رئيس التحرير: عادل صبري 12:34 مساءً | الاثنين 15 أكتوبر 2018 م | 04 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

بالفيديو..فى عز البرد..3 أطفال يسكنون الرصيف بعد بيع البيت لعلاج الأم

قصص من الشارع

بالفيديو..فى عز البرد..3 أطفال يسكنون الرصيف بعد بيع البيت لعلاج الأم

آيات قطامش - أحلام حسنين 08 يناير 2015 17:26

رياح عاتية أخذت تقذف المارين  يمينًا ويسارًا بكورنيش النيل الذي غطته شبورة مائية كثيفة، وشمس اختبأت خلف مجموعة من السحب المتراكمة، ليضحى الكورنيش شبه خالٍ بعدما لجأت كل  أسرة إلى مسكنها لتحتمي فيه من هذا الطقس البارد بين جدران البيت الأربعة.

أشخاص يمكن عدهم على أصابع اليد الواحدة أخذوا يهرولون في خطوات متسارعة لا ترى من أجسادهم سوى أعينهم التي أخذت ترمق الطريق من أمامهم، وانكمشوا أسفل مجموعة من الثياب الثقيلة ارتدوا الواحدة منها  فوق الأخرى في محاولة للاختباء من نسمات البرد القاسية التي ترتطم بوجههم بين الحين والآخر، فهنا لا أحد يلتفت حوله الجميع يشق طريقه مباشرة في اتجاه منزله هربا من هذا البرد.

وفى ظل تلك الأجواء وأثناء عبورنا سريعًا للكورنيش استوقفنا مشهد لطفلة تجلس بمفردها على رصيف الكورنيش، والبرد يحيط بها من كل جانب، ولكنها كانت سابحة عالم آخر، ونظرها لم يفارق نهر النيل، بثياب مهلهلة  لم تكترث حتى لقطرات المطر التي تتساقط من حولها بين الحين والآخر  في حين يحاول الجميع الاختباء من هذا الطقس.

الأمر الذى جعلنا نضع عن ألف علامة استفهام تعجب حول قصة تلك الفتاة التي جعلتها تجلس بهذا الشكل على الكورنيش والرياح ترتطم بها  من كل جانب .

رمقناها من بعيد وهى تجلس على الرصيف وتركن بإحدى كتفيها على سور الكورنيش، كانت شاردة الذهن وعلامات الحزن تخللت جميع ملامحها، ربما تبادر لذهننا كيف تجلس في هذا البرد هكذا وفيما تفكر؟! اقتربنا منها لم تشعر بنا يبدو أنها كانت تفكر في أمر خطير فضولنا دفعنا لمعرفة قصتها، فهذا المشهد من المؤكد أنه يحمل بين طياته حكاية كبيرة وبالفعل قاطعنا حبل أفكارها وصارحناها بما يجول بخاطرنا وسألنها، لماذا لا تحتمى من هذا البرد القارس في منزلها فبادلتنا الرد: "ده بيتى"؛ نظرنا يمينها فإذا بنهر النيل وعلى اليسار طريق تمر عليه السيارات بين الحين والآخر؛  فأي منزل إذاً تتحدث عنه فقاطعتنا بقولها : " الرصيف هو بيتي من زمان في البرد والحر بنام وناكل ونعيش عليه بعد ما بعنا البيت اللى كنا بنعيش  فيه  كلنا عشان  نقدر نعالج أمي  ومن ساعتها واحنا في الشارع وهى وحشتني جدًا".

أخذنا نفكر في حال تلك الطفلة التي تجلس يوميًا هكذا فرغم أن والدتها ماتت منذ 3 سنوات إلا أن اشتياقها لأمها وللبيت يزداد يومًا بعد يومًا؛ ونحن شاردون بخيالنا، ارتطم بوجهنا موجة صقيع جعلتنا نرتعش قليلاً إلا أن الطفلة لم يتحرك لها ساكنًا فسألنها إن كانت تشعر بالبرد وتتمنى أن تعيش في بيت مثلها مثل باقي البشر إلا أنها فاجأتنا بقولها والدموع تترقرق في عينيها : “ أنا نفسى في دفء حضن أمي ومش حاسة بالبرد".

 

يبدو أن "رحمة" التي لم تتجاوز من العمر بعد اثنى عشرة عامًا اختارت أن تخلو بمفردها لبعض الوقت وتنعزل عن أخوتها الذين يسكنون الرصيف أول الكورنيش لتسرح بخيالها في التفكير بأمها، كما أخبرتنا قائلة : "محدش حنين عليه زي أمي"

“نفسى يكون عندي أم".. كانت تلك أقصى أماني الطفلة (رحمة) التي حرمت من أمها بعد وفاتها منذ ثلاث سنوات، وسألنها  عن  شعورها بالعيش في الشارع في هذا البرد القارس ردت بتنهيدة خفيفة : “ اللى يجيبه ربنا كله حلو".

 

تركنا (الطفلة رحمة ) واقتادتنا أقدامنا إلى حيث يعيش باقي أخوتها على أول الكورنيش.. جلسوا إلى جوار بعضهم البعض حول مجموعة من الأخشاب بعد إشعال النيران بها علها تمد أجسادهم الهزيلة ببعض الدفء، نظرات شاردة وتراب أخفى الكثير من ملامحهم، يسكنون على ضفاف النيل فبيتهم يطل على الكورنيش مباشرة بل ربما يكون في أقرب نقطة مباشرة منه، بينهم ببساطة يتلخص في رصيف يفصل بينهم والعمارات الفارهة وفنادق خمس نجوم.

"نفسى في بيت".. كلمات نطقت بها أختهم الصغيرة بعدما سرحت بخيالها بعيداً لعدة دقائق وكأنها تخيلت نفسها مع أسرتها تحتمى من هذا البرد بين أربعة جدران كما كان قبل وفاة الأم التي باعوا البيت لعلاجها أو سريرها التي كانت تنام عليه ليلا بدلا من الرصيف لا نعلم تحديدًا ولكن نظرتها وهى تقول نفسى في بيت وشرودها بعيدًا كان كفيلاً بأن ينقلك معها لحلمها البسيط في نظرنا كبير وعظيم عندها .

 

سألنها عن عمرها فردت قائلة: "أبويا هو اللي عارف"، وضعت كفيها الصغيرين على وجنتيها أسفل عينيها المنهكتين من قلة النوم، فلم تفارق النار التي أخذت تتمايل مع العاصفة الهوائية.

ينتابك شعور بمجرد النظر لتلك الطفلة أنها تحمل هموم الدنيا بأكملها رغم عمرها الصغير للغاية.

وفى الوقت الذى كانت ترتعش فيه أيدينا من شدة البرد، رغم كم الملابس الذى نرتديه إلا أن تلك الطفلة الصغيرة وبضع الملابس البالية التي تغطى جسدها الهزيل فاجأتنا بقولها أنها لا تشعر بالبرد مثلنا وكأن عيشة الشارع جعلتها تتكيف مع كل الأجواء، ولا تشتكي لأحد مهما كانت تشعر من البرد فتقول :”بالليل بتغطي أنا وأبويا وأختي وأخويا بالبطانية ديه"، وأشارت بأنملها  الصغير عليها وبمجرد أن وقع نظرنا علي تلك البطانية وجدنا قطعة قماش لا نعرف إن كانت بطانية أم ماذا من كثرة الأتربة التي تراكمت عليها، ولكن ليس أمام الأربعة سواها ظنا منهم أنها تمنع عنهم لفحات البرد المتتالية.

 

جلس يقلب بعصاة خشبية بضع الفحم المشتعل ليبعث ببعض موجات الدفء إلى أخته الصغيرة، ووالده النائم، لم تختلف هيئته كثيرًا عن أخوته، سألناه عن عمره ولكنه أيضًا لم يكن يعلم فالأيام لديهم متشابهة؛ "عبده" شقيق رحمة أخبرنا بأنهم يسكنون الرصيف منذ سنوات كثيرة ولكن لا يعلم كم بالتحديد، ولكن كل ما يتذكره أنهم كانوا يعيشون في بيت، ولكن مرضت الأم بالسرطان وتوفيت نتيجة العلاج الخاطئ وصرفت الأسرة كل ما لديها لعلاج الأم قائلاً: ”لدرجة اننا بعنا البيت اللى عايشين فيه عشان نعالجها وبعدما ماتت دفعنا الباقي عشان ندفنها".

“نفسى في كشك اشتغل فيه عشان اصرف على أخواتي منه".. كانت تلك أقصى أماني "عبده" ولكن يبدو أن محاولاته في الحصول على كشك باءت بالفشل بعدما قدم عشرات الطلبات بالحصول على كشك ولكن لم يلتفت لها أحد على حد قوله.

وعن طريقة تغلبهم على هذا البرد القارس يقول "عبده" بنولع النار عشان تدفينا وبنعمل عليها الأكل"، في تلك اللحظة قاطعنا أحد الباعة قائلاً : “ياريت بس تقولوا للحكومة توفر لهم تربة طالما مش عارفين يوفر لهم بيت مش معقول يضيع حقهم دنيا وكمان في الأخرة".

تركناهم يواصلون الحلم والمعاناة، بينما نسمات البرد ترتطم بوجوههم، يحيط بهم نهر النيل من جانب، وبنايات شاهقة من الجانب الآخر، بينما يمر إلى جوارهم بين الحين والآخر مرتدين أفخم وأثقل ما لديهم من ملابس .

 

شاهد الفيديو:

اقرأ ايضاً:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان