رئيس التحرير: عادل صبري 05:20 مساءً | الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 م | 07 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

بالفيديو والصور .. منسيو عزبة الصبايحة يصارعون الحياة بـ "كومة قش"

بالفيديو والصور .. منسيو عزبة الصبايحة يصارعون الحياة بـ كومة قش

تحقيقات

أحد منازل الصبايحة

مقبرة الأحياء .. (الجزء الأول)

بالفيديو والصور .. منسيو عزبة الصبايحة يصارعون الحياة بـ "كومة قش"

المحليات تجهل تبعية العزبة ومحافظ القليوبية: أعملهم إيه يعني؟!!

مريم الغرباوي - آيات قطامش 14 نوفمبر 2014 16:27

مقبرة أحياء غير مكتملة البناء، طوب أحمر متراص يجعل من جدرانه ملاذًا لسكانه، أرضية ترابية مغطاة ببعض الملاءات المهترئة، مسقوفة من القش والحطب وضع بعد عناء تجميعه ليقيهم أشعة  الشمس.

نهارًا، ولكن في الشتاء لا ملجأ لهم سوى أن يجتمعوا في الغرفة الوحيدة المسقوفة، هكذا اعتادت (أم شيماء) الحياة وسط عائلتها الصغيرة.

 

"عشة ملك أحسن من فيلا شرك" كانت تلك حكمة( أم شيماء) التي أعانتها على ظروفها الصعبة، أخذتنا بعدها في جولة داخل مأواها الوحيد الكائن بعزبة الصبايحة، الخاوي من أبسط مقومات الحياة،  فتحة صغيرة بأرضية احدى الغرف تجاورها غسالة يغطيها الصدأ لانتهاء عمرها الافتراضي، صُدمنا عندما قالت أنه الحمام الذي جعلها تضطر لإحضار كرسي مكسور متهالك كقاعدة له، ولم يكن الحمام وحده على هذا الحال، فالمطبخ عبارة عن ثلاجة بباب مكسور وبوتجاز متهالك هو اﻵخر يجاوره غرفة غير مسقوفة تملأها بعد الفضلات والخبز الجاف.. تشعر أنك تقف فوق أحد الأسطح وليس بشقة آدمية ..

"إحنا هنا مصاحبين التعابين والخفافيش".. هكذا عرفتنا أم شيماء على أصدقاء يؤنسوها في الليل حيث يظهرون فجأة على السقف الذي ما هو إلا عبارة عن مجموعة من الأخشاب المتراصة إلى جوار بعضها البعض مختلطاً بها بعض القش، وبسؤالها إن كان أحد المسئولين يتابع مشاكلهم فأجابت : "محدش حاسس بينا"، لافتة إلى أنها شاركت يوم 30 يونيو لتبنى بالبلد – على حد تعبيرها-.

بيوت منسية

بعد زيارتنا لأم شيماء كانت الصدمة أننا اكتشفنا أن حياتها تعد مرفهة بالنسبة لجيران يسكنون "العشش" و "الخرابات"، معاناة (أم صباح).. كانت أكبر من كون منزلها على الطوب الأحمر، تقطن مكان أشبه بالخرابة  التي يضعون بها الفضلات والأشياء القديمة، لا يوجد باب يستر عورتهم وحاجتهم الملحة للعيش جعلها تبيع بعض الخضار  لتوفر قوت يومها لها ولأحفادها الثلاثة.

تعثرت أقدامنا من الطوب الموجود أمام الغرفة الوحيدة بتلك " الخرابة" لعلوها النسبي عن الأرض، وجدنا (صباح) وأولادها الثلاثة يفترشون الأرض الترابية  يعلوها حصيرة لا تكاد تغطي مساحة الغرفة، ينامون ويأكلون ويقضون يومهم داخلها، ليس لديهم سوى "وابور جاز" عليه فتات طعام علًه يسد جوع بطون لا تعرف للشبع طريق، أما رضيعها ينام في حضرة ذباب لا يتركه يهنئ بنومه، وابنتها التي تركت التعليم بسبب ضيق حالهم يتخلل ملامحها علامات الحزن.

 حجرة  لا يوجد بها دورة مياه فيضطرون إلى التوجه لجيرانهم، هكذا أخبرتنا الأم صباح التى شردت بذهنها بعيداً، لافتة إلى أنها خائفة من قدوم الشتاء ولسان حالها يقول "ماذا ستفعل أكوام القش هذه مع أمطار قد تغرق الغرفة الوحيدة التى أعيش بها مع أولادي الصغيرة ووالدتى الكبيرة فى السن".

 

دولاب "بدل" السقف

لم تجد من دولابها المتهالك فائدة أكبر من أنها تجمع خشبه لتسقف به أحد غرف منزلها، كانت تحاول جاهدة تدبيرعيشتها بين جدران أربعة حولتها إلى منزل بعد أن تركها نجليها لأداء الخدمة العسكرية.

"الحاجة أم الاختراع" ..

مثل نتادوله على ألسنتنا، ولكن "انتصار" لم تجد مفراً من تطبقيه، فبعد أن استعانت بالدولاب لوضعه كسقف للبيت ..  أخذت  تجمع "قصاقيص" الأقمشة من كل ركن لديها  لتصنع منها مرتبة لسريرها الخشبي تقيها من قسوته، أخذنا ننتقل من حجرة للأخرى وقد أبهرنا  محاولات "انتصار"  فى التغلب على ظروف المعيشة الصعبة  التى جعلتها تبدع تبتكر بأبسط الأشياء  لتعيش، شردت الأم بذهنها بعيداً  وصمتت في حزن جعلها تشيح بوجهها عنا قائلة " مش عارفة أعيش"..

خرقات بالية هنا وهناك تحاول انتصار الاستفادة منها قدر المستطاع ،الأمر الذي جعل "للبطانية" وأقمشة الملاءات والستائر وظيفة أخرى، منها قامت انتصار بتغطية الفتحات الموجودة بجدران الغرف،  التي كانت تتمنى أن تجعلها "شباك" يوما ما، منتظرة انتهاء فترة خدمة ولديها من الجيش لعل عملهم يساعدهم على المعيشة بشكل أفضل.

"عزبة الصبايحة"  كانت مرتعًا للمشاكل والأمراض، الشئ الوحيد الذي يجتمع عليه أهل العزبة هو الحياة الغير آدمية التي يعيشونها، فلم تكن (انتصار) وحدها من تعاني.

ونحن نتجول في أزقة الصبايحة استوقفنا مشهد الحاجة سعدية التي كانت تحمل بعض الأحطاب رغم كبر سنها، أخذنا نرمقها بأعيننا  في صمت فإذا بها  تقوم بجمع الحطب و "تعريش"مكان عبارة عن أربع جدران وأرض ترابية، له باب كبير تشعر كأنه مكاناً للمواشي؛ وأخبرتنا أنه مأواها الوحيد الذي اضطرها إلى التنقل ما بين أخيها وجيرانها لقضاء حاجتها أو للنوم قليلًا تاركة صحبة الثعابين والسحالي بعض الوقت.

"نفسى يبقى ليه بيت زى البنى آدمين".. كان هذا كل ما تتمناه  أم( عبد الله)، ولكن ما زاد الطين بلة الصرف الصحى الذي يغرق أرضية بيتها، فضلاً عن أنها ليس لديها سوى "حنفية" واحدة داخل منزل تهالكت جدرانه بسبب رشح مياه الصرف الصحي المتسرب إليه، بالإضافة إلى الأمطار التي أودت بصلاحية سقفه الخشبي، و قالت أم عبد الله : “ أنا مش عارفه الكهربا مسكت فى السلم إزاى".. أربعة أطفال أصغرهم رضيع عجزت عن توفير الطعام له لأن زوجها يعمل باليومية ولا يكفي احتياجتهم ، جعلها تكتفي  بتعليم ابنها الأكبر فقط.

 

"المدخل"..تحت سيطرة تجار المخدرات

طريق طويل غالبًا ما يخلو، من مارة نتيجة عتمته ليلًا، آخره شارع يقودك لمقبرة أحياء فقدت معنى الحياة وتأقلمت على العيش دونها، أعمدة إنارة كانت تحاول أن تضئ ظلمة قبورهم وتؤنس وحشتهم لكن كيف والكهرباء تأبى أن تصاحبها، ظًلمة جعلت قاطني العزبة يغلقون أبوابهم قبل المغرب بسبب انعدام الأمن هناك، فصوت إطلاق نار في الأرجاء لم يعد يفزع أناس صارعوا كل شئ من أجل البقاء، فتجارة الموت ليست جديدة عليهم، فتجار السلاح والمخدرات  لم يجد أصاحبها أفضل من هذا المكان لرواج بضائعهم وبيعها.. هكذا اخبرتنا "أم شيماء"..

كانت العاشرة مساءً عندما رأى ( حسام) .. ثلاث فتيات من أهل منطقته يضايقهن أحد المارين، نخوته دفعته ليمنع الأذى عنهم، تلقى إثرها طعنة من سلاح أبيض، حالفه حظه أنها لم تصب سوى طحاله، فيقول حسام: "مفيش أمن في العزبة واضطريت أشيل الطحال بعد ما أنقذت بنات العزبة من البلطجية".

حاولنا البحث عن سبب غياب الأمن الذي يعاني منه أهل العزبة، وتحدثنا إلى مدير أمن القليوبية بإعتباره المسئول الأول عن ذلك، وطرحنا عليه المشكلة بالكامل، حولنا بدوره إلى المقدم أحمد الخولي، رئيس مباحث مركز الخانكة، وأوضح لنا طريقة التعامل الأمني بالمنطقة قائلًأ : "المركز يضم أكثر من 500 عزبة يتم تأمينها من خلال التعامل مع مجموعة غفر مسلحين"، ولما ذكرنا له غياب التواجد الأمني في عزبة الصبايحة عند زيارتنا لها وحسب شكوى أهالي،  وعدنا بالتوجه إليها ومعاينة المنطقة وتوفير غفر خاص بها إن لم يجد.

 

محاصيل بنكهة"المجاري"

العزبة جهلت معنى الأسفلت، إلى جانب ترعة تتوسط منازلهم دورها سابقًا كان الوصول للأراضي الزراعية وريها، لكن أصابها الركود بسبب مشكلة الصرف، وصارت مكان للقمامة والأمراض، ففي طريق عودتها بعد الحصاد  قصدتنا أم إبراهيم لتروي لنا مشكلتها قائلة " الميه مش بتوصل لأراضينا عشان نزرعها ،  واﻷراضي بتتبني ومش عارفين نزرع"؛ وأخذت أم إبراهيم تُرينا محصولها الذي جف نتيجة المياه القليلة التي تصل للأراضي هناك بسبب إلقاء القمامة في مياه الترع وتحول دون وصولها إلي أراضيهم، ويضطر الفلاحين من ري محصولهم بمياه الرشاح الملوث.

 

لقمة عيش مفقودة

رغيف العيش كان غايتهم التي لم يجدوا في سبيلها وسيلة للحصول عليه، ورغم امتلاك أهالي الصبايحة لـ"طابونة عيش" إلا أنه تم وقف العمل بها بسبب صعوبة الحصول على تصريح، وتحولت الطابونة إلى مخزن لحين فرج مرجو.

تبرر شادية، صاحبة الطابونة، كما ذكر لها مسئول التموين بالوحدة المحلية أنه تم وقف إصدار التراخيص من عام 2000، وتتمنى شادية أخذ التصريح للعمل بطابونتها لتربي منها بناتها الخمس .

 

يضطر أهالي العزبة الذهاب إلى عزبة الرمل المجاورة وشراء الخبز من المخبز الخاص الوحيد هناك، والذي يبيعه لهم بقيمة 20 قرش للرغيف الواحد، أو تضطر إحداهن للذهاب خارج العزبة لقضاء احتياجاتها وتستغل الفرصة للبحث عن "لقمة عيش" لسد بها جوع أطفالهن.

 

عزبة مجهولة التبعية

حملنا مشاكل أهالي عزبة الصبايحة إلى مكتب الوحدة المحلية لأبو زعبل.. في محاولة لأخذ رد المسئولين عليها بإعتبارها تتبعهم...

لم يكن مدير الوحدة المحلية متواجدًا فأستقبلنا محمد عبدالرازق، والذي عرف نفسه لنا نائب مدير الوحدة، بدأ يستمع إلى المشاكل التي رصدناها بالعزبة ودونها في ورقة، وفجأة دخلت مسئولة هناك وسألها عبدالرازق إن كانت تعرف شيئًا عن عزبة الصبايحة، صدمنا ردها عليه قائلة "عزبة الصبايحة مش تبعنا يا أستاذ محمد، دي تبع الوحدة المحلية لعرب العليقات"، لترتسم علامات الدهشة على وجه هذا المسئول.

أما نحن فمشاكل الأهالي التي حملناها كانت بالنسبة لنا هم يجب إزاحته عنهم،  ومشهد الجدال الذي دار داخل الوحدة المحلية ما بين تبعية الوحدة لهم من عدمه، وعدم معرفة المسئولين المناطق التى يشرفوا عليها هم آخر، فما كان منا إلا أن نجلس ونشاهد بأعيننا تلك الكوميديا السوداء.

بعد جدال طويل استقر مسئولو الوحدة المحلية لـ أبو زعبل أن عزبة الصبايحة لا تتبعهم فهي تتبع الوحدة المحلية لعرب العليقات، وهو ما جعلنا نجري اتصالًا هاتفيًأ بالأستاذ حسن الشورى، رئيس الوحدة المحلية لعرب العليقات، وقمنا بسؤاله عن العزبة وبدا على صوته علامات التعجب وكأنه يسمع الإسم لأول مرة، وبادلنا السؤال عن مكانها بالتحديد وقمنا بوصفه، ليخبرنا أنها لا تتبعة وإنما تتبع الوحدة المحلية لأبو زعبل التي كنا بها.

بعدما أصبحت "الصبايحة" حائرة ما بين الوحدة المحلية بـ أبو زعبل والوحدة المحلية لعرب العليقات كل منهم يرمي تبعيتها للآخر، لم يكن أمامنا سوى مواجهة محافظ القليوبية بشأن مشاكل العزبة، والذي جاء رده صادمًأ عندما ذكر لنا عدم علمه بها قائلًا:  " هو أنا قدامي الخريطة !!".

وعند سؤاله عن أي وحدة محلية تشرف على العزبة بادلنا الرد : " اسألوا الأهالي هم اللى عارفين"!!  ذاكرًا أن تحديد تبعية العزبة من اختصاصات رئيس المدينة ، وأنهى حديثه معنا بعد أن أجراه على مضدد قائلًا: "هبعت رئيس المدينة يشوف هما تبع مين"، ونحن في انتظار معرفة تبعية العزبة وحل مشاكلها.

حاولنا أن نقتنص منه ردًا حول مشكلتي الصرف والخبز، وجاء رده " يعني أعملهم إيه..80% من القرى لم يصلها صرف صحي بعد، ورغم أن محافظ القليوبية بدأ العمل بالمحليات عام 1979،  إلا أنه أشار بأن خلال 60 عام لم يتم إنجاز سوى 20% منها"، وذكر أنهم يحاولون حل المشكلة بالتتابع إلى أن يتم الوصول للعزبة في يوم من الأيام.

الميزانية المخصصة لخطة الإحلال والتجديد الخاصة بمحافظة القليوبية لعام 2013/2014 بلغت 48 مليون جنيه وفقًا لما نُشر عبر الموقع الرسمي للمحافظة، منها 25.7 مليون جنيه مخصصة لمياه الشرب، و22.3 مليون جنيه للصرف الصحي، ورغم كل هذا أكد لنا أهالي الصبايحة أنهم لم يروا أي شيء من هذا القبيل، ومازالوا يعانون من مشكلة مياه الشرب والصرف.

 

 وجدنا الحل بسهولة لمشكلة الخبز بالعزبة عندما سألناه عنها قائلًا: "منظومة الخبز الجديدة هتتنفذ الشهر الجاي في المحافظة كلها"، والتي سيحصل فيها المواطن على الخبز المدعم بالكروت الذكية، ولكن السؤال الذي ظل في أذهاننا ولم نجد له ردًا هو "هل سيصل المسؤولون للعزبة ويدركون حال الناس هناك، أم سيظلون في ثباتهم العميق؟!!.

 

 

اقرأ ايضاَ:

أهالى عزبة جرجس: مشروع التطوير فاشل وعايزين بيوت بالخرسانة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان