رئيس التحرير: عادل صبري 05:14 مساءً | الأحد 25 فبراير 2018 م | 09 جمادى الثانية 1439 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

"الصياد الأرزقى": التحايل على الرزق بشبكة وقارب تجديف

"الصياد الأرزقى": التحايل على الرزق بشبكة وقارب تجديف

أحمد عبدالمنعم 12 أكتوبر 2013 19:46

"توكلنا على الله".. قالها الريس "هلال" قبل أن يطلق شباكه فى مياه بحر الإسكندرية بمنطقة محطة الرمل والتى أكسبتها أشعة الشمس الأولى لوناً ذهبياً براقاً، وبينما كان أبناء "الثغر" ينعمون بنوم هادئ، وسط سكون "الرياح" الموسمى، الذى يمر على المدينة الساحلية فى تلك الأيام، خرج "هلال" رافعاً يده للسماء، مبتهلاً ألا تبخل عليه برزقها الوفير.

 

أعلى صخور وضعتها المحافظة لصد أمواج المياه المتسارعة نحو الشاطئ، وقف تسعة صيادين، فى همة ونشاط يتجاذبون أطراف الحديث عن حكايا و "حواديت البحر"، بينما كان "هلال"، عاشرهم ، ينمق الشباك قبل "رحلة صيد" يومية، أعتادوا الخروج إليها فى ذلك التوقيت، يبدأ أولهم فى التقاط أطراف الشباك، مرتدياً صديرى سكندرى مميز، أختفى لونه الأبيض تحت كميات الشحوم والزيوت التى تخلفها مراكب الصيد، بينما توشح بسروالاً فضفاضاً معصوباً برباط ضخم لفه حول خصره، يستخدمه لربط الحبال به حتى لاتهرب منه، ومن خلفه ما يزيد عن تسعة اخرين يكررون نفس العمل، لتجميع شباك تغطى ما يزيد عن ألف متر فى عرض البحر.

 

همة ونشاط الصيادين تجبر المارة على الوقوف دقائق معدودات لمتابعتهم أثناء عملهم، حرصهم الشديد والدقة فى التعامل مع الشباك، وصبرهم وإنتظارهم فى كل عمل يؤدونه، يجبر الجميع على إحترامهم.. مشهداً يبدوا "كرنفالياً" من بعيداً.

 

رحلة عمل طويله، تبدأ فى الصباح الباكر، بنصب الشباك يدوياً فى عرض البحر، والإنتظار بجوارها لمدة قد تصل فى بعض الأحيان إلى 12 ساعة لحين جمع الشباك قبل غروب الشمس، عملاً مرهقاً يبرره "الريس هلال" قائد المجموعة بـ"غلاء المعدات ووقود المراكب الكبير" والتى يقول إن "كبار تجار حلقة السمك" هم وحدهم من يملكون تلك التقنيات المتطورة، المصاحب لـ"مراكب الشنشولا" و"مراكب الجر" المجهزة بالمواتير، والتى تقوم بعملهم فى ساعة واحدة بدلاً من إثنى عشر ساعة.

 

"صيادين أرزقية"، هكذا وصف "هلال" نفسه هو ومجموعته، فهم يمثلون الوجه الأخر من الصيادين فى المدينة الساحلية، التى تحتوى على أقدم حلقة لبيع الأسماك وبعمر يتجاوز 160 عاماً.

 

لجوء الصيادين لهذه الطريقة "الدوية" لم يكن بسبب ضعف الإمكانيات المادية فحسب، لكنه كان محكوماً بـ"النفوذ والسطوة" التى يمارسها كبار تجار حلقة السمك على البائعين الصغار، بحسب قوله، فلا يتم السماح لهم بالوقوف داخل الحلقة إلا إن كان لهم ترخيصاً رسمياً من المحافظة وهو ما لم يقدرون عليه.

 

فى لحظات يتحول البحر إلى سوق تجارى كل مجموعة من الصيادين تعرف مكانها وحدودها، ولا "تجور" على مكان الأخرى، هكذا يشرح "هلال" طريقة عملهم، فالكل ملتزم بالمكان الذى يصطاد به، فبين كل قارب صغير فى المياه توجد مسافة يحدد نهايتها الحد الفاصل من نهاية شبكة كل صياد لتبدأ معها منطقة أخرى لمجموعة جديدة من الصيادين، يمارسون نفس العمل.

 

تتجسد المعاناة لـ"الصياد الأرزقى" فى القدر، حين يشاء أن تخرج الشباك خاوية بعد إستمرار نصبها فى المياه لمدة 12 ساعة والإنتظار بجوارها لحمايتها.. روى "هلال" تلك الكلمات، بصوت أجش بدا عليه نبرة الحزن، مشيراً إلى إن تلك الواقعة حدثت أكثر من مرة لأكثر من مجموعة من الصيادين، بعد أن تكبدوا عناء يوم عمل طويل، والقوا بشباكهم فى السابعة من صباح اليوم وانتظروا بجوارها فى السابعة مساراً، لتخرج وبها نصف كيلوا فقط من الأسماك.

 

"إحباط الفشل" لم يمنع "هلال" من الحديث عن "الإيمان بالقدر والرزق" وإن "الخير قادم" فى الرحلة المقبلة لليوم التالى، ورغم خروج الشباك خاوية، إلا إنه يعود لمنزله راضياً.

 

مشكلات عديدة يواجهها "هلال ومجموعته" ومن يسير على دربهم تتمثل فى غلاء المعدات والوقود وعدم توافره أحياناً لمراكبهم الصغيره ما يضطرهم لتشغيلها يدوياً بالتجديف وهو أمر يرهق المجموعة لإنها تقوم بمجهود إضافة لإلقاء الشباك، بالإضافة إلى شهر مايو ويوينو اللذين يمنع فيهما الصيد، ويضيف القدر عليهم "النوات" المتعاقبة على المدينة والتى تبدأ من أول ديسمبر وتنتهى قبل حظر الصيد فى مايو بفترة وجيزة.

 

يوماً كاملاً قضاه الصيادون فى المياه، ويبدأ بعدها عرض محتوى الشباك للمارة على الكورنيش، وما هى إلا لحظات قليلة حتى يقبل زبائنه المعتادين واللذين اجمعهم بهاتفه المحمول.. "هما متعودين أول ما أرنلهم يعرفوا ان السمك وصل".. يتحدث عن زبائنه الذى بات يعرفهم بالأسم ويعرف نوع السمك الذى يطلبه كل منهم، لكن يبقى "السردين والبساريا" هما المطلب الأول لغالبيتهم.. "لأنه بيقوى العظم وبيمنع الهشاشة".. هكذا يفسر سر الإقبال عليه بين غالبية المشتريين.

 

أما الجزء الأكبر من الأسماك فيتم حملها على حلقة السمك، وهناك تبدأ مزادات بيع اليوم الواحد.. "شراغيش، بساريا، بلطى".. نداءات يكررها اتباعه داخل الحلقة، يعرضون بضاعتهم والبيع للأعلى سعراً، فمن عائدها سيتم تقسيمه عليهم وبعدها يستعد كل منهم ليوم جديد يحمل نفس السناريو

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان