رئيس التحرير: عادل صبري 12:36 مساءً | الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م | 15 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

بالفيديو.. الموت يحاصر العزبة المجهولة.. وحرب للحصول على تذكرة بـ"الخانكة"

بالفيديو.. الموت يحاصر العزبة المجهولة.. وحرب للحصول على تذكرة بـالخانكة

تحقيقات

حرب الحصول على تذكرة داخل مستشفى الخانكة

مقبرة الأحياء .. (الجزء الثالث)

بالفيديو.. الموت يحاصر العزبة المجهولة.. وحرب للحصول على تذكرة بـ"الخانكة"

مدير مستشفى الخانكة: عزبة الصبايحة "معرفش عنها حاجة"..”وعلينا ضغط 3 ملايين مريض

آيات قطامش - مريم الغرباوي 16 نوفمبر 2014 11:00

دموع احتبست في أعين الكثير من المرضى هنا بهذا المكان خلف جدران أربعة في أشباه بيوت وقفنا أمامها، بعضها مُغطى بأكوام من القش والبعض الآخر بالأحطاب، وضعت الواحدة جوار الخرى للاحتماء أسفلها، يتلوّون في كل ثانية من التعب الشديد فلا يجد أحد منهم حتى صيدلية يجلب منها مسكنًا ليُخفف عليه حدة الألم الذي يشعر به.

مرض يأكل في أجسادهم الهزيلة اليوم تلو الآخر.. صرااااخ يدوي بداخلهم لا أحد يسمعه سواهم.. ومستشفى بعيدة كل البُعد عنهم، ففكرة الخروج من بيوتهم -عفوًا نقصد العشش التي يقطنونها-؛ تجعل الموت أهون بكثير لهم من كل العناء الذي يتكبدونه أملا في الشفاء الذي أضحي بالنسبة لهم مطلبًا صعب المنال..

أجساد مريضة أُجبرت على السير مسافة تزيد عن الكيلومترين؛ عبر طريقٍ غير ممهد لا ترى له أولًا من آخر، في الوقت الذي لا يقوى منهم الكثير أن تحمله قدماه لنهاية الشارع الذي يقطن به، ليستقلوا بعدها "توك توك" يوصلهم لمستشفى الخانكة العام ليكون في انتظارهم معاناة أكبر هناك نكشفها لكم تفصيلًا في تحقيقنا..

انتقلت (مصر العربية) إلى حيث يقطن هؤلاء المرضى في منازلهم بعزبة الصبايحة، علنا نستطع نقل أنين هؤلاء لنخرجها من حيز أربعة جدران متهالكة إلى عالم البشر ربما تحرك أوجاعهم قلوبًا تنتشلهم من موت يأكل أجسادهم يومًا بعد يوم.. ملف نضعه أمام المسؤولين الجالسين خلف مكاتبهم..

دموع عجوز

بين أربعة جدران من الطوب الأحمر وعلى أحد الملاءات البالية، رقد عم عباس صاحب الـ 75 عامًا يواري جسده الكهل من زمان ترك أثره بتجاعيد وجدت لها مكانًا في كل جانب بوجهه، واضعًا أمامه موقدا صغيرا عليه براد الشاي الذي اعتاد أن يؤنس وحدته؛ فعمل كوبًا من الشاي ليحتسيه، وهو أقصى ما يمكن أن يفعله؛ بعدما عجز عن الحركة نتيجة الإهمال الطبي الذي تسبب في كسر أحد قدميه لتسبب له في نهاية المطاف إعاقة جعلته لا يقوى على حمل جسده الهزيل.

أخذت الدموع تنساب من عين (عم عباس) وهو يتحدث إلينا حيث خرجت الكلمات متحجرة من حلقه، وحملت بين طياتها الكثير من الألم الممتزج بقهر وذل الزمان.. شرد عم عباس بخياله بعيدًا متمنيًا لو أن حالته تحسنت حتى يتمكن من أن يخطو بعض الخطوات حتى يتثنى له الخروج من منزله لرؤية ما يحدث.

"نفسي في كرسي متحرك عشان أشوف الجو شكله إيه بس"، كانت تلك أقصى أمانى العجوز التي رآها صعبة المنال، قالها بعدما ارتكن بظهره إلى الجدار في الوقت الذي عجز أن يوقف سيل الدموع التي انهمرت من عينيه، أما فكرة الذهاب إلى المستشفى للعلاج فلم يعد يفكر بها الآن بعدما وقفت الـ 100 جنيه أجرة المواصلات حائلاَ دون ذلك؛ الأمر الذي أعجزه عن الذهاب للعيادة الخارجية ومتابعة حالته قائلًا:" اجيب منين".

 

"كعب داير" على المستشفيات

بمنزل آخر رقد الطفل (يوسف).. الذي لم يتخط عمره بعد الـ 6 أعوام، لا يعي ما يدور حوله فقط يسمع أصوات الأطفال وهم يلهون بين آن وآخر، ليخترق ضحكاتهم نافذة حجرة الصغير وتقرع أذنيه ؛ ففكرة الخروج للعب معهم أبعد ما يمكن تحقيقه له.

أما والدته فتهالكت أقدامها من التنقل بين المستشفيات لعلاج ابنها المصاب بضمور في المخ منذ ولادته ما بين علاج طبيعي وجلسات تخاطب، انتهى بها اﻷمر بدواء مستمر لابنها تكلفته 200 جنيه.

"مفيش مستشفيات هنا خالص، ولما بتيجي ليوسف الحالة بديله الدواء أو بروح المستشفى "، بتلك العبارة أكملت (منى)؛ والدة يوسف معاناتها، مشيرة إلى أنه بسبب مرض يوسف يصاب بحالة تشنج تدوم لأكثر من خمسة دقائق يمكن تداركها بالدواء أو تضطر لنقله لمستشفى الخانكة التي تبعد عن عزبتهم كثيرًا، فضلاً عن مكوثها بطفلها الصغير وهو يئن ويتألم تحت أشعة الشمس في انتظار أي وسيلة مواصلات على الطريق السريع.

أما (عزة) فتضطر إلى حمل ابنتها التى تحتاج إلى زرع قوقعه فى أذنها لتنتقل بها لمستشفى الدمرداش التى تبعد عن العزبة نحو ساعتين ؛ وبسؤالها عن سبب عدم ذهابها لمستشفى الخانكة اﻷقرب لها قالت "الخانكة مفيهاش أي أجهزة ولا جهاز كشف سمعيات اللى بحتاجه لبنتى، حتى العلاج بضطر أجيبه من بره، الناس اتبرعولي وكانت الليلة ب 150 جنيه ودلوقتي مش عارفه أعلاجها منين".

لم تكن سارة الوحيدة في عائلتها المريضة، فأبنة عمها اﻷكبر منها بعامين كنت تعاني من ضمور بالمخ جعل جدتها تبكي من أجلها، وأخذت تستنجد بنا لمعالجة حفيدتها يتيمة اﻷب.

"احنا عايشين هنا فى عذاب" هكذا لخصت (أم هشام) معانتهم داخل عزبة الصبايحة، حيث عددت مشاكلهم ما بين تلوث الترع التي تحيط بالمنازل، ومياه المجاري والصرف الصحي التي تسبب أمراض للأهالي، انتهاءًا بإنعدام الخدمات الصحية لديهم، فلا توجد أي وحدة صحية، على أقل تقدير لخدمته وعلاجهم، ليضطر المريض أن يسلك الطريق الطويل المؤدي للطريق السريع للوصول إلى أقرب مستشفى.

"مستشفى الخانكة كلها اهمال".. عبارة وصفت بها أم شيماء حال المستشفى الوحيدة التى يلجأون إليها، موضحة أنها تبعد عنهم العديد من الكيلو مترات، وأضافت أن الأطباء لا يكونوا متواجدين فى كثير من الأحيان، وأوقات أخرى لا يجدوا العلاج، وتابعت قائلة: "إحنا هنا حتى معندناش صيدلية".

داخل المستشفى ..

فى اليوم التالى توجهنا صباحاً إلى مستشفى الخانكة باعتبارها المكان الوحيد الذى يلجأ إليه أهل العزبة للعلاج رغم بعد المسافه؛ ورصدنا بعدساتنا السرية الإهمال الذى تحدثوا عنه..

قبل دخولنا المستشفى استوقفتنا سيدة يبدو أنها كانت بالداخل وسألنها عن الوضع بالمستشفى فبادلتنا الرد أنها عائده إلى منزلها بعدما عجزت في الحصول على تذكرة قائلة :“ الناس أمم فوق بعض قدام شباك التذاكر" تركناها واقتربنا من المستشفى لنتأكد بأنفسنا..

بمجرد وصولنا هناك كانت الصور كافية لنقل معاناة المرضى المترددين عليها، فعلى بُعد خطوتين بعد عبورك الباب الرئيسى..تجد مرضى كُثر تلتحم أجساد بعضهم ببعض، فضلاً عن تدافع أعداد كبيرة أملاً في الحصول على تذكرة للوصول إلى طبيب قد يُخفف من آلامهم.

لفت انتباهنا سيده عجوز تغطى التجاعيد ملامحها، يبدو أنها فعلت المستحيل من أجل الوصول إلى أعلى نقطة لتكون أمام شباك التذاكر ..ونالت غايتها وظفرت بالتذكرة بعد رحلة عناء طويلة لم ترحم جسدها الهزيل.

لم تقف معاناة المرضى عند حد الحصول على تذكرة، وإنما كانت بداية وتمهيد لمعاناة أكبر، فبدلاً من تخفيف آلامهم كان فى انتظارهم طابور آخر يتخلله الكثير من الفوضى، فالمكان ضيق والعدد كبير أمام عيادة الأطفال، كل واحد منهم ينتظر الفرج بسماع اسمه والممرضة تنادى عليه لتوقيع الكشف الطبى على طفله المريض..

البعض الآخر عجزت قدماه أن تحمله لكل هذا الوقت فإرتكن على سلالم المستشفى لأخذ قسط من الراحة بعد الحرب التى خاضها للحصول على تذكرة، لم تكن صرخات الأطفال جراء الألم الذى يشعرون به كفيلاً بحل مشكلة التكدس هذه، ولكن جاءت لتزيد من حدة أوجاعهم.

ومن أمام عيادة الأطفال التى ينقلك صورة التكدس أمامها إلى مشهد طوابير " العيش"؛ رمقنا سيدة تجلس على السلالم فى انتظار دورها لتوقيع الكشف الطبى على طفلها؛ قاطعنا صراخ الصغير بسؤالها عن وضع الخدمة الطبية بالمستشفى أشارت إلى أنها لم تكن تأتى هنا ولكنها اضطرت لذلك نتيجة أنها لم تجد الطبيب بالمستشفى التى اعتادت التتردد عليه، قائلة: “بيقولوا الخانكة حلوة ".. فبادلناها السؤال عن رآيها فى المستشفى.. فما كان منها إلا أن ردت بسخرية ونظرها ينتقل ما بين طوابير شباك التذاكر إلى تلك الموجودة أمام المستشفى قائلة : “ جمييلة.. انت مش شايفانى متبهدلة ازاى بعد جبت التذاكر ".

وقع نظرنا بعدها على ورقة صغيرة مدون عليها عبارة مفاداها.. “ أن المستشفى جارى تطويرها"؛ فتوجهنا بعدها إلى مكتب المدير ونحن فى طريقنا مررنا بدورة المياه فوجدناها متهالكة صنابيرها، وأمام غرفة العناية المركزة المعروف أنها يجب أن يتخللها الهدوء تراص عشرات من المرضى والاهالى بعضهم افترش الأرض.

طرقنا باب محمد الغمازي، مدير مستشفى الخانكة المركزي بـ أبو زعبل، وسألناه عن سبب هذا التكدس الشديد أمام العيادات وشباك التذاكر فرد قائلاً: المستشفى تخدم نحو 3 مليون مواطن؛ توفر تذاكر يومياً من 800 إلى ألف مريض، لافتاً إلى أنه تولى مسئولية إدارة المستشفى منذ شهرين، وأنه وجد بها إهمالا وأشياء كثيرة بحاجة إلى تطوير.

وتابع: المستشفى عليها ضغط كبير من سكان العديد من القرى والعزب التابعة لمركز الخانكة، وأن الضغط على المستشفى كبير بسبب كثرة عدد المراكز والقرى نظراً لأنه لا يوجد مستشفيات أخرى في المركز بالكامل، والخانكة معروفة بارتفاع الكثافة السكانية به، لذا فهى بحاجة إلى تطوير سريع ؛ مشيراً إلى أن المبنى القديم الذى يشمل العيادات الخارجية سيغلق فى فترة تتراوح ما بين 11 إلى 20 شهراً، لحين الانتهاء من أعمال التطوير، وهو ما يتسبب فى تكدس المرضى.

وأوضح الغمازى؛ أن الجيش سيتسلم المستشفى فى بداية هذا الشهر ليسلمها لنا بعد 20 شهراً، وكشف أن الميزانية المرصودة لعملية التطوير تقدر بنحو 48 مليون جنيهاً، حيث سيتم هدم المبنى بالكامل وزيادة عدد الأسرة من 100 سرير الى 400، مشيراً ان المستشفى منذ بنائها لم يدخل عليها اى اعمل تطوير لافتاً الى انه يمكن وصفها بالترميمات ليس اكثر من ذلك.

وحين وضعنا أمامه مشاكل اهل العزبة والتى من بينها انهم لا يجدوا اطباء كان رده : “ انا فى الحقيقة معرفش حاجة عن العزبة اللى بتتكلموا عليها”.

غادرنا "عزبة الصبايحة".. وخلفنا وراءنا..اسر تنام اسفل الأخشاب والقش لا يعرف أحد عنهم شيئاً.. ومدرسة تبيع الجهل لأطفالها..

ما بين عود وآمال كثيرة ويبقى الأهالى فى انتظار الحل وانتشالهم من شبح الموت الذى بات يطاردهم ليل نهار ما بين أمراض تحاصرهم من كل جانب، وغياب الرعاية الصحية فى أبسط صورها.

 

شاهد الفيديو

 

داخل دورات المياه بمستشفى<a class= الخانكة " src="/images/ns/19142207351415611819-WP_20141026_10_14_04_Pro.jpg" style="width: 500px; height: 890px;" />

داخل دورات المياه بمستشفى<a class= الخانكة " src="/images/ns/10599254291415611870-WP_20141026_10_13_58_Pro.jpg" style="width: 500px; height: 890px;" />

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان