمة ضد سوء الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، قاد المظاهرات حزب الكوميتاج، وهو بالمناسبة الحزب الحاكم الآن بتايوان منذ إعلان إنشائها عام 1949 وهو حزب ليبرالي مناهض للشيوعية ومؤيد للقيم الرأسمالية والحريات العامة ومؤيد لإعادة توحيد الصين مرة أخرى تحت حكم ليبرالى.

 

4- انتهت المظاهرات بإسقاط النظام الإمبراطوري الذي استمر يحكم الصين آلاف الأعوام، نصّب صن يات سين مؤسس حزب الكوميتاج وأحد قادته نفسه رئيسًا مؤقتًا لجمهورية الصين معلنًا عزمه على إقرار دستور مدنى ليبرالي للبلاد وإجراء انتخابات رئاسية، يسمى الصينيون صن يات سين بابو الأمة.

 

 

5- بالفعل في عام 1912 جرى إقرار أول دستور صيني في الجمهورية، وجرت انتخابات رئاسية أسفرت عن فوز يوان شيكاي برئاسة البلاد.

 

6- بمجرد تقلد يوان شيكاي مقاليد السلطة والحكم وتأكده من إحكامه السيطرة على سلطات الدولة أعلن نفسه إمبراطورًا وحاول إعادة حكم سلالة تشينغ الامبراطورية تحت قيادته وعطل العمل بالدستور وحل حزب الكوميتاج !!!!

 

 

7- كان منطقيا ونتيجة قرارات يوان شيكاى غير الوطنية وغير المسئولة وتهوره الملحوظ أن دخلت الصين مرة أخرى دوامة عدم الاستقرار، حيث أعلن عدد من المقاطعات الصينية ونتيجة لمراهقة يوان السياسية الاستقلال وباتت الصين تموج باضطرابات سياسية واقتصادية وأصبحت البلاد على شفا التقسيم إلى دويلات وإمارات صغيرة.

 

8- في عام 1919 ونتيجة لأوضاع الصين بالغة السوء قام صن يات سين مرة أخرى وبمساعدة عدد كبير من مؤيدي الشيوعية بالصين بإعادة تشكيل حزب الكوميتاج وبدأ مرحلة إنقاذ البلاد من الفوضى.

 

 

9- بعد وفاة صن يات سين عام 1925 تولى زعامة الحزب ورئاسة الصين شيانغ كاى شيك، الذي قاد حملة عسكرية ضخمة لإعادة توحيد الصين وإصلاح ما فسد خلال فترة حكم يوان شيكاي واستعادة النظام والأمن بأنحاء الصين. قدم الاتحاد السوفيتي مساعدات ضخمة لـ كاي شيك وكان يأمل في ضم الصين إلى دائرة النفوذ الشيوعي.

 

 10- الحقيقة أن حزب الكوميتاج أصلًا حزب ليبرالي ولم يكن يومًا شيوعيًا أو مؤيدا لها، لهذا استفاد من تأييد الشيوعيين والاتحاد السوفيتي في إعادة توحيد الصين وعلاج الآثار السلبية لفترة يوان وبمجرد أن بدأت مقدمات النجاح في هذا استدار الحزب وقياداته في مقاومة الشيوعية ومحاربتها بعموم البلاد وكاد الحزب أن ينجح في هذا لولا غزو اليابان للصين عام 1931 واحتلالها أجزاء هامة وواسعة من الصين، استمرَّ الاحتلال الياباني 14 عامًا وانتهى باستسلام اليابان عام 1945 ، اسفر الاحتلال الياباني للصين عن موت 85 مليون صيني وتشريد ونزوح اكثر من 100 مليون صيني آخرين، وبدأ ما يعرف بالمقاومة الصينية للاحتلال الياباني بقيادة كاي شيك.

 

11- باستسلام اليابان ونهاية الحرب العالمية الثانية وانسحابها من جميع المناطق التي احتلتها بالصين، اصبح بالصين قوتان تتنازعان على السلطة والنفوذ هما أنصار حزب الكوموتاغ بقيادة كاي شيك وأنصار الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسى تونغ ومعه نخبة من كبار الشيوعيين الصينيين وعلى رأسهم دينج زياو بينج الذى سيكون له دور فيما بعد في تطوير الصين، ووضع اسس نهضتها وانطلاقها لتكون ما هى عليه اليوم، تصارعت القوتين على حكم الصين ودخلت عموم البلاد حربا اهلية مدمرة، انتصر الشيوعيون بقيادة ماو وبمساعدة الفلاحيين الصينيين على الكوموتاغ وأنصاره الذين فرو إلى جزيرة تايوان. كان السبب الرئيسي لانتصار الشيوعية بالصين هو دعم وتأييد عشرات الملايين من الفلاحين الصينيين الفقراء الحالمين بتغيير واقعهم الصعب ووجدوا في الدعوات الشيوعية بصيص أمل في غدا أفضل من واقعهم المأساوي، وترتكز شيوعية ماو والصين على الفلاحين كمحرك وداعم مستديم لثورتها وطريقها للتغيير، ولكنها تسببت في قتل عشرات الملايين من أفراد الشعوب من أجل التمكين لأفكارها الناقصة وأنظمتها الفاسدة.

 12- في أكتوبر 1949 أعلن ماو قيام جمهورية الصين الشعبية، ونصب نفسه رئيسا للبلاد.

 

 

13-  كان لتدني المستوى التعليمي لماو وخبراته السياسية المتواضعة الأثر السلبي على قراراته التي أضرت بالصين بالغ الضرر أثناء فترة حكمه. تدرج ماو بالمناصب في الحزب الشيوعي الصيني، بمجرد تقلده حكم الصين وفي سبيل التمكين لنظامه وضمان بقاؤه بالسلطة قتل في عهده  30 مليون صيني.

 

 14 - حقق ماو بعض النجاحات في مجالات التعليم والصحة ضمن خطة اسماها القفزة الكبرى ولكنها كانت نجاحات لم تكن قائمة على اسس نهضوية وحضارية ثابته بل قائمة على العشوائية والهمجية أكثر منها قائمة على التنظيم والتخطيط، انتهت خطته الإصلاحية بموت 30 مليون صيني هم تكلفة فرض أفكاره وخطته بالقوة وبعشوائية غير مسبوقة.

 

 

15- بين عامي 1959 و1961 كتب عمدة بكين مسرحيتين عن قاضٍ عادل وشجاع من القرن السادس عشر الميلادي واجه الإمبراطور الصيني بذاك الوقت وهاجم ظلمه وسوء إدارته للحكم وعدم اكتراثه بمعاناة الملايين من شعبه، كان الإيحاء والإسقاط إلى ما يميز حكم ماو واضحًا.

 

 16- أمام هذا الوضع وكاي ديكتاتور نهم للسلطة أنانيته تتفوق بكثير على وطنيته قرر ماو نقل صراعه مع غالب قادة الحزب على السلطة إلى الشارع والتلاعب بعواطف العامة والدهماء للحفاظ على كرسي الحكم حتى ولو تسبب هذا في حرب أهلية ، وهو ما قد حدث .

 

 

 17 - من أجل معركته على السلطة كوّن ماو ميلشيات شعبية عرفت بالحرس الأحمر، تولت تلك الميلشيات تكوين ما عرف باللجان الثورية التي قادت قطعانًا من الدهماء والعامة بالشوارع في كافة أنحاء الصين، تولى متملقو السلطة بالإعلام وعديمو الضمير تغذية حالة من الهيستيريا الجماعية بين اولئك القطعان حتى قاموا بمهاجمة المدارس والجامعات والاعتداء على المدرسين وأساتذة الجامعة وتدمير مقراتهم التعليمية.. تعطلت الدراسة بالمدارس والجامعات 4 سنوات، وأمام حجم الاستعداء لطبقات المجتمع بعضها على بعض اضطر عدد كبير من المعلمين إلى العمل في الفلاحة.

 

18- تم مهاجمة المتاحف والمعابد وتدمر جزء من سور الصين العظيم وتم حرق المكتبات العامة بما تحويه من ملايين الكتب في فروع العلم المختلفة، تمت مهاجمة المسئولين المحليين بالمقاطعات والاعتداء عليهم ، كان الهدف هو سيطرة ماو ومؤيدوه على مقار الحكم ومفاصل الدولة. كانت خطة ماو الانقلاب على الدولة بكل اجهزتها وإعادة تأسيس نظاما موالٍ وبشدة له شخصيا وتنحية المعارضين له من كافة مناصبهم، كان يريد اختصار الدولة في شخصه هو وليس أي شيء اخرى، وقد نجح في هذا حتى وصل الامر أن تم تاليه ماو وعبادته ، وتحوله إلى اسطورة!!!!!!.

 

 19 - أصدر ماو اوامره إلى السلطات الأمنية بعدم التعرض لتلك الاعمال الارهابية التي مارستها ميلشياته، وبعد أن حصل على السلطة وضمن الحكم بلا منازع تحول إلى ميلشياته وامر السلطات الامنية بمحاصرة خلايا الحرس الاحمر وتصفيتهم، قادت تلك التصرفات إلى فوضى عارمة بالبلاد، ودمار اقتصاد الصين وعشرات الملايين من القتلى وانفلات أمني وفساد إداري وأخلاقي واجتماعي وتحول الصين إلى دولة ضعيفة ينهشها الجوع والمرض والجهل.

 

 20- طيلة 4 سنوات من عام 1965 إلى عام 1969 كان العلم والعلماء ضحية السياسات الحمقاء لماو، طيلة 4 سنوات لم يتخرج من الجامعات الصينية طالب واحد، قضى معظم أساتذة الجامعة اوقاتهم في تنظيف الشوارع وزراعة الأرز !!!

 

 

21- جرت مناقشات بصوت خافت في أروقة الحزب الحاكم الشيوعي عن خطر وجود ماو بالحكم وأثر سياساته المدمرة على حاضر الصين ومستقبلها، ولكن وحتى وفاته عام 1976 لم يستطع قادة الحزب ازاحته عن السلطة ، فقد كان عبقريا في اثارة الفتن وزرع التنافس والتصارع بين أجنحة السلطة وتيارات الحكم، كانت شعبية ماو وسط البسطاء وعامة الناس تغذيها دوما الالة الاعلامية الضخمة للدولة التي تبرر الاخفاقات وتطمس الكوارث بل وتحول المصائب إلى إنجازات.

22- بوفاة ماو استغرق دينج زياو بنج احد قيادات الحزب الشيوعى الصينى النابهين عامين اخريين لازاحة مساعدى ماو ومنهم زوجته من سدة الحكم فيما عرف بعصابة الاربعة. لتبدا الصين تحت قيادته نهضتها الرائعة وتجربتها المثيرة. لتحقق نبوءة بنيكيتا خروشوف زعيم الاتحاد السوفيتى ففي عام 1957 وأثناء زيارة للزعيم الصينى ماو لموسكو قال وهو يشير إلى دينج: أنظر إلى هذا الرجل القصير هناك، انه مفرط الذكاء وله مستقبل عظيم يعلو بكثير قامته-.

 

 

 

عصر دينج زياو بينج وتلاميذه وجهودهم لإعادة بناء الصين وتحديثها

(دينج زياو بنج 1904-1997 )

 

عام 1978 والصين دولة متخلفة في كل شيء تعانى من الفقر والجوع والمرض تنبأ دينج زياو بالانتهاء من عملية تحديث الصين والتي ستتوج بهيمنة الصين على العالم خلال نصف قرن بداية من عام 1978 وهو العام الذى تولى فيه رسميًا رأس السلطة والحزب الشيوعي الحاكم بالصين. نتائج الصين بجميع مجالات عناصر القوة الشاملة للدولة في عهده وعهد خلفائه تشير إلى أن تلك النبوءة سوف تتحقق وبدقة بداية من العام 2030 .

كان لدينج أخطاؤه التي اعترف بها في البدايات الاولى لانخراطه بالعمل العام والحزب الشيوعى الصينى والتى دعم فيها سياسات ماو بكل اخلاص، بل ساعده بحكم نفوذه الكبير داخل الجيش الاحمر بصفته احد مؤسسيه في حسم صراعه على السلطة لصالحه وفي انشاء ميليشيات الحرس الاحمر التي استخدمها ماو في التنكيل بمعارضيه واستكمال سيطرته على حكم البلاد وترسيخ نظامه في ستينيات القرن الماضي، ولكنه سرعان ما تبين له لاحقا خطأ تلك السياسات ونتيجة ذكاؤه تعلم وبسرعة وأدرك الجوانب السلبية لسياسات ماو، الأمر الذى اغضب ماو منه مرات عديدة انتهت بتجريده من جميع مسئولياته بالحزب بل ونفيه إلى مدينة جيانجشى في نهاية ستينيات القرن الماضي .

مؤسس الجمهورية الصينية ماو تسي تونج (يسار) وعراب النهضة الصينية الحديثة دينج شايو بينج

 

استغلَّ دينج فترة نفيه تلك واستغرق في القراءة المتأنية والعميقة في مجالات مختلفة سياسية واقتصادية وإدارية وتاريخية، كان حادّ الذكاء ويتمتع بقدرات عقلية استثنائية كما اعترف سابقًا بهذا كلما تعامل معهم ويتقدمهم ماو نفسه، وبالتالي حين تولى السلطة كانت لديه التجربة الثرية ولديه الرؤية الصحيحة والعلم والخبرة لقيادة الصين نحو التقدم والنهضة واعادة بناء اركان الدولة. كان دينج يحظى باحترام المؤسسة العسكرية الصينية، لهذا كان دينج هو الوحيد القادر على اعادة سيطرة ماو على الجيش بعد أن خشى من انفلات الامور بداية من سبعينات القرن الماضي فعاد دينج مرة اخرى إلى صدارة نظام الحكم بالصين في عام 1973 كنائبا لماو .

 

علق دينج على فترة تأييده لسياسات ماو واشتراكه المؤثر في تطبيقها أن الزعماء بشرا وليسوا الهة . وكان محقا ، ليت زعماؤنا يملكون من الحكمة قدر حكمة دينج ويدركون بعمق تلك الحكمة الرائعة .

 

أشرف دينج على خطة انعاش أقتصادى للصين ووضع برنامج للاصلاح ودفع الصين نحو نمو اقتصادى سريع بين عامى 1974 و1976 ، كان اساس برنامج دينج الاصلاحي اقتصاد السوق الاشتراكى ، تطبيق هذا البرنامج واجه معارضة عنيفة من زوجة ماو وعدد من الماويين وعصابتها التي عرفت بعصابة الاربعة ، اتهم دينج علانية بالخيانة ، وكان على وشك أن يقبض عليه ويلقى بالسجن والمحاكمة الا انه بموت ماو في نهاية عام 1976 تغيرت الاوضاع وبدا دينج في تنفيذ افكاره وبرامجه الاصلاحية والتى افتتحها بمساعدة مؤيديه بالجيش الاحمر والحزب له في القبض على زوجة ماو وعصابتها وتطهير الدوائر العليا بالحزب من الفاسدين والمتطرفين والتمهيد لمرحلة اعادة بناء الصين التي كانت في بداية عام 1978 دولة متخلفة ضعيفة ينتشر فيها الجوع والمرض والجهل .

 

خطة دينج زياو بينج للنهوض بالصين ( 1978-1992 )

 

كان دينج برجماتيا أعلن منذ اول يوم لتقلده مفاتيح السلطة بالصين أن التقدم الاقتصادى الضروري لإنقاذ الصين اهم بكثير من الايدولوجيات، حتى اليوم لم يجرؤء أحد بالسلطة الحاكمة في مصر على نقد فترة حكم عبد الناصر والسادات ومبارك والاعتذار للشعب عن رعونتهم وتهورهم وفساد اراؤهم وايدلوجياتهم ومنهجمهم في الحكم وأدارة الدولة، وفي هذه الايام تحتفل الحكومة بعيد ميلاد صاحب اكبر الهزائم العسكرية في تاريخ البلاد الحديث وتحتفى به .

 

 يمكن تلخيص ملامح واسس اعمال دينج التي اسست لنهضة الصين في النقاط التالية:-

 

التأسيس لحكومة نظيفة ، أمينة ، غنية بالكفاءات والمواهب والعقول السياسية والاقتصادية والإدارية المتميزة ، أثمرت جهود دينج في أفراز طبقة حاكمة توصف بدوائر الغرب بانها من اكثر العقول السياسة حكمة ونباهة وكفاءة بين حكومات العالم ، نتائجهم وانجازاتهم في تطوير الدولة وحماية أمن مواطنيهم واضحة.  وكان الاصلاح السياسى والادارى بالصين مقدمة سابقة لحزمة الاصلاحات الاقتصادية التي سنتناولها فيما بعد .

 

 

كان دينج بذكائه الحاد المعروف مدركًا وبعمق مساوئ حكم الفرد والانظمة الديكتاتورية، لقد كان في جزء طويل من حياته السياسية عضوا فاعلا ومؤثرا وهاما في نظام ماو، كما انه عانى أشد المعاناة من السياسة المتسلطة لماو وكاد يفقد حياته مرات عديدة ، لهذا كان من اولى قرارات دينج تطهير مراكز اتخاذ القرار العليا بالحزب من عديمى الكفاءة وانصاف المثقفين وقليلي العلم والمواهب والراديكاليين التقليديين الذين اتخذوا من الشيوعية دينا ومن ماو الها ومن فلسفته دستورا.

 

كان يتحدث عن أن الكفاءة والقدرة والفعالية التي هى اهم من الايدلوجيات أيا كانت شيوعية او راسمالية ، لهذا اهتم بكفاءة الحكم وفعاليته وقدرته على النهوض بالدولة اكثر من فلسفة الحزب والحكم واتجاهاته الفكرية خاصة التي ثبت ضلالها وسببها في تعطيل نهضة الصين.

 

منذ عهد دينج وحتى اليوم تتمتع الصين بقيادة جماعية ممثلة في اللجنة الدائمة للمكتب السياسى للحزب الحاكم والتى تتكون من 9 اعضاء يراسهم رئيس الدولة وهو ايضا غالبا ما يراس اللجنة العسكرية المركزية التي تسيطر على كافة انشطة الجيش وفروعه .

 

ربط دينج أعمال تلك اللجنة الفائقة الاهمية بشبكة من مراكز الابحاث الجامعية والخاصة ومخازن للافكار وبنوك للمعلومات بحيث يستحيل أن يتخذ قرارا خاطئا بسبب نقص في المعلومات او العلم او عدم وضوح الافكار وندرتها او السرعة والعجلة عند اقرار السياسات ،

 

وكان للمجلس الوطنى لنواب الشعب في انتخاب رئيس الدولة ورئيس السلطة التشريعية والموافقة على التعينات الكبرى بالجهاز الادارى للدولة دور هام والمحورى، كما أن له صلاحيات مساءلة ومحاسبة وعزل المسئولين بما فيهم رئيس الدولة ورئيس الوزراء ، كما يقر المجلس الوطنى القوانين والتشريعات وله سلطة تعديل الدستور .

 

طالت اصلاحات دينج كافة اركان الحكم والية عملها بما يضمن كفاءة الادارة وصواب الحكام ، شملت اصلاحات دينج اللجنة العسكرية المركزية وراسها شخصيًا حتى اعتزاله العمل السياسى والعمل العام ، لجنة الانضباط والتفتيش المركزية المسئولة عن مكافحة كافة اشكال الفساد بالحزب واجهزة الدولة ، المحكمة الشعبية العليا ، النيابة العامة ، مجلس الدولة وهو بمثابة الحكومة المركزية للصين .

 

بالتوازى مع الاصلاحات الإدارية والسياسية التي بداها دينج وبسرعة تحول إلى الاصلاح بمجال التعليم، حيث اعطى صلاحيات واسعة لمجالس الجامعات في ادارة شئونها المالية والإدارية وخفف كثيرا من سيطرة السلطات المركزية ببكين على شئون الجامعات الامر الذى ساهم في تطوير سريع وتحديث ضخم فيها ادى إلى تحسن ملحوظ في ترتيب الجامعات الصينية العالمى بعد زيادة عدد الابحاث العلمية الصينية وارتفاع درجة نوعيتها وبعد أن تم ربطها بخطة الدولة القومية في الإصلاح، وكان من اقوال دينج الماثورة أن مجانية التعليم حق للمواطنين الصينيين وليس منحة من الحكم والحكومة .

 

من ما سبق ورغم أن نظام الحكم الصينى يبدو ظاهريا ديكتاتورى الا انه في الحقيقة يضمن وبشدة ديموقراطية اتخاذ القرارات داخله  واليات ممتازة من اجل ضمان دقتها وصحة أغلبها، كما أن أكثرية اعضاء نظام الحكم من اصحاب الكفاءات السياسية والاقتصادية والإدارية المتميزة بغزارة العالم ورجاحة العقل والتى تعتمد على مراكز للابحاث متقدمة تقدم المشورة الدقيقة والعلمية.

 

بعد أن انتهى دينج من خطته في التحول السريع والتغيير المدروس في اعضاء السلطات الحاكمة واعاد هيكلة كافة اجزاء نظام الحكم الصينى واستبدل الفاسدين وعديمى الكفاءة بالنابهين والنظيفين، وبعد أن تاكد من ربط كافة مؤسسات الحكم بمراكز الابحاث وبنوك الافكار والمعلومات، وبعد أن تاكد من اصلاح الجامعات ومراكز ابحاثها وبالتالى انعكاس تلك الإصلاحات على كفاءة تلك المنظمات التعليمية وقدرتها على القيام بدورها الهام لمساعدة السياسيين والتكنوقراط على اتخاذ القرارات السليمة واقرار السياسات الناجحة  بدأ اولى خطوات برنامجه لاصلاح الاقتصاد وبدأ بقطاع الزراعة .

 

فقامت الجامعات ومراكز الابحاث بمساهمات جليلة في امداد الفلاحين بالسلالات الجيدة والارشادات السهلة البسيطة والمبيدات وطرق مقاومة الافات ، استخدمت الالات والميكنة الزراعية وبكثافة.

وبحلول عام 1987 وبعد 8 سنوات من جهود دينج تضاعف الناتج المحلى الصينى مرتين وتحقق للصين اكتفاؤها الذاتى من الغذاء ولم يعد العالم يهتم كما هى العادة كل شتاء بمجاعات الصين وملايين البشر الذين كانوا يموتون لا لشيء الا لتخلف وفساد حكامهم .

 

 

فى عام 1987 بدا دينج تطوير خطته الإصلاحية لتشمل باقى قطاعات الاقتصاد وبخاصة تنمية المدن كان الهدف تلك المرة مضاعفة الناتج المحلى اربعة مرات بحلول عام 2000 ، كانت خطته سهلة وبسيطة ولكنها كانت في وقتها عبقرية ، قام بانشاء مناطق خاصة بجنوب البلاد بالقرب من الموانئ تتمتع بكل الخواص الجاذبة للاستثمارات الاجنبية والمحلية ، كان الهدف من تلك المناطق أن تعمل كمحركات عملاقة للاقتصاد الصينى كله مشابهة في الية عملها لتجربة النمر الاسيوى هونج كونج.

 

 

 الحقيقة كان لى حظ العمل بالصين مديرا اقليميا لاحدى المجموعات الكبرى المصرية ، توليت بنفسى عمل خطة عمل Business Plan شملت كافة مقاطعات ومناطق الصين ، جزء هاما من الدراسة كان دراسة اقتصاد مقاطعات الصين على مستوى الاقتصاد الكلى وخصائص كل مقاطعة وعدد سكانها والصناعات التي تميز اقتصادها واهم الحاصلات الزراعية التي تنتجها واجمالى ناتجها المحلى واهم مدنها وانشطة السكان وغيرها من المعلومات الهامة التي تساعدنا في اتخاذ القرارات الاستراتيجية على مستوى المجموعة فيما يخص سوق الصين ، لقد اندهشت من دقة التنظيم والتشابهه في جميع المقاطعات ومناطق الحكم الذاتى والمناطق الإدارية الخاصة ، هناك حصر دقيق لموارد كل محافظة التعدينية والزراعية وقدراتها الخدمية كالسياحة والنقل وغيرها ، ثم توجيه حكومى للاستثمار المحلى والخارجى بمجالات تناسب تلك المميزات النسبية لكل منطقة .

فى كل مقاطعة يبنى التخطيط الحكومى على توفير فرص العمل بالقطاعات المتميزة بكل مقاطعة والتى تمنحها مميزات نسبية عن باقى المناطق ، في كل مقاطعة تشعر وكان هناك عقولا تفكر ليل نهار من اجل استغلال كل سنتيمتر من الارض وكل مورد متاحا للعمل على دعم اقتصاد المقاطعة.

 

 

يمكن أن نلاحظ من الجدول السابق مثلا أن مقاطعة قوانغدونج وعاصمتها جوانجشو مثلا دخلها المحلى 1200 مليار دولار ( 6 اضعاف الدخل القومى المصرى تقريبا حسب بيانات 2017 ) في حين عدد سكانها 108 مليون نسمة ، ازيد قليلا من سكان مصر ومساحتها 180 الف كيلو متر يعنى تقريبا 18 % من مساحة مصر، تعتبر تلك المقاطعة أحد محركات الاقتصاد الصينى العملاقة، فهي تعتبر هونج كونج الصين الثانية.

 

أيضا مقاطعة جيانجسو وعاصمتها نانجينج ، دخلها المحلى 1140 مليار دولار ( خمسة اضعاف دخل مصر تقريبا ) ، عدد سكانها 80 مليون نسمة ومساحتها 102 الف كم مربع

 

مقاطعة شاندونج وعاصمتها جينان ، دخلها القومى 1000 مليار دولار ( 4 اضعاف دخل مصر تقريبا ) ، عدد سكانها 96 مليون نسمة ومساحتها 153 الف كيلو متر مربع ، اهم مواردها ومصادر دخل سكانها الصناعات البترولية والكيماوية – الذهب والاحجار الكريمة.

 

مقاطعة جيجيانغ وعاصمتها هانجتشو، دخلها القومى 700 مليار دولار وعدد سكانها 55 مليون نسمة ومساحتها 102 الف كم مربع ، يعتمد اقتصادها على زراعة الارز والشاى والقطن والاسماك كما تعد مركزا هاما لصناعة الحرير .

 

مدينة شنغهاى، أحد مناطق الإدارة الخاصة بالصين، تتمتع بقوانين وتشريعات خاصة جعلت منها من اهم الموانئ العالمية ومركزا ماليا وصناعيا عالميا ، تتميز بصناعة السفن والالكترونيات والغزل والنسيج بالضافة إلى صناعة المقاييس وخدمات اللوجستيات والخدمات المصرفية ، تقع بورصة شنغهاى فيها وهى خامس اهم سوق مال عالمى تندرج فيها حوالى 1100 شركة كبرى راس مالها 3500 مليار دولار ( لاحظ راس المال السوقى للبورصة المصرية 160 مليار دولار ) ، ناتجها القومى 414 مليار دولار ( ضعف ناتج مصر تقريبا ) ، عدد سكانها 24 مليون نسمة ومساحتها 6500 كم مربع .

 

لعلك لاحظت عزيزى القارئ من ما سبق كيف ينعم الصينيون بالرخاء والازدهار والتقدم ، كيف تحولت الصين من دولة ضعيفة ومتخلفة إلى احد اهم اقطاب العالم الاقتصادية والسياسية وفي طريقها لتكون الاولى عالميا ، انها معجزة الادارة الحكيمة والحكام الوطنيين..

 

 الصين هى الصين قبل 1978 وبعدها المتغير الوحيد هو حكمة القيادة ومتانة النظام الحاكم وديموقراطية اتخاذ القرارات ، لن اطيل في شرح جوانب النجاح بالتجربة الصينية ولكن ما يجب أن نؤكد عليه ونحن نختم محاولتنا ايجاز الجوانب المستفادة من تجربة الصين أن الهدف الرئيسى في جميع مراحل الاصلاح السياسى والاقتصادى والادارى كانت رفاهية المواطن الصينى والوصول بمستوى معيشته لنفس مستوى معيشة المواطن بالدول المتقدمة وان الوصول إلى هذا الهدف باقل التكاليف وبسرعة كان الشاغل الوحيد لجهود جميع قادة الصين . منذ البدايات الاولى لخطط الاصلاح ادرك قادة الصين اهمية الاصلاح السياسى والادارى بسدة الحكم واهمية اصلاح المؤسسات التعليمية والبحثية وربطها بدوائر صنع القرار .

 

 كلما حققت الاصلاحات عوائد مالية كانت الحكومة تدعم بها برامجها لرفع مستوى معيشة عموم الصينيين، كانت تنفق بسخاء على التعليم والصحة والبحث العلمى ، لم تبدأ الحكومة تسريع برامج تحديث جيشها ومؤسساتها العسكرية الا مع البدايات الاولى لهذا القرن بداية من العام 2000 أي  بعد مرور 18 عاما من بداية خططها للاصلاح ، كانت الحكومة تستثمر في تحديث البنية التحتية بكافة انحاء البلاد وتنفق عوائد التنمية الاقتصادية على تطوير وتحديث انظمة الدولة التعليمية والصحية والاجتماعية والجهاز الادارى للدولة بحيث يواكب احدث تطورات العلم والتكنولوجيا..

وما أن تحقق لها هذا بدات خطط تحديث الجيش تتسارع وبدا الانفاق الحكومى على تحديث الجيش وبرامج التسليح الضخمة يتزايد لقد وفرت التنمية الاقتصادية عوائد وموارد ضخمة مكنت الدولة من تعويض الفترات الزمنية السابقة والتى وجهت فيها غالب موارد الدولة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم جاء الدور على الجيش والصناعات الحربية التي وجدت معينا لا ينضب من الموارد المالية والقدرات البشرية والعقلية والامكانيات البحثية والعلمية وفرتها المجهودات الضخمة التي تمت سابقا لتحقيق التنمية ، فكانت خطط تحديث الجيش بكافة اسلحته وعتاده تجرى وبمعدلات عالية وتحقق نتائج ممتازة اهلت الصين اليوم لتشكل مصدرا لقلق الولايات المتحدة الأمريكية التي تفاجاة من التحديثات التي جرت على قوات الصين وامكانياتها العسكرية في فترة وجيزة ، ، لقد اثمرت الاصلاحات على توفير حياة كريمة مناسبة لعموم الشعب ومن المنطقى الانفاق لحماية تلك الانجازات ولكى يكون للدولة سياسة خارجية تحمى مصالحها تدعمها قوات عسكرية متفوقة.

 

 لم تختلف اسس النهضة والتغيير ولا مراحلها في جميع الدول الكبرى الاخرى عن تجربة الصين ، جميعها تتشابه في السياسات وحتى اولويات الاصلاح ، جميعها بدات بالاصلاحات السياسية ثم الاقتصادية ، جميعها اعتمدت على النابهين واصحاب المهارات العقلية والإدارية لقيادة لحظات التغيير الصعبة الاولى في حياة كل شعب . جميعها احتاجت للوطنين الشرفاء واستغنت عن الانانيين والارزقية والمراهقين سياسيا والاهم الخونة والعملاء. جميعها اولت أهتماما بالغا بالمواطن وتعليمه وتحسين ظروفه واوضاعه المعيشية والخدمات التي تقدمها الدولة له ، تصرفت حكومات الدول التي نهضت وتقدمت ومنها الصين من منطلق خدمة المواطنين وليس استخدامهم وشتان بين سلوك الحكومات في كلا الحالتين .

 

مهندس / خالد محمد فراج

القاهرة . يناير 2018

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان