رئيس التحرير: عادل صبري 09:42 صباحاً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

قوانين مصر تعارض مواد دستورها

قوانين مصر تعارض مواد دستورها

تحقيقات

المحكمة الدستورية - أرشيفية

مشروع قانون العمل وقوانين الحبس الاحتياطي تعارض مواد بالدستور

قوانين مصر تعارض مواد دستورها

التظاهر وقوانين الإيجارات أمام الدستورية .. وأستاذ قانون: التعارض يؤثر على هيبة الدولة

هاجر هشام 28 أكتوبر 2014 13:27

يملك حسين كمال الجنايني، محاسب، عدة عقارات في وسط مدينة دمنهور منذ سبعينات القرن الماضي، مسقط رأسه وحيث يعيش.

القصة في البداية ربما توحي إليك بأن الجنايني واحد من أصحاب الأملاك الأغنياء، لكنه في الحقيقة لا يحصل على ما يوفر له ولأسرته دخلاً مناسبًا، فكل ما يحصل عليه من الشقة الواحدة لا يزيد على الخمسة جنيهات شهريًا، رغم وجود العقارات في منطقة من أغلى مناطق دمنهور، بسبب تبعية عقود إيجار عقاراته لقانون الإيجار القديم، والذي يمنع زيادة القيمة الإيجارية للشقة عن المتفق عليه بين المالك والمستأجر عند تحرير العقد.

رفع الجنايني قضية عبر محاميه، المستشار عصام مهنا، ليستطيع الطعن على المادة التي تمنع تحرير القيمة الإيجارية في القانون القديم للمحكمة الدستورية، يقول مهنا "ليست هذه القضية الوحيدة التي تم رفعها لدى المحكمة الدستورية، لكن القضية جديدة في أنها لا تطعن على القانون نفسه لكن على بعض المواد التي نرى أن بها عدم مساواة بين عقود القانون القديم وقانون الإيجار الجديد".

 

يستند مهنا في طعنه على إقرار الدستور مبدأ التكافؤ في الفرص بين المواطنين في مادته التاسعة، يقول مهنا "هل من العدل أن يكون قيمة الشقة الواحدة لموكلي خمسة جنيهات، في حين أن القيمة الإيجارية لشقق في عقارات بنيت بعد عقارات موكلي تصل القيمة الإيجارية فيها لـ 1500 جنيه".

 

تخضع الإيجارات في مصر، لقانونين بشكل أساسي، الأول هو قانون الإيجارات القديم، وهو قانون 49 لسنة 1977، الذي يمنع زيادة القيمة الإيجارية للشقة عن القيمة المتفق عليها في العقد، ويمنح المؤجر الحق في توريث العقد لأبنائه، بينما لا ينص القانون الجديد على هذه البنود.

 

ورغم اختلاف القانونين، وتضرر الملاك من وجود قانونين مختلفين لتنظيم عقود الإيجارات في مصر، إلا أن الدولة لم يصدر منها أي قرار ينظم هذا الاختلاف، ليكون نظام الإيجارات متوافقًا على الأقل مع الدستور المصري.

 

فوضى قانونية وتعارضات مع الدستور بالجملة

 

قانون الإيجارات في مصر ليس القانون الوحيد الذي يختلف أو يتعارض سواء مع نصوص دستورية أو نصوص قانونية أخرى، فقد حفلت مصر في الأشهر الأخيرة بعدة مشاريع وعدة قوانين تختلف مع بعضها البعض أو تختلف مع الدستور الجديد.

 

حاولنا البحث في تلك المنظومة القانونية، لنجد عدة مواد في مشاريع وقوانين تم إصدارها بالفعل، تتعارض مع نصوص دستورية صريحة، وأخرى تتعارض مع قوانين، ويدفع ثمن هذه التعارض الكثير من المواطنون.

 

مشروع قانون العمل يعارض مواد الدستور

البداية كانت مع مشروع قانون العمل والذي يخالف المادة 13 من الدستور، والتي تلزم الدولة بحماية العمّال من الفصل التعسّفي، فنجد مشروع القانون يضع سبعة أسباب لفصل العامل، منها أسباب ذكر محامون عمّاليون، منهم المحامي هيثم محمّدين في مؤتمرات صحفية عن المشروع، بأنها أسباب مطاطة، كحق صاحب العمل في فصل العامل إذا اعتدى عليه، دون تحديد ماهية هذا الاعتداء.

 

تعارض الدستور مع <a class=قانون العمل" src="/images/ns/6681541561414476495-1.jpg" style="width: 627px; height: 627px;" />

 

 بحثنا عن أسماء القائمين على إعداد هذا المشروع، لنجد أن المجموعة التي قامت على إعداد المشروع من بينهم المستشار أحمد عبد الرحمن، نائب رئيس محكمة النقض السابق، وأسامة الصعيدي المستشار القانوني للوزارة، وبرغم وجودهم فالمشروع يحفل بتعارضات مع الدستور. 

 

"الحبس الاحتياطي" يعارض الدستور على يد رئيس المحكمة الدستورية

 

تعارض الدستور مع الخبس الاحتياطي

هذه التعارضات لم توجد فقط في مشاريع قوانين تحت المناقشة، لكننا وجدناها أيضًا في قوانين تم إقرارها والعمل بها بالفعل، كتعديلات المادة 148 من قانون الحبس الاحتياطي، والتي قام بتعديلها المستشار عدلي منصور، رئيس الجمهورية السابق، والرئيس الحالي للمحكمة الدستورية، الأمر الذي قال عنه حافظ أبو سعدة، الحقوقي وعضو المجلس القومي لحقوق الانسان لـ"مصر العربية" أنه يخل بضمانات المحاكمة العادة، ويجعل الحبس الاحتياطي سجنًا بحد ذاته، مما يخالف المادة 96 من الدستور، والتي تنص على أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، يقول أبو سعدة "التعديلات مخالفة للدستور، يجب عدم التوسع في الحبس الاحتياطي".

 

"التظاهر" في طريقه إلى الدستورية

مواد الحقوق والحريات في الدستور

 

كما يعتبر قانون التظاهر من أشهر القوانين التي يدور حول مدى تطابقها مع الدستور سجال دائم منذ إصداره في عهد المستشار عدلي منصور، فعلى الرغم من موافقة مجلس الدولة عليه، إلا أن العديد من القانونين يؤكدون مخالفة القانون للمادة 73 من الدستور، والتي تمنح حق تنظيم المظاهرات والاجتماعات العامة للمواطنين بالإخطار، والمادة 92، التي لا تجيز لأي قانون ينظم حقوق وحريات المواطنين أي يقيّدها.

 

ومن الجدير بالذكر أن أحدث محطات هذا السجال هي قضية رفعها المحامي الحقوقي خالد علي، لدى المحكمة الدستورية، للطعن على دستورية قانون التظاهر، ومازالت تنظر لدى المحكمة.

 

مادة 190 من الدستور

هذا التعارض قد ﻻيكون في مواد القوانين نفسها، لكن في اﻹجراءات التي تم اتخاذها من أجل إصدارها، كتلك التي تحدث عنها المستشار محمد العجاتي، رئيس قسم التشريع بمجلس الدولة في حواره ﻷحد الصحف، كقانون شهادات قناة السويس وقانون الحد الأقصى للأجور، وذلك لمخالفة الحكومة والرئيس المادة 190 من الدستور، والتي تنص على عرض مشاريع القوانين على قسم التشريع بمجلس الدولة قبل إقرارها للتأكد من دستوريتها.

 

قوانين مشكوك في دستوريتها

شبهة تعارض الدستور مع قانون الضرائب العقارية

 

                

المستشار العجاتي قال أيضًا في حواره لنفس الصحيفة إن قانون الضرائب العقارية يعاني كذلك من شبهة عدم الدستورية، وذلك بسبب فرض الضريبة على المساكن التي يشغلها المالكين، والتي تزيد قيمتها الإيجارية عن 24 ألف جنيه، ذلك أن تلك المساكن لا توفر لهم دخلاً، في الوقت الذي تنص المادة 38 من الدستور على أن الضرائب تفرض على دخول الأفراد.

 

كلها حقائق تجعلنا نبحث عن أسباب نشوء تعارض في القوانين مع مواد الدستور، أو تعارضها مع بعضها البعض، وأثر ذلك بشكل عام، خاصة أن هذه القوانين قد تكون مهددة باﻹلغاء إذا ما قدّم طعن للدستورية العليا بشأنها وقبلته المحكمة.

 

تعارض القوانين مع الدستور يهدر هيبة الدولة

 

في حديثنا مع الدكتور مهدي علام، أستاذ القانون بجامعة المنصورة، عبر الهاتف، أجابنا بأن التعارض ينشأ بسبب إصدار قانون جديد لهدف محدد أو لوقت معين على عجالة، دون النظر في مجموعة القوانين الموجودة في الأصل، يقول علام: " قانون العقوبات مثلاً يغطي هو قانون يغطي كافة الجرائم والمشاكل التي يتعرض لها المجتمع، وهو أمر متفق عليه، لكن أحيانًا تقوم الدولة بإصدار تشريع اتجاه جريمة معينة، لتقوم بتعديل ما، ويتم هذا في عجالة فينشأ التعارض".

 

يؤكد علام أن المشرع سابقًا كان أكثر حرصًا على عدم وضع القواعد القانونية في حرج، لذا كان مهتمًا بأن لا يكون هناك تعارض في القوانين مع بعضها البعض، أو بين القانون والدستور "الأمر قد يؤدي إلى عدم احترام القواعد والمبادئ القانونية".

 

 

اﻹجابة جعلتنا نتحدث مع الدكتور ثروت بدوي، الفقيه الدستوري، لنعرف حول تاريخ هذه التعارضات وأثرها.

 

يتحدث عنها المستشار ثروت بدوي عن هذه التعارضات، بقوله إنها لم تحدث في تاريخ مصر القضائي من قبل، يقول بدوي: "قوانين كتعديلات الحبس الاحتياطي سببت اعتقالات واسعة وطويلة الأمد لكثيرين دون توجيه تهم إليه"، يضيف "هذا لا يحدث في أي دولة من دول العالم".

 

الجانب الحقوقي واحد من الجوانب التي كانت أكثر تضررًا من القوانين التي تعارض وتخالف نصوص دستورية، كقانون التظاهر وتعديلات الحبس الاحتياطي، بحسب تصريحات صحفية لمحامين حقوقيين، وخطوات قضائية كالطعن على قانون التظاهر من قبل المحامي الحقوقي خالد علي، المشار إليه سابقًا.

 

 

توجهنا إلى الدكتور حافظ أبو سعدة، الحقوقي وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان،  لنستوضح منه مدى التعرض في القوانين التي تمس حقوق الإنسان والنصوص الدستورية التي تمس الشأن نفسه، ليجيبنا، في حديثه لـ "مصر العربية" عبر الهاتف بأن العديد من هذه القوانين وقوانين أخرى كقانون الجمعيات الأهلية، يجب تغييرها حتى تتوافق مع الدستور "هناك معايير حاسمة للمحاكمات العادلة مثلاً لا يجب الإخلال بها، وبالتالي من الواجب تعديل قانون الحبس الاحتياطي".

 

يضيف أبو سعدة "قانون التظاهر في الأصل يوضع لتنظيم حق التظاهر، فحينما يتحول الأمر لعقوبة أو تقييد لهذا الحق فهو أمر يخالف الدستور الذي يمنح هذا الحق للمواطنين، لذا من الواجب تعديله".

 

وعن كمية التعارضات التي تشهدها القوانين المصرية مؤخرًا، على الرغم من وجود آلية واضحة في الدستور للتأكد من توافق القوانين الجديدة من الدستور وعدم تعارضها معه أو مع قوانين أخرى، يقول أبوسعدة " المحكمة الدستورية هي المسؤولة عن الرقابة على مشاريع القوانين بعد إصدارها، واختبار مدى صحتها على أرض الواقع".

 

 يضيف سعدة "لو التزمت الحكومة والبرلمان القادم بعرض مشاريع القوانين على مجلس الدولة قبل إصدارها سنضمن توافق التشريعات مع الدستور، لكن إذا لم تلتزم، فهناك المحكمة الدستورية التي يمكننا اللجوء إليها للطعن على هذه القوانين".

 

آثار التعارض

ويؤكد سعدة أن تعارض قوانين مع بعضها البعض، كتعارض قانون الحبس الاحتياطي الحالي مع قانون الطفل، الذي يؤكد في مادته الـ119 على وجوب حبس الأطفال في أضيق نطاق في مؤسسات خاصة بهم وليس السجون العادي، يوجب على النيابة اتباع قانون الطفل لا تعديلات قانون حبس الاحتياطي، يقول سعدة "هناك قاعدة قانونية تقول أن الخاص يقيد العام، بمعنى أن قانون الطفل يقيد قانون الحبس الاحتياطي، وعلى النيابة الالتزام بقانون الطفل في قضايا الأحداث".

 

في حديثه معنا، تحديدًا عن أثر هذا التعارض على منظومة القوانين في مصر، يؤكد الدكتور علاّم أن ما تشهده مصر حاليًا من قوانين تعارض، سيؤثر بشكل كبير على هيبة الدولة والقانون وقوة التشريعات ومواد الدستور، مذكرًا بمجلس الشعب الذي تم حلّه، بسبب تعارضه مع الإعلانات الدستورية التي كانت تحكم مصر في تلك المرحلة، وذلك بعد أن تكلّفت الدولة ملايين في التحضير للانتخابات وملايين في جلسات لمجلس شعب تم حلّه بعدها.

 

تكلفت الدولة في 2012 ملايين الجنيهات من موازنتها، التي تأتي من جيوب المصريين وموارد دلولتهم، في انتخابات لمجلس الشعب قامت على قانون أرضى القوى السياسية دون مواد الدستور، فكانت النتيجة أزمة بدأت بالطعن على القانون في الدستورية، لتنتهي بخسارة الدولة ملايينها التي صرفتها على انتخابات لبرلمان صار كأن لم يكن.

 

ويخسر جسين الجنايني كل شهر رقمًا كبيرًا من دخله الشخصي، مقارنة بدخل ملاك بنوا عقاراتهم في نفس المنطقة في دمنهور، فقط لأن القدر جعل عقاراتهم تخضع لقانون لم يكن يدري الجنايني أنه سيوضع، وسنين تمر دون أن تهتم الحكومة بوضع قانون موحد يوضح العلاقة بشكل عادل بين المالك والمستأجر، يراعى فيه الطرفين.

 

و اليوم، تشهد مصر عدة التعارضات قد وصلت إلى مبادئ قانونية معروفة ومواد واضحة في الدستور لاتقبل تأويل مع مشاريع قوانين وقوانين تنفذ بالفعل، مما يعرض مصر ومنظومتها التشريعية إلى خطر الاستهزاء بها وعدم احترامها بحسب قانونيين، فكل قانون مما سردناه، مهدد بقضية للدستورية قد تحكم فيها على القانون بالبطلان، مما يضيع على الدولة والمواطنين الكثير.

 

 

اقرأ أبضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان