رئيس التحرير: عادل صبري 03:00 صباحاً | الخميس 23 مايو 2019 م | 18 رمضان 1440 هـ | الـقـاهـره °

بالفيديو..بعد عام من الأحداث.. كرداسة المغضوب عليها

بالفيديو..بعد عام من الأحداث.. كرداسة المغضوب عليها

تحقيقات

مشهد حالي لقسم كرداسة

بالفيديو..بعد عام من الأحداث.. كرداسة المغضوب عليها

آية فتحي - أحلام حسنين 16 أكتوبر 2014 19:57

"ادخلوها بسلام آمنين".. "مدينة كرداسة ترحب بكم"، في المدخل تقابلك تلك اللافتة، أول ما تراه عينك بمجرد أن تهبط من السيارة، حيث موقف تجمع السيارات، قسم كرداسة الذي شهد مجزرة لم يختلف أحد على وصفها، لم يختلف مظهره الخارجي عن العام الماضي، كل ما جد عليها بعض صور جرافيتي للمعتقلين وأخرى للشهداء، وإذا تجولت بمحيط القسم ترى علامات الرصاص على أحد المنازل، وكأنها ترغب في تأريخ الأحداث التي شهدتها المنطقة أثناء القبض على أحد المتهمين ، وآثار حريق ما زالت تحتفظ بوجودها على منزل متهم آخر.

 

عبارات تمضي حضورها على الجدران مع المسيرات شبه المستمرة بالمدينة التي ترفع شعارات "كرداسة رمز الصمود"، طفل يحمل شنطة مدرسية على ظهره، سيدة تحمل خضارًا على يديها بعد أن أنهت تسوقها، سائق ينادي على وجهة سيارته الأجرة، وآخر ينادي على بضاعته، كلها مظاهر بطرق كرداسة التي تحمل 150 ألف نسمة، بين معتقل ومقتول ومندد بما حصلت عليه مدينته من صورة مشوهة في الإعلام.

 

حاولنا التحقيق في الأوضاع الأمنية لكرداسة بعد عام من الأحداث الدامية التي شهدتها، وكيفية تأقلم الأهالي مع استمرار الحملات الأمنية، هل كما يقال عنها ويصفها البعض بأنها إمارة إخوانية إرهابية؟ وما آل إليه الجانب السياحي بعدما كانت فيما مضى تعج بالسياح من مختلف البلدان.

 

ضياع السياحة

 

إذا كنت من زوار كرداسة قبل ثورة 25 يناير، فلابد أن الحظ قد ساق في طريقك إليها مرافقة أحد السياح الذي وضع القرية ضمن برنامجه السياحي بمصر، سواء كان ذلك السائح أوروبيًا أو خليجيًا أو أفريقيًا، فكرداسة حظيت بشهرة كبيرة بأنها قرية عالمية على أرض مصرية، نظرًا لصناعة المشغولات اليدوية، خاصة الجلابيب والعباءات والكليم.

 

ضاعت الهيبة السياحية لكرداسة، وسط الكثير من الخسائر التي وقعت بها، وخاصًة بعد أحداث مذبحة كرداسة الشهيرة، الأمر الذي دفعنا لرصد الوضع السياحي بها بعد عام على الأحداث، فتجولنا بالشارع السياحي الذي يقرب طوله من نصف كيلو متر، لم نلاحظ سوى القليل من النساء من ذوات البشرة السمراء من بعض بلدان قارة أفريقيا، وسيارة يهبط منها سيدة يبدو من ملابسها أنها من إحدى دول الخليج.

 

محمود حماد، مالك أحد محلات الفضة بالشارع السياحي، لم نعطله عن شيء عندما بدأنا الحديث معه، فلم يكن يملك أي زبائن وقت تواجدنا عنده، نظرًا لحالة الكساد، يجزم أنه من وقت ثورة 25 يناير وما تلاها من أحداث بكرداسة والسياحة تعاني ركودًا تامًا، مرجعًا السبب إلى حالة الفوضى والرعب الموجودة بالقرية.

 

"السياحة ضايعة"، عبارة نطقها أحمد السيد، عامل بأحد محلات العبايات بالشارع ، تحمل من الحسرة على مهنته الكثير، بعد أن أوقفناه عن رش الماء أمام المحل من باب "جلب الرزق"، معربًا عن أمانيه من أن تعود السياحة مرة أخرى حتى تسير عجلة البيع والشراء ويتوافد السياح مثل السابق.

 

يجلس بكرسي أمام محل ممتلئ عن آخره بالعبايات، يتصفح إحدى الجرائد كتسلية لوقته نظرًا للفراغ الذي يعاني منه، فلا يوجد زبون واحد أجنبيًا كان أو مصريًا يقبل عليه، ورغم كل ذلك الركود الذي تعاني منه مهنته، إلا أن محمد حلاوة يمدح في عهد الرئيس عبدالفتاح السياسي، قائلًا: "الأوضاع من وقت الرئيس السيسي ما وصل والدنيا مستريحة، والأمن والأمان بدأوا يرجعوا وكمان فيه سياح من الكويت والسعودية، واليمن والبحرين، من أول رمضان الماضي وهما بيجوا يشتروا مننا عبايات".

 

 

الإعلام وتشوية كرداسة

 

بداية الأمر رفض بعض الأهالي الحديث معنا لا لخوفهم من حملات الاعتقالات العشوائية كما كان في السابق، ولكن لأننا ننتمي لمنظومة الإعلام المصري، الذي كان له نصيب الأسد في تشويه صورة الأهالي ووصف مدينتهم بأنها ممتلئة بالإرهابيين وتستحق إبادة من قبل الداخلية، فكانت الكلمة التي تلقيناها من أحد الأهالي: "الإعلام كله زي بعضه، حرام عليكم سيبونا في حالنا بقى".

 

فيما طلب منا محمود فرج، أحد سكان كرداسة، الرد على سؤال طرحه علينا، قائلًا: "انتوا من الصبح في بلدنا وانتو أغراب عن كرداسة حد اتعرضلكو؟ حد أذاكم؟ يبقى فين الإرهاب والبلطجة اللي الإعلام بيقول عليها"؟

 

فيما استنكر هاني عبده، موظف بمجلس مدينة كرداسة، التقارير الإخبارية التي تخرج عن كرداسة بأنها موطن للبؤر الإرهابية، وتحتاج إلى المزيد من الحملات الأمنية، وبالأخص المواد الإعلامية التي يقدمها الإعلامي وائل إبراشي عن كرداسة، الذي ينقل عنهم أنهم بلطجية ويقفون بالسلاح الآلي على حدود البلد.

 

التهمة كرداسة

 

باتت خانة محل الإقامة في بطاقة أهالي كرداسة، مصدرًا لجلب المشاكل عليهم، فإذا وقف أحدهم في أحد الكمائن ونظر الضابط إلى البطاقة ووجد كلمة كرداسة، فإن ذلك يعرضه للإهانة أو السخرية كحد أدنى، وذلك بعد أن فقدت مدينتهم الشفاعة لدى الداخلية بعد مجزرة القسم، وذلك على حد وصف الأهالي.

 

لوحنا بأيدينا لسائق توك توك في منتصف الطريق بالقرب من القسم، توقف ظنًا منه أننا نرغب في الوصول إلى مكان آخر في المدينة، ثم سألناه عن المشكلة التي يواجهها في كرداسة، فرد قائلًا: "والله يا أبلة الدنيا زي الفل، بس لما بيبقى عندنا مشاكل بنروح نشتكي في القسم الموجود في القرية الذكية، يقولوا لنا خلصوا على بعض وإحنا نبقى نيجي نشيلكم".

 

ويتفق معه الأسطى كمال، الذي عطلناه عن شرب الشيشية على القهوة، قال إن الأهالي يفتقدون وجود المركز بينهم ليشعروا بالأمان، وخاصة لما يتعرضون له أثناء الذهاب إلى القرية الذكية، كما أن الوضع الأمني لن يتحسن إلا بوجود القسم وسط الأهالي.

 

والتقط منه الحديث حامد عبدالمجيد، جليس قهوة آخر من أهالي كرداسة، قائلًا: "إحنا برة كرداسة بنتعامل معاملة سيئة، إحنا بنبقى في الجيزة أو المعادي لو شاورت لتاكسي وقولتله ينزلني كرداسة ميرضاش، يقولي هنزلك عند المريوطية، أنا مدخلش البلد الإرهابية دي، وفيه ناس غيرت محل إقامتها في البطاقة عشان كلمة كرداسة بتعرضهم للمشاكل، وخلاص بقينا في البلاك ليست".

 

مدير مباحث الجيزة: الدوريات الأمنية على مدار اليوم

 

حصلنا على رد من وزارة الداخلية، على شكاوى الأهالي وعن حال الوضع الأمني، فكان تعليق اللواء محمود فاروق مدير الإدارة العامة لمباحث الجيزة, أن الوضع الأمني بكرداسة جيد جدًا، وأن الحملات الأمنية تسير بشكل مستمر، وتوجد دوريات أمنية على مدار اليوم بجميع أرجاء المدينة للتأكد من سلامة الوضع الأمني، وهو ما يجب أن يبعث للأهالي برسالة طمأنينة بأن عدم وجود القسم لن يؤثر على الاستقرار الأمني لكرداسة.

 

وردًا منه على شكاوى أهالي كرداسة فيما يخص سوء التعامل معهم من كمائن الشرطة أو أثناء إنهاء أي شأن قانوني لمجرد أن البطاقة مكتوب بخانة محل الإقامة "كرداسة"، قال إن الشرطة تقدر أهالي كرداسة وتتعامل معهم بكل احترام وﻻ تتعنت مع أحد إلا قبل التأكد من وضعه القانوني.

 

وأكد فاروق أن عمليات التطهير استمرت بكرداسة أكثر من شهرين، وكان تعامل أهل كرداسة مع الشرطة راقيًا جدًا، وكان هناك العديد من الأهالي يعاونون الداخلية في حملاتها الأمنية للقبض على المتهمين.

 

وفي النهاية عام مر على الأحداث، وما زال الإعلام يُعلن أن كرداسة متخمة بالإرهابيين، والأهالي يعانون من سوء المعاملة خارج حدود مدينتهم، نظرًا لأنهم ينتمون لها، وهي التي شهدت حادثًا إرهابيًا شهيرًا، وما زال الوضع الأمني سيئًا.

 

وتبقى الأسئلة التي تطرح نفسها على لسان الأهالي: متى ستعود مدينتنا إلى حياتها الطبيعية، وتنتعش السياحة التي تعتبر مصدر دخل رئيسي للمدينة مرة أخرى في الوقت الذي تلفظ فيه أنفاسها الأخيرة؟ ومتى يراعي بعض الإعلاميين ما قد تتسببه مادته الإعلامية من دمار لحياة أشخاص - كل ذنبهم إن اعتبر ذنبًا- أن قدرهم ساقهم أن تكون كرداسة مدينتهم؟

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان