رئيس التحرير: عادل صبري 01:25 صباحاً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

بالفيديو.. الجذام يجتاح الأقصر والصحة ترفض التعليق معللةً: أمن قومي

بالفيديو.. الجذام يجتاح الأقصر والصحة ترفض التعليق معللةً: أمن قومي

تحقيقات

صورة ﻷحد مرضى الجذام باسنا

بالفيديو..

بالفيديو.. الجذام يجتاح الأقصر والصحة ترفض التعليق معللةً: أمن قومي

محمد الجميل - محب عماد 15 ديسمبر 2014 15:38

صورة لوثيقة حصل عليها محرر "مصر العربية" كانت البداية، الوثيقة عبارة عن ورقة من دفتر الصحة، حاول التأكد من صحتها من مديرية صحة الأقصر، فكان الرد بأن هذه المعلومات تخص الأمن القومي، احتوت هذه الوثيقة على معلومات تفيد بازدياد عدد مرضى الجذام بشكل خطير في محافظات جنوب الصعيد وبالأخص مركز مدينة الأقصر حيث توضح وصول عدد مرضى الجذام إلى 2114 حالة، لم يتسن لنا التأكد من صحة هذه الوثيقة، لذلك قرر محرر "مصر العربية" بدء مغامرة للوقوف على حقيقة انتشار هذا المرض.

الجذام-10.png" style="width: 627px; height: 470px;" />

 

ركب القطار وكان كل الذي يدور في ذهنه هو التحقيق الاستقصائي الذي كان بصدده، لكنه لم يتخيل يومًا تلك المشاهد التي سيراها بعد ساعات قليلة، رجال في كامل هيبتهم ووقارهم التهمهم المرض اللعين دون أي شفقة بهم أو مراعاة لسنهم ومركزهم الاجتماعي، جاعلًا منهم غرباء في مدنهم وقراهم، بعد أن بدأت أطرافهم في التساقط واحدًا تلو الآخر، لينفر منهم عائلاتهم وذووهم.

دخل القطار محطة الأقصر أهم مدن مصر السياحية وأحد أقدم مدن العالم كله، فكانت منها البداية، حيث كان المحرر على علم بتنظيم محاضرة للتوعية بمرض الجذام، لذا قرر حضورها إعمالًا بالمبدأ الشهير "اعرف عدوّك"، والتي حاضر فيها الدكتور جمال تهامي استشاري مكافحة مرض الجذام.


بدأ "تهامي" المحاضرة بتعريف المرض قائلًا: الجذام مرض ليس شديد العدوى، ينتقل عبر رذاذ الأنف والفم، كما يمكن أن يسبب تلفًا تدريجيًا ودائمًا لجلد المصاب وأعصابه وأطرافه وعينيه، واستطرد: تتكاثر المتفطرة الجذامية ببطء شديد، وتصل فترة حضانة المرض إلى نحو خمسة أعوام، وقد تمتد فترة ظهور الأعراض إلى 20 عامًا.

وأضاف "تهامي" أن التقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أشارت إلى أن ما يقارب 182000 شخصٍ أصيبوا بمرض الجذام في مطلع عام 2012، معظمهم في دول قارتيّ آسيا وأفريقيا، كما أن مجموع المصابين بهذا المرض يتجاوز 10 ملايين شخص حول العالم.

وكانت ترددت أنباء بانتشار المرض في بعض المراكز والقرى التابعة للمدينة العريقة، لذلك قرر محرر "مصر العربية" جعلها محطة البداية في ذلك التحقيق الاستقصائي، والتوجه لمستشفى الأقصر العام، ملجأ البسطاء والذين لا يقدرون على تحمل تكاليف العلاج الباهظة في المستشفيات الاستثمارية.

لم يجد محرر "مصر العربية" ترحيبًا من القائمين على المستشفى للحديث عن المرض أو حتى التعاون، وفي أثناء الجدال ومحاولات الإقناع أمام قسم الجلدية في المستشفى، وجد المحرر ضالته، فبالرغم من أنه لم يكن اليوم المخصص لاستقبال مثل تلك الحالات، إلا أن حمدي السيد الحرش كان قد جاء لتفقد حالته وإجراء الكشف الطبي.


 

كانت قصة "الحرش" قاسية، ذلك الرجل الستينيّ الذي فقد زوجته قبل أعوام كثيرة بعد أن عاشرته لأكثر من 10 أعوام، توفيت زوجته بالمرض نفسه، وبعدها بدأ يرى تشققات في يديه، تلك اليدين اللتين كانتا تؤمنان له قوت يومه عن طريق مصدر رزقه الوحيد وهو الزراعة، وبعدها بدأ أول زياراته لعيادة الجذام في عام 1998 ليعلم إصابته بالمرض، وأن جسده سيتآكل عضوًا تلو الآخر.

عانى "الحرش" كثيرًا في قريته ألا وهي قرية الضبعية، وبدأ كل جار وقريب في التبرؤ منه وبما فيهم شقيقه، فعاش وحيدًا، وأخذ المرض ينتشر في أطرافه بقسوة فبدأ يشعر بتخدير في قدميه ويديه.

ويروي "الحرش" المعاناة التي لاقتها زوجته قبيل وفاتها، قائلًا إن قدميها بدأت في التورم، وإظهار إفرازات غريبة اللون، فذهب بها لأطباء عظام وجراحة فلم يعرفوا ما الذي أصابها، حتى وصل لطبيب الجلدية والذي أكد له إصابتها بالجذام.

جمعية "كاريتاس الخيرية"، إحدى الجمعيات المعنية بمرضى الجذام، والتي قابل محرر "مصر العربية" أخصائيًا اجتماعيًا بها في الأقصر ليشرح لنا دواعي المرض اجتماعيًا، وهو نادر عبدالملاك ساويرس، والذي بدأ كلامه بالحديث عن الدور الهام الذي تلعبه الجمعية في رعاية المرضى.


يقول "ساويرس" إن الجمعية تساعد الدولة في رعاية مرضى الجذام، حيث إن مريض الجذام يتقاضى من الدولة إعانة قدرها 30 جنيهًا شهريًا أثناء العلاج، وبعد إنهاء علاجه يتقاضى مبلغ 500 جنيه لإقامة مشروع يتربّح منه، بينما يقضي فترة علاج تتراوح بين 12 و16 شهرًا، وهذه المنظومة مطبقة من عام 1996، إلا أنها لا تكفي المريض فتساعد الجمعية في توفير تكلفة العمليات الجراحية، كما طالب برفع المبلغ لتشجيع المريض على استمراره في العلاج.

وعن الآثار المجتمعية التي يواجهها مرضى الجذام، يقول نادر إن المريض يخبئ نفسه من قسوة المجتمع، والذي يدفع البعض لعدم الذهاب لتلقي العلاج خوفًا من الوصمة التي قد تلحق به.

وتعليقًا على ارتفاع نسبة انتشار مرض الجذام في الأقصر، قال نادر إنه عندما كان مركز إسنا تابعا لمحافظة قنا، كانت تسجل أعلى معدلات انتشار المرض، وعندما تم ضم مركزيّ إسنا وأرمنت للأقصر سجلت أعلى معدلات الإصابة.

وأرجع نادر انتشار العدوى بهذه القرى، إلى قلة الوعي لدى المريض، مؤكدًا من خلال دراسة أعدتها جمعيته بأن 90% من مرضى الجذام أُمّيّون وواقعون تحت خط الفقر، وكانت العينة عبارة عن 1000 مريض من المترددين على العيادات، كما تعجب من قلة عدد الدراسات على المرض، بالرغم من أنه في نفس خطورة الإيدز وفيروس سي.

كل هذه المعلومات جعلت من مركز إسنا المحطة التالية في التحقيق، ذلك المركز الواقع على الضفة الغربية لنهر النيل، والمليء بالمعابد الفرعونية والأماكن السياحية، وتحديدًا قرية النمسا تلك القرية البالغ إجمالي سكانها تقريبًا 11 ألفًا.

قرية بسيطة لا تفرق عن معظم قرى الصعيد، مليئة بالبيوت المبنية بالطوب اللبن والمسقوفة بالخشب وأفرع النخيل، وذات الشوارع الترابية وغير الممهدة، حيث يصطف السكان أمام بيوتهم ماسكين بأذرعهم أكواب الشاي و"الجوزة" يراقبوننا نتجول في قريتهم التي لا تعتاد على استقبال الغرباء.

وقف العمدة "نصر" عند مدخل القرية مرحبًا بمحررنا، وعارضًا كل المساعدة التي كان بمقدرته تقديمها، وحاكيًا لنا تاريخ القرية مع المرض اللعين، والذي أصاب حوالي ثلث سكان القرية، بحسب كلامه.

تحدث "نصر" عن الأحوال المعيشية الصعبة التي يعاني منها المرضى، فهم منطوون على أنفسهم داخل القرية، كما أن حالتهم النفسية تسوء يومًا بعد يوم بسبب تآكل أطرافهم، مؤكدًا أن نسب الشفاء قليلة، أما المشكلة الحقيقية بحسب "نصر"، هي أن الكثير من المرضى يرفضون الخروج من القرية لتلقي العلاج.

وهاجم نصر قانون الإعانة، معتبرًا أن تلك الإعانة ضئيلة جداً ولا تُذكر، كما أنها سبب رئيسي خلف رفض بعض المرضى الذهاب إلى العيادات لتلقي العلاج، وأرجع نصر ارتفاع نسبة الانتشار إلى انعزال الصعيد عامةً وجنوب إسنا، خاصةً عن دائرة الاهتمام، وتابع "نصر" أن نسبة المرض تمثل 32% من أبناء القرية، على حد قوله.

اصطحب "نصر" المحرر إلى عدد من المرضى، متجولين وسط كبار السن المصطفين خارج منازلهم، ينظرون إلى السائرين في الشارع ويحدقون في الغرب منهم، كما تجولوا وسط الأسواق البسيطة المملوءة بالنساء المتشحات بالسواد لا يعلم أحد هل حزنًا أم هذه أحد تقاليد القرية، كما رأوا الأطفال يلعبون في الشوارع والطرقات غير معنيين بالوحش الذي ينتظر افتراسهم في يوم من الأيام.

كان أولهم عبد الحي مبروك، صاحب البيت المتهدم والذي يعيش على الإعانات بعد وفاة زوجته الأولى، والذي أصيب بالمرض منذ أكثر من 35 عامًا، ولم يعالج منه إلى الآن، بسبب إخبار الطبيب له أنه سيحتاج لعملية جراحية قد تودي بحياته، فرفض "مبروك" العلاج والذي فقد بالفعل الكثير من أصابع يديه وقدميه، كما هو الحال مع سمعه وبصره.

ومن منزل "مبروك" إلى ذلك المنزل المكون من غرفة واحدة بقرية "كوم مير" المجاورة لـ"النمسا"، حيث كانت المحطة الثانية، تلك القرية التي لا تختلف كثيرًا عن سابقتها، إلا في مظاهر الفقر الطاغية على المشهد، والأواني الفخارية البسيطة التي تزيّن بيوتها.

سكن ملاك يحيى ذلك المنزل الذي تطغى عليه معالم الفقر والذي يتكون من غرفة واحدة، يتسول "يحيى" طوال اليوم بالمركز حتى يحصل على قوت يومه هو وأسرته، أصيب الرجل الستينيّ بالمرض منذ 25 عامًا، وفقد بصره وأطرافه، كما تعرض أخوه إلى الإصابة بالمرض ذاته وتوفي به، بينما يقطن أبناء أخيه في مستعمرة الجذام بالقاهرة الآن بسبب إصابتهم أيضًا بنفس المرض الذي أودى بحياة أبيهم.

انتشر المرض بقرية كوم مير بسبب الإهمال الحكومي بحسب "خليل" أحد المشرفين الصحيين بالقرية، والذي يؤكد أن من بين جموع المصابين في القرية 3 فقط هم من يتابعون مع المستشفى، والذي قدر نسبة المصابين في مركز إسنا وحده بنص السكان، في ظل غياب المساعدات الحكومية، على حد قوله.
 

استقبل محرر "مصر العربية" أحد مسئولي وزارة الصحة وهو محمد بايزيد، وعضو مجلس الشورى الأسبق بلجنة الصحة، وأكد "بايزيد" أن إسنا أنشئ بها عيادة صحية لمرضى الجذام، وأن عمل هذه العيادة كان مستمرا بدعم من الاتحاد الأوروبي وقل بها الأدوية حتى انقطع الدعم عنها منذ عام 2010.

كما كشف "بايزيد" أن عدد مرضى الجذام كبير بإسنا وأرمنت، وأن الوضع بات محتاجًا لدعم من الوزارة لمساعدتهم، فالعدد يتزايد بجنوب مركز إسنا بداية من قرية "القرايا" إلى "نجع ترعة ناصر" جنوباً، فقلة اهتمام المسئولين بإسنا وأرمنت وارتفاع معدلات الفقر كانتا وراء انتشار العدوى بحسب "بايزيد"، حتى أن آخر حصر للمصابين كان في عام 2009 وقدر بحوالي 600 مريض.

وبالحديث عن العلاج، قال إن فى عام 1981، أوصى فريق دراسة تابع لمنظمة الصحة العالمية باستخدام علاج متعددة الأدوية يتألف من ثلاثة أدوية هى: الدابسون والريفامبسين والكلوفازيمين.

وأضاف أن المنظمة توفر هذا العلاج منذ عام 1995 مجانًا لجميع المرضى فى كل أنحاء العالم، وقد حققت ذلك في بادئ الأمر بفضل صندوق الأدوية بالمؤسسة اليابانية، وهى توفرها منذ عام 2000 عن طريق التبرعات التي تقدمها إحدى الشركات.

لم تنته الرحلة إلى أن حصلنا على صور لبعض محاضر الصحة، والتي تحوي حصرًا للمرضى الذي يتلقون علاجهم في العيادات الطبية بالمركز، لم نتمكن من حصر عدد المصابين الحقيقي، ولكن ما أثبتته لنا الوثائق هو أن هذه الأعداد ليست بالقليلة، في ظل تعتيم غير مبرر للجهات الحكومية حول الأمر، رافضين التعليق أو اعطاء أي معلومات بدعوى أن مثل هذه المعلومات "أمن قومي".

أسئلة كثيرة تطرح نفسها في نهاية هذه الرحلة؛ إذا كان عدد المصابين بذلك المرض في مركز إسنا وحده أكثر من ألفين، بحسب كلام سكانها، فكم عدد المصابين الحقيقي؟ ولم التعتيم على هذه الكارثة؟ وأين الشفافية الحكومية من إعلان التفاصيل ومواجهة الرأي العام؟ ولماذا يقف مسؤولو وزارة الصحة مكتوفي الأيدي؟! وأين هو الدعم التي تقدمه الحكومة لهؤلاء المرضى؟، وهل هم فعلًا خارج دائرة اهتمام المسئولين لبعدها عن القاهرة؟

وتظل كل هذه الأسئلة بلا إجابة، بينما تستمر معاناة مرضى لا يسمع أنينهم أحد، ولا يجدون حولهم معينا على ظروف الحياة التي زاد المرض شقاءها.

لم ينه محرر "مصر العربية" رحلته دون أن يرسل خطابًا لوكيل وزارة الصحة بالأقصر، واضعًا إياه في صندوق البريد الخاص بمديرية الصحة، يحتوي على كل ما عرفه وقام بجمعه، لكى يحصل على رد مقنع من الجانب الحكومى حول تفاصيل المرض وخطة الاحتواء، بدلا من التجاهل والاكتفاء بعبارة "أمن قومى"، فلعل وعسى يتحرك أحدهم لوقف معاناة مرضى عاجزين عن الحياة.

شاهد الفيديو

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان