رئيس التحرير: عادل صبري 06:18 صباحاً | الجمعة 21 سبتمبر 2018 م | 10 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

الإشاعات المطبوخة تثقل كواهل المصريين

الإشاعات المطبوخة تثقل كواهل المصريين

تقارير

وزير التموين المستقيل خالد حنفي

الإشاعات المطبوخة تثقل كواهل المصريين

وكالات - متابعات 30 أغسطس 2016 08:37

يصفها بعضهم بأنها حال من السيولة الخبرية، ويصنفها آخرون تحت بند الفقر المعلوماتي، ويراها فريق ثالث حرباً شعواء على البلاد وهجمة شنعاء على العباد، فيما تنعتها مجموعة صغيرة بالعشوائية التنظيرية المصحوبة بحمى إعادة تدوير عنكبوتية تجعل من «الحبة قُبة»، ومن «صرح مصدر مطلع» حقيقة واقعة، ومن «علمت جريدة أو برنامج كذا» واقعاً لا ريب فيه عبر الأثير.

الأثير المصري العام والخاص، التلفزيوني والعنكبوتي، الشعبي والرسمي، المؤيد والمعارض، المداهن والمنتقم، الحاضر والغائب معبأ بكم هائل من اللغط وقدر غير مسبوق من الأخبار المضروبة والإشاعات المدسوسة والمعلومات المنقوصة والأخبار المجهّلة وقواعد البيانات الملتبسة. التباس الأوضاع وتشابك المواضيع واختلاط الحابل بالنابل يجتاح الجميع في ظل تقلص الحقائق المعروفة. حسب تقرير لصحيفة الحياة اللندنية.

معرفة الأسباب الحقيقية المؤدية إلى إقالة/استقالة وزير التموين خالد حنفي ستظل حلماً بعيد المنال، وهو ما يفسر حال القبول الجماعي لذهابه، كما ذهب غيره، من دون أن يعرف أحد حقيقة لماذا جاؤوا ولماذا ذهبوا. ذهاب وزير التموين جاء بعد فورات من الأخبار المسربة تارة والمعلنة تارة أخرى عن فساد منظومة القمح، تلاها تفجير مفاجئ للغم قديم اسمه إقامة الوزير في فندق خمس نجوم.

نجوم الإعلام وملوك «توك شو» لا يفكرون مرتين قبل أن يجترفوا من ينابيع «الأخبار» العنكبوتية المتفجرة على مدار الساعة. فمن مذيع لامع ظل يصرخ على مدى ساعتين حول قانون بناء الكنائس الجديد وكيف أن نصوصه المعدلة حوت قيوداً على بناء المنارات، ومنعت تماماً وضع الصلبان، وحددت مقاييس لارتفاع القباب، ثم خرجت المسودة النهائية من دون هذا أو ذاك أو تلك. بل صرح متحدثو الكنائس والقائمون على أمر الطوائف بأن كل ما تردد من قيود في البناء وعراقيل في الارتفاع لم يكن سوى من وحي خيال العنكبوت ومن بنات أفكار «الشير» (المشاركة) وإعادة الشير ومنهما إلى الصحافة والإعلام والدوائر الشعبية. صحيح كانت هناك مقترحات من الدولة بتعديلات وضعت الكنائس في وضع مبهم، لكن خضع الأمر للنقاش، وعادت الأمور إلى ما كانت عليه من وفاق قبل التعديل.

لكن الوفاق العائد عاد في أجواء شديدة الالتهاب مسيحياً وذلك بعد ذيوع الأقاويل وانتشار الأكاذيب في شكل لم يتوقف عنده كثيرون. فأن يخرج أصحاب صفحات «فايسبوك» و «تويتر» من المعروفين بتوجهاتهم الأيديولوجية الغارقة في الإسلام السياسي والمتهمة النظام الحالي بمجاملة المسيحيين على حساب الإسلام وتطويق الإسلام والمسلمين بهدف محاربة الدين والمتدينين لدرجة نعت الرئيس عبدالفتاح السيسي بـ «اليهودي» حيناً وقول إن «أمه مسيحية» حيناً، ليحذروا «أشقاء الوطن» من أن القانون الجديد سيزيل الصلبان، ويمنع بناء القباب، ويسهب في تقييد التشييد، يعني أن في الأمر شيئاً ما مريب.

ارتياب مشابه وتشكيك مطابق تنضح به دوائر الشباب والناشطين على حد سواء. مقطع فيديو متداول على أثير الصفحات العنكبوتية يصور انفعال طلاب جامعيين يسبون مفتي الديار المصرية السابق الدكتور علي جمعة والمعروف بتأييده للنظام الحالي ورفضه لفكر «الإخوان» أصبح ضمن أكثر المقاطع تداولاً ومشاهدة خلال الأيام الخمسة الماضية باعتباره حدثاً إخبارياً مثيراً تحت عنوان «علي جمعة يطالب باستخدام القوة ضد الخوارج (الإخوان)». قليلون فقط هم من تكبدوا عناء البحث عن أصل المقطع فوجدوه يعود إلى شهر أيلول (سبتمبر) 2013، وهو ما جعل إعادة تحميله وترويجه «لزوم الطبيخ».

الطبيخ الدائرة رحاه هذه الآونة صادر عن مطابخ عدة. فالطائرات الفرنسية الأربع التي تصدرت عناوين الصحف المصرية والبرامج الحوارية والجلسات الشعبية على مدى أيام تأرجحت خبرياً بين تقارير فرنسية عن شراء مصر أربع طائرات من طراز «فالكون سفن إكس» من دون تحديد الجهة المستخدمة لها، وتحليلات مصرية غاضبة متسائلة عن التناقض بين دولة تتقشف وتقترض وتمعن في ربط الأحزمة على البطون ثم تشتري «طائرات رئاسية فارهة» وتنظيرات مصرية أخرى مبررة الشراء وراضية عن التحديث بحكم أن «مصر دولة كبيرة وحتماً تحتاج الطائرات الجديدة»، ونفي مصادر مطلعة أن تكون الرئاسة اشترت الطائرات، وتنويعات داخلية وأخرى خارجية تدق على أوتار نظام الرئيس السيسي «الذي ينفق ببذخ على مظاهر الرئاسة» وتبكي على أطلال الرئيس السابق محمد مرسي «الذي لم يمهله الانقلاب الفرصة ليثبت للشعب أنه الأكثر تقطيراً على نفسه من أجل الإسلام والمسلمين»، ومقالات صحافية غربية وأخرى عربية محسوبة على جماعة من دون أخرى تتحدث عن الاقتصاد المصري الواهن والإنفاق الرسمي المتجاوز.

تجاوز «خبر» تسريح ملايين الموظفين الحكوميين حد المنطق وحاجز المعقول. فمنذ تحدث الرئيس عن كاهل الدولة المثقل بنحو سبعة ملايين موظف يقومون بأعمال لا تحتاج سوى مليون موظف فقط، والهبد والرزع على قدم وساق. فبين أذرع خبرية عنكبوتية تكتب «أخباراً» عنوانها «السيسي يعلن تسريح ثلاثة ملايين موظف» وفحواها «السيسي يلغي الدعم» والفيديو المصاحب للبرهنة على صحتها «لا يعمل»، وأخرى تلفزيونية تبكي على أطلال «دواء الإخوان الذي كانت تحتاجه مصر» و «الشفاء الذي أجهضه السيسي»، يعزف كثيرون أوركسترا الأخبار المخلوطة بالإشاعات والمتخمة بأهداف غير معلنة.

المعلن الوحيد في بحر السيولة المعلوماتية والوفرة غير الخبرية كان نفياً قاطعاً وارداً من علاء مبارك ابن الرئيس السابق حسني مبارك. فبعد أيام من الإشاعات الساخنة المخلفة مشاعر غاضبة عن قرب ترشح علاء مبارك لرئاسة نادي الإسماعيلي، نفى الأخير الخبر جملة وتفصيلاً، ليغلق صفحة من صفحات صيد بعضهم في مياه «عودة الفلول» العكرة، وصحوة الحزب الوطني.

وطنية المصريين وكواهلهم المثقلة تتقاذفها أمواج القيل والقال، والخبر والإشاعة، والتحديد والتحريف، والضغط والضغط المضاد، لكن أكثر ما يوجعها هو الصمت الرسمي، والشح الحكومي، والترشيد المعلوماتي في الإفصاح عما يجري وترك الساحة نهباً للسيولة.

 

اقرأ أيضًا:

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان