رئيس التحرير: عادل صبري 04:04 مساءً | الثلاثاء 21 أغسطس 2018 م | 09 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

أحلام مهاجرة على قوارب الموت

أحلام مهاجرة على قوارب الموت

تقارير

صورة الطفلة

أحلام مهاجرة على قوارب الموت

محمد أبو سبحة 11 يونيو 2016 17:26

"غرق قارب يقل نحو 700 شخص" هكذا عنونت بعض المواقع والوكالات الدولية يوم 3 يونيو2016، خبر غرق شباب وعائلات بأكملها مع أحلامهم في السفر الي أوروبا، لينتهي حال أغلبهم جثث طافية علي إمتداد سواحل البحر الأبيض المتوسط أو كوجبة لأسماك القرش قرب جزيرة كريت اليونانية.

 

في مصر حيث انطلق منها القارب المشؤوم قاصدًا "إيطاليا" اقتصرت أخبار بعض المواقع الإخبارية المصرية على الإشارة إلى الحادث من بعيد، موضحة أن الضحايا أغلبهم من إريتيريا والسودان.


طفلة مصرية تدخل إيطاليا بمفردها


لكن خبر نجاة طفلة مصرية تبلغ من العمر ثلاث سنوات، ونجاحها في الوصول إلى إيطاليا فتح بابًا للتساؤل عن ما إذا كان القارب حمل على متنه مهاجرين من جنسيات مصرية أيضًا.


منظمة الهجرة الدولية التي قدرت عدد ركاب القارب بـ 700 شخص من مختلف الأعمار والجنسيات، نقلت عن أحد المهاجرين الذين تم إنقاذهم، قوله إن رجلاً كان برفقتهم عهد إليه بطفلته طالبا منه تسليمها إلى اقاربها في ايطاليا، مشيرًا إلى أن والد ووالدة الطفلة وشقيقيها لم يعد يعلم عنهم شيئًا.


وهنا بدأت رحلة البحث عن موْطن هذه الأسرة في مصر لعلنا نصل إلى خيط يرشدنا إلى الحقيقة، ورغم ندرة المعلومات، والتعتيم الإعلامي الذي فرض على الحادث، تمكنا من خلال شبكة علاقاتنا من الوصول عنوان أسرة الطفلة وهو في قرية "أبو شلبي" مركز فاقوس شمال محافظة الشرقية، والتي يسافر منها سنويا مئات الأشخاص بطرق غير شرعية نحو جنوب أوروبا.


المعلومات التي وصلت إلينا من أحد أبناء القرية أفادت بأن والد الطفلة المصرية وتدعي "جنا" قد نجا من الغرق وعاد إلى مصر وحيدًا بعد أن فقد زوجته وابنه الرضيع.


 

شهادة غريق


وفي قرية أبو شلبي التقينا أولا بـ (ر.أ) شاب عشريني في منزله بمدينة أبو شلبي بعد أن عاد من موت محقق قبل ثلاث أيام، كان يتلقي فيهم العزاء في زوجة وابني أخيه الصغيرين بعد أن فقدهم في عرض البحر.


يقول: "بالقرب من جزيرة كريت اليونانية كنت أصارع الموت في عرض البحر بعدما غرق القارب الذي كان يقلنا من الإسكندرية ولم تنقذني إلا سُترة النجاة التي ارتديتها مصادفة قبل غرق القارب بدقائق، ويضيف سقطت من القارب بينما كان أبناء أخي وزوجته لا يزالون علي متنه ينتظرون الغرق ولم أدر بنفسي إلا بعد انقاذي لأجد نفسي على ظهر بارجة حربية مصرية بدونهم، أوصلتني الأسكندرية ثم خضعت للتحقيق لمدة 16 ساعة ثم تم ترحيلي إلى الشرقية في سيارات عسكرية.


وعن تفاصيل الرحلة غير الشرعية يقول (ر.أ) كنت ضمن 300 شخص حوالي 80% منهم سودانيين، انتظرنا في المياه بالإسكندرية لمدة 5 أيام فيما يعرف بـ "التخزين" حتي موعد الرحلة الذي اكتمل ببلوغ هذا العدد ثم أقلع القارب بنا في البحر الأبيض المتوسط نحو ليبيا، لكن بمجرد بلوغنا مشارف اليونان توقف محرك القارب فجاة وأخبرنا طاقم المركب المكون من 7 أشخاص أن هناك عطلًا فنيًا في المحرك، انتظرنا حتي أجري الطاقم اتصالاته من خلال جهاز الثريا –هاتف فضائي يستخدم القمر الصناعي في الاتصال- فحضر لانش آخر به فنيين قاموا بإصلاح قاربنا لكنه تعطل بعدها مرة أخري، ثم اقتربت منا سفينه تجارية وسحبتنا لبضعة كيلومترات في البحر ثم قطعوا الحبال وتركونا وغادروا.

 

ماء وخبز يابس طعام 10 أيام


يلتقط (م.أ) الحديث وهو لم يتعدي عمره بعد الثمانية عشر عاما فيقول كنا نعامل أسوأ معاملة من قبل طاقم المركب بداية من مرحلة "التخزين" التي أجبرنا فيها علي البقاء في مزرعة دواجن بمنطقة الأسكندرية، وحتي إبحارنا في المياه حيث كانوا يعطونا فقط القليل من الماء في الصباح والمساء، والخبز اليابس فقط، وأضطررت للشرب من البحر كثيرا بسبب العطش ووضع الخبز اليابس في الماء حتي أستطيع أكله، وبسبب هذه المعاملة السيئة لأيام توفي إثنان سودانيين لإصابتهم بنوبات سكر، فيما كانت يعاني الأطفال الرضع الموت بسبب عدم توفر الحليب.


 ويضيف قبل وصولنا الي اليونان انضم الينا علي فترات 360 شخصًا آخرين من جنسيات مختلفة مثل اريتريا وأثيوبيا وجزر القمر لتصبح حمولة المركب في النهاية 660 شخصًا.


وقوع الكارثة


ويستطرد، بحلول اليوم التاسع في عرض البحر ومع إستمرار تعطل القارب إستغثنا بناقلة بترول مرت بجوارنا فانزلوا الينا حبال لقطر القارب لكن بسبب الأمواج العاتية وعدم وجود مصدات كان الارتطام بين السفينة والقارب شديدا مما أدي الي تحطم أجزاء منه، وهنا حدثت الكارثة حيث بدأ الماء يتسرب الي القارب ورغم إستغاثتنا بطاقم السفينة الا أنهم رفضوا إخراجنا من المركب وكان أحدهم يصور القارب وهو يغرق، وبعد تحطم لثلاث أجراء وغرق نصف الركاب بدأوا في القاء سترات النجاة والحبال لسحبنا من المياه.


ويضيف، أول شيء غرق في القارب هو مقدمته وكان فيه حجرة في الأسفل للنساء بها حوالي 200 إمرأة غرقن جميعا بأطفالهن ولم تنجوا منهن سوي ثلاث نساء كن علي سطح القارب خرجن قبل غرق المركب بدقائق ليستعطفن طاقم السفينة من أجل السماح لنا بالصعود، ثم تحطم القارب بشكل كلي.


ويعتبر هذا الحادث هو الثالث خلال أسبوع واحد فيما يتعلق بعمليات إنقاذ لاجئين أو وصول بعضهم إلى جزيرة كريت اليونانية.


رحلة سياحية!

يعرض السماسرة علي الشباب في المقاهي فكرة السفر الي أوروبا، عبر قارب سياحي آمن في رحلة قد لا تستغرق أسبوعًا ويمنوهم بسهولة الحصول على الوظيفة والعيش الرغد هناك، لدرجة أن بعض الأسر تبيع منازلها من أجل توفير نفقات السفر إلى أبنائها.


وعن سبب تفكيره في السفر بهذه الطريقة رغم سنه الصغير يقول لا أجد عملا هنا وأهلي ينتظرون هذه الفرصة لمساعدتهم، مشيرا إلى أن والده وقع للمهرب علي جميع الأوراق التي طلبها لتسديد مبلغ 25 ألف جنيه في حالة وصول نجله إلى اليونان عبر ايطاليا، لافتًا إلى أنه كان هناك نحو 100 مواطن مصري من الشرقية وسوهاج والغربية.


الحالة الاقتصادية الصعبة لم تكن السبب الرئيسي لدى جميع المهاجرين علي ظهر هذا المركب، فمن أغرب القصص التي تكرر ذكرها علي ألسنة الناجين، رجل متيسر ماديا ولديه من الأملاك ورؤس الأموال ما لا يمتلكه الكثير من أبناء القرية ورغم ذلك وجدوه بينهم علي ظهر هذا القارب مع زوجته وطفلته اللذان تبين انه أوهمهما بالذهاب الي "المصيف" ليفاجئوا بالموقف الذي أصبحوا فيه، وينتهي الحال بعودته هو وزوجته بعد أن فقدا ابنتهما في البحر مع الضحايا.


وبحسب أحدث التصريحات لمسؤولين في منظمة الهجرة العالمية يبلغ عدد الضحايا الذين لقوا حتفهم في البحر المتوسط هذا العام خلال محاولتهم الوصول إلى جنوب أوروبا لطلب الحماية بإعتبارهم لاجئين أو للبحث عن حياة أفضل، 2809 أشخاص.


وشاركت عدة سفن مع خفر السواحل اليوناني في إنقاذ الضحايا، وبعضها اتجه بهم الي قناة السويس، والأسكندرية مباشرة، وآخرين تم نقلهم الي ايطاليا ثم ترحيلهم الي مصر جواً.


لكن لا يزال هناك مفقودين لا يعلم زويهم عنهم شيئا رغم مرور أكثر من أسبوع علي الحادث، ولم تتواصل معهم السلطات المصرية التي تفرض حالة من التعتيم التام علي الحادث.


لجوء سياسي

وعودة الي منزل العائلة التي فقدت ثلاثة من أفرادها حيث  تحدثنا من هناك عبر الهاتف الي (أ.إ) الذي أستقر في ألمانيا قبل تسعة أشهر بعد أن إستطاع الوصول الي هناك علي متن أحد القوارب، حيث كان ينتظر وصول زوجته وابنيه مع عمهم إلى إيطاليا ليجتمع شمل العائلة من جديد في أوروبا، لكن شاءت الأقدار أن يتفرق الشمل الي الأبد ويعود شقيقه وحيداً الي مصر بينما لا تتوافر أي معلومات عن الزوجة والأولاد حتى الآن.


وقد حدثنا فور عودته من مكتب مكافحة الهجرة غير شرعية في ايطاليا بمدينة "سيراكوزا" بجزيرة "صقلية" بعد أن حرر محضرًا بفقد أبنائه علي متن القارب الذي غرق بتاريخ 3 يونيو، وقال تأكد لي بما لم يعد يدع مجالا للشك أن زوجتي وأبنائي ماتوا في الحادث، وأنهم غير موجودين ضمن المصابين ولا حتي في إيطاليا أو اليونان وأن جميع من فقد في الحادث من أبناء قريتي قد ماتوا جميعا.


وأشار إلى أنه تجري تحقيقات حاليا من قبل السلطات الإيطالية مع قبطان ناقلة النفط اليونانية Lpg Ship في الجنوب الايطالي بتهمة الإهمال والتسبب في الحادث وتعريض حياة ركاب القارب للخطر، حيث إنه لولا تدخله غير مسئول لما تعرض القارب للغرق، مشيرًا إلى أنه كان يتعمد حدوث كارثة للحصول من الحكومة علي مكافأة نظير إنقاذه الغرقي.


وعن سبب إقبال أسرته علي السفر بهذه الطريقة يقول، خرجت من مصر طالبا حق اللجوء السياسي في ألمانيا لمعانتي في بلدي مصر، ولست أملك تحمل مصاريف السفر السياحي لأسرتي، ولم أوافق علي سفر زوجتي وأولادي بعد أن اشتقت إليهم كثيرا بهذه الطريقة الا بعد أن أكد لي المهربون انهم سينقلون علي متن قارب سياحي آمن.


ومن واقع التحقيقات الإيطالية يكشف لنا أرقام ومعلومات هامة فيقول، عدد الناجين 223 شخصًا، وعدد العائدين الي مصر 94 شخصًا، أما عدد الغرقي فهم 314 وتم انتشال 9 جثث فقط من موقع الحادث، وجميعهم من جنسيات عدة من إريتيريا والصومال والسنغال ومصر ودول أخري.


بقي أن نذكر أنه أثناء إجراء هذا التحقيق علمنا أن هناك رحلة أخري خرجت من مدينة أبو شلبي بمحافظة الشرقية الي الأسكندرية استعدادًا للسفر إلى إيطاليا حيث ينتظرهم قارب آخر هناك!.

 

شاهد فيديو أحد الناجين من القارب

 

 

صورة لمحضر والد الطفلة في إيطاليا

 

 

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان