رئيس التحرير: عادل صبري 02:02 صباحاً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

بالصور..صناعة الفخار.. تبحث عن قانون ضد الاندثار

بالصور..صناعة الفخار.. تبحث عن قانون ضد الاندثار

تقارير

الفخار تشكو الإهمال

قِبلة للسياح.. و"البيئة" تطارد أصحابها

بالصور..صناعة الفخار.. تبحث عن قانون ضد الاندثار

الشرقية – محمد عادل 11 نوفمبر 2013 10:08

ارتبط رسم السيدة المصرية الريفية عند كثير من الفنانين في لوحاتهم الفنية بحملها أواني فخارية فوق رأسها إيحاء منهم بمشاركتها زوجها في العمل والاجتهاد..

هذه الأواني الفخارية كادت تغيب من مخيلة الفنانين والمبدعين لأنها اليوم تطارد من قِبل مسئولي البيئة حتى كادت أن تندثر مثلها مثل الدخان الذي كان ينبعث عند صناعتها، بعد أن كانت مصدرًا للربح الوفير، وكان فَنِّيُّوها من أثرياء القوم.

 

نظرة تاريخية على صناعة الفخار

يقول محمد الدسوقي، فني مُسِنّ لصناعة الفخار بالشرقية: إنَّ صناعته لها جذور فرعونية قديمة، بل تصل إلى ما قبل الميلاد ولا زالت موجودةً في عصرنا الحديث ولكنَّها أصبحت تُحارَب مثل تجارة المخدرات. على حد وصفه.

وأشار إلى أنه يملك بَرْدِيّة منحها الملك فاروق لأسرته تكريمًا لفَنِّهم المميَّز في صناعة الفخار، مضيفًا: "كنا ننتج الأواني التى تقدَّم للغذاء والقُلّة والزِّير واللَّبَّانة التى توضع فيها الألبان بعد أن تُحلب من المواشي، وكثيرًا من الأغراض الأخرى، وكان الرزق وفيرًا نظرًا لإقبال جميع الأسر على هذه المنتجات؛ حيث كانت سلعة أساسية لكل منزل، وكان في المقابل ورش صناعية كثيرة اندثرت معظمها اليوم، حيث تجد عدد الورش بمحافظةٍ مثل الشرقية لا يزيد عن 4 ورش فقط منهم واحدة على طريق بلبيس والأخرى على طريق الزقازيق- منيا القمح.

 

تابع: "وبعد هذا التكريم من الملك والسائحين أصبحنا نعتصم من أجل البقاء، بسبب قرارات المحافظين التي تجبرنا على غلق هذه الورش بعد اتِّهامنا بتلويث البيئة، وهو ما يعدُّ هدمًا مباشرًا لتراثٍ مصريٍّ أصيل يجب الحفاظ عليه".

 

صناعة تبحث عن قانون يحميها

من جانبه أكد شوقي الدسوقي، فني صناعة الفخار بالشرقية، أن بداية المشكلات بدأت مع تحضُّر الأسر واعتمادها علي الأواني المعدنية، وسط السبعينات، حتى أصبح الاعتماد عليها هو الأساس وبالتدريج انتهى وجود السلع الفخارية من المنازل باستثناء بعض الأسر التى تضع أواني فخارية لفَلْتَرة المياه وتبريدها مثل (الزير والقلة) أمام منازلهم.

وأكمل: "أصبحنا أقرب إلى المزار السياحي؛ حيث تأتي أفواج من السائحين لمشاهدة كيفية صناعة هذه الأواني، وتحوَّلْنا إلى سلعة سياحية جديدة للبلاد ولكن قرارات المحافظين ترفض وجودنا؛ بسبب تلوث البيئة".

وأشار شوقي إلى أن بداية الصِّدام مع المحافظ جاءت منذ محاربة ظاهرة السحابة السوداء التي تنتج من مخلفات حرق قش الأرز في نهاية كل موسم حصاد، وكان المحافظ يرى أن مقامير الفخار والفحم هي من أسباب هذه الظاهرة (السحابة السوداء) وكانوا كثيرًا ما يرسلون لنا حَمَلات أمنية لغلق هذه الورش.

وأضاف أنهم اكتشفوا أن الاعتصام هو أحد أسلحة بقائهم، وهو ما دفع المستشار يحيى عبد المجيد محافظ الشرقية الأخير، أن يقرِّر وديًّا وباتفاق مع الفَنِّيِّين السماح لهم بالعمل ليلاً فقط والغلق طول النهار؛ تجنبًا لظهور السحابة السوداء.

 

تعرض الفنيِّين للبطالة

"قل الرزق وذهب العمل ونعمت أيدينا"  هذا ما قاله السيد العربي، أحد الفنيين الشباب الذين تعلموا فنَّ صناعة الأواني الفخارية، مؤكدًا أن غلق الورش أثَّر بشكل كبير على هذه المهنة التى كانت من أهم معالم التراث المصري والفرعوني بل القبطي الذي ازدهر فيه الفن التشكيلي وتحول من فنٍّ كنائسيٍّ إلى فنٍّ تقليديٍّ؛ حيث كان من أهم هذا الفن التقليدي ظهور هذه الأواني في لوحاتهم الفنية، واعتمادهم على الطبيعة.

وبيَّن أن هذا الفن صُدِّر إلى العديد من الدول العربية والعالمية، وهذا ما يجعلنا نؤكد ونقول إننا أصحاب تاريخ بل ومستقبل، حيث تعودنا منذ الصغر أن لا يخرج أحد من أسرتنا خارج هذه المهنة، فكلنا نعمل فيها من أصغر طفل وجب عليه العمل وحتى كبيرنا، ولكن بعد أن أصابتنا البطالة وأصبحنا عاطلين وجب عليَّ الخروج من هذا الوطن، إذ إنني فكرت كثيرًا في الهجرة والعمل في الخارج، وخاصة بعد أن فشلت جميع محاولات شيوخنا في تقنين أوضعنا المهنية مع المسئولين.

 

سائحون في صور تذكارية

الطفل الصغير محمد شوقي، ابن العشرة أعوام، قال: لم نكن نتخيل أن يكون أكبر أمانينا هو زيارة فوج سياحي لنا بدلًا من العمل والعرق والبيع والشراء، هذه الكلمات التى رسخت في رأس الطفل لم تكن تعاليم لغوية بقدر ما هي مكتسبات لشرح الصورة التى يعاني منها كبار أسرته وآباؤه وعشيرته، ولتصبح الصور التذكارية مع السائحين هي الشيء الذي يجلس الجميع ويتحدث عنه، حيث إيُّهم الأفضل، فهذه الصور أصبحت مركز اهتمامهم بدلًا من العمل في فنٍّ يحترمه المصريون القدماء والعالم، ويعود إلى آلاف السنين.

 

الفخاريون: المسئولون يرفضون فكرة التوطين خارج نطاق المصانع الضخمة

الشيخ شوقي، شيخ الفخاريين بالشرقية، عبر عن غضبه الشديد لرفض المستشار يحيى عبد المجيد محافظ الشرقية الأسبق  لفكرة توطين أصحاب هذه الصناعة في أماكن خارج الكتلة الصناعية، والتى كانت ضمن الحلول التقليدية مع مباحثاتنا معهم، لضمان عدم تعدِّينا على البيئة طبقًا لمفهوم المحافظ.

وأضاف الشيخ شوقي أنَّ المحافظ رفض كل الحلول من توفير قطعة أرض بديلة تكون خارج الحيز العمراني وتسمح لهم بمزاولة عملهم، مشيرًا إلى أن علة عبد المجيد كانت هى في استمرارية فكرة انبعاثات الأدخنة سواء كانت داخل الحيز العمراني أو خارجه ووصولها للقاهرة، وقال لنا: لا يجب العمل خارج نطاق المصانع التى بها أجهزة وتخضع لمعايير البيئة والصحة، وطبقًا للمعاهدات الدولية.

 

البيئة: لسنا في حرب مع أصحاب صناعة الفخار

في المقابل أكد المهندس علي عبدالرحمن مدير شئون البيئة بمحافظة الشرقية السابق، أن مسئولي المحافظة لم يكونوا في نزاع مع أصحاب المهن الفخارية، ولكن كانت المحافظة في أزمة حقيقية مع السحابة السوداء التى كان تأثيرها خطيرًا ومحرجًا للغاية لكل مسئول، وكانت هذه الورش الفخارية تُخْرِج كمًّا كبيرًا جدًّا من الأدخنة التى تندمج مع سحابة قشِّ الأرز، ولذلك وجب علينا حماية البيئة وغلق هذه المقامير.

وقال: طلبنا من رجال أعمال كثيرين قبول أولاد وعمَّال هذه الورش بمصانعهم لتوفير عمل بديل لهم، ولكنهم كانوا (أي العمال) يرفضون ويُصرُّون على مواصلة عملهم الذي تربوا عليه.

كما أكد أنه شخصيًّا تباطأ كثيرًا في تنفيذ غلق هذه المقامير، متعاطفًا معهم ومع العمال، وكنا دائمًا نضع مسئولية مهنتهم أمام أعيينا، وطالب من المسئولين الحاليين الحفاظ على هذه العملة النادرة اليوم على "حد وصفه" وتقنين أعمالهم من خلال رجال أعمال يتولون مسئولية بناء مصانع صالحة بيئيًّا وتوفر لهم فرصة لزيادة إبداعهم، فهم لديهم الكثير من الطاقات الفنية المهدرة، ويجب تنميتها بدلاً من إبادتها.

 

الجمعيات الأهلية تتضامن مع العمال ونرفض تلويث البيئة

ومن جانبه أشار عصام كامل، المحامي ومدير الجمعية المصرية لحقوق الإنسان بالشرقية، إلى أنَّه مع العمال في ضرورة الحفاظ على الفن الفخاري وتوفير رزق كريم لعمَّالها، وصف هذه الصناعة بالتراث المصري الأصيل، ولكنَّه رفض أيضًا وجود أدخنة كثيفة تخرج من أفران الفخاريين.

وقال: يجب علينا البحث عن بدائل لتقنين هذه الأدخنة ومساعدة أصحاب الورش الصغيرة في إمكانية وجود أفران صناعية حديثة بدلاً من الفرن البلدي الذي لازال صناع هذه المهنة يعتمدون عليه حتى اليوم، دون تحديث، ولكنه عبَّر عن كونها (الأفران) نموذجًا مميزًا له طابع بدائي ويأخذ نمط الحياة القديمة التى تنتهي من معالم المجتمع الحديث بالتدريج، ويمكن مناقشة كل هذه الأمور مع المحافظين الجدد وخاصة بعد ثورة 25 يناير والتي قامت من أجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، تلك الأشياء الثلاثة التي يبحث عنها أصحاب هذه الصناعة اليوم ويجب توفيرها لهم مع الحفاظ على هذه المهنة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان