رئيس التحرير: عادل صبري 09:35 صباحاً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

أحد أبطال الصفوف الأمامية يكشف كواليس الحرب وحقيقة الثغرة

أحد أبطال الصفوف الأمامية يكشف كواليس الحرب وحقيقة الثغرة

تحقيقات

إبراهيم السيد عبدالعال صائد ال18 دبابة في حوار خاص

بعد 41 عامًا علي حرب أكتوبر

أحد أبطال الصفوف الأمامية يكشف كواليس الحرب وحقيقة الثغرة

محب عماد 06 أكتوبر 2014 13:06

ليس غريبًا أن تهوى الصيد، فالكثيرون يهوون صيد الحيوانات والطيور بمختلف أنواعها، لكن أن تهوى صيد الدبابات حتى تحوز لقب "صائد الدبابات" فهذا شيء آخر، لأن تلك الهواية تستلزم حربًا وسلاحًا وبطلاً، وليست أي حرب أو أي سلاح أو أي بطل، إنها حرب أكتوبر عام 1973، وسلاح المدفعية الملحق بالكتيبة 16، والبطل إبراهيم السيد عبدالعال صائد ال18 دبابة والمدرعتين، حيث وقف أفراد الكتيبة فهد 35 يمارسون هوايتهم فى صيد الدبابات الإسرائيلية كأنها عصافير.


 

يعرف الكثير من المصريين الرقيب أول "عبدالعاطي" والذي لقب بـ"صائد الدبابات"، ولكنهم لا يعلمون أنها كانت فرقة كاملة، فالجنود غالبًا ما تنسى بطولاتهم بينما يتم تكريم قادة الجيوش والضباط الكبار، لكن تبقى رمال سيناء ومركبات العدو المدمرة شاهدتان على بطولة قلّ ما تجدها في هذا الزمان، ولذلك اهتمت "مصر العربية" بالوصول ﻷحد أبطال الصفوف الأمامية من جنود لم ينالوا يومًا التكريم الذي يستحقونه.


 

صورة تذكارية لصائدو الدبابات عقب المعركة

لم يكترث إبراهيم السيد عبد العال يومًا بالتكريمات أو الأحاديث الإعلامية، فبالنسبة لصائد ال18 دبابة والمدرعتين، لم تكن الألقاب ذات قيمة، فهو لا يرى في نفسه سوى رجل نال شرف البطولة في حرب علمت العالم أجمع أسمى معاني الشرف واسترداد الحقوق.


 

يحكى الرجل الستيني ذو الوجه البشوش والأعين الحادة لـ"مصر العربية" ذكرياته المتعلقة بإعادة بناء القوات المسلحة، والتي تزامنت مع فترة تجنيده، وكواليس حرب أكتوبر من استعدادات وأحداث قد غطتها رمال سيناء، كما يكشف عن حقيقة الثغرة والتي أثارت جدلًا إعلاميًا واسعًا في العقدين الأخيرين.


 


 

يسند "عبدالعال" رأسه على ظهر الكرسي الذي تعلوه الصور التذكارية للحرب وشهادات التكريم التي نالها، ليبدأ كلامه عن بداية كل شيء بالنسبة له والتي كانت فترة تجنيده.


 

 

آثار النكسة

 

ابراهيم السيد عبدالعال أثناء فترة التجنيد

أتم "عبدالعال" دبلوم التجارة في عام 1969 ليتم استدعاؤه للخدمة العسكرية، أي بعد نكسة عام 1967 بعامين، ويرى أن النكسة التي هزت مصر والعالم العربي وقتها، كما أعطت صورة غير واضحة للقوات المسلحة المصرية، وصورة مخالفة للقوات الصهيونية والتي كانت أمريكا والعديد من الدول الغربية تدعمها، لكن القوات المسلحة كانت قد بدأت في التعافي على يد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

 

صواريخ روسية جديدة

 

ذهب "عبدالعال" إلى معسكر التل الكبير في الكيلو 4.5 لتلقي التدريب الأولي، والذي استغرق 40 يومًا، ثم فوجئ بالإعلان عن تشكيل 5 فرق على مستوى القوات المسلحة، معللين ذلك بأن هناك صواريخ جديدة قد وصلت من روسيا، وأن استخدام تلك الصواريخ يستلزم تدريبا خاصا من قبل الحكمدارية، أي المجموعة المسئولة عن إطلاق هذه الصواريخ.

تم الكشف على الأفراد من جديد للانضمام إلى هذه الفرق، وبالفعل تم تشكيل الكتائب الجديدة وتوزيع المجندين على الوحدات، كانت الكتيبة 35 فهد من نصيب "عبدالعال" لتكون شاهدًا بعد ذلك على بطولاته، ثم أرسل لقرية صنديد التابعة لمحافظة الغربية لتلقي التدريبات علي أيد الخبراء الروس.


 

 

الخبراء الروس

 

يحكي "عبدالعال" عن فترة تدريبه علي أيد الخبراء الروس قائلًا :"كنا نستيقظ يوميًا في الفجر لتلقي التدريبات، وكانت الكتيبة عبارة عن 36 فردا، بدأنا نتدرب على "صيد الدبابات" عن طريق جهاز يشبه جهاز التوجيه الحقيقي للصاروخ، وكان هناك مؤشر يخبرنا عن مدى إصابتنا للهدف.”

ويستطرد "عبدالعال" بابتسامة واضحة: "كان الخبراء الروس يقولون لنا إنه يستحيل على أي أحد غير جنودهم الحصول على 10 من 10 في اختبارات إصابة الهدف، فكنا نتعجب ونشكك في كلامهم علنًا، وبعد 3 أشهر من التدريبات الشاقة دخل 10 أفراد منا الاختبار، حصل 8 منهم علي 10 من 10 في اختبار توجيه الصاروخ، بينما حصل 2 آخرين علي 8 من 10، مما دعا الخبراء إلى الذهول والقيادة المصرية إلى الفخر.”

انتقلت المجموعة بعدها إلى بلبيس حيث استغنت القيادة العليا عن الخبراء الروس في عام 1972، ليبدأ التدريب وقتها يصبح أكثر جدية، حيث كان التدريب علي الصواريخ الحية وعلي مسافات تصل ل2 كيلو، ثم قاموا باختبار أفراد المجموعة في حضور العميد "أبو غزالة"، إلا أنهم لم يرتبكوا ولم يرهبوا وأصابوا الأهداف واحدًا تلو الآخر، فقام بمكافئتهم بشكل رمزي وأثنى عليهم.


 

صورة لجهاز توجيه الصاروخ

 

الخداع الإستراتيجي

 

وفي عام 1973 أصدرت الأوامر بالتحرك للضفة الغربية للقناة لتنفيذ مشروع تكتيكي، واصطحبوا معداتهم القتالية، ويقول "عبدالعال":"كانت هذه أحد خطط الخداع الاستراتيجي والتي نفذ منها حوالي 65 خطة لتمويه العدو حتي يتثني لنا بداية المعركة، ولكن الأوامر أصدرت إلينا مرة ثانية بالرجوع لمعسكر "فايد" في الإسماعيلية.”

صورة <a class=الفرقة 35 فهد أثناء تلقي التدريب" src="/images/ns/17045758501412572739-6.jpeg" style="width: 627px; height: 862px;" />

معسكر فايد

 

عند الوصول لمعسكر "فايد" وجدوا تدريبًا من نوع مختلف، فقد تم تجهيز ترعة الإسماعيلية لتشبه قناة السويس بالرغم من فارق العرض الكبير، فبدأوا التدريب علي تسلق الساتر الرمادي وعبور الترعة.

وكانت القيادة المصرية تهتم برفع الحالة المعنوية للجنود، فكانوا يسمحون لهم بتنظيم حفلات سمر ليلية، حيث كان يمثل المجندون المسرحيات ويلعبون كرة القدم، كما كانوا يتلقون دروسًا للتوعية الدينية، كانوا جميعًا رفاق وأخوة مثلما يقول "عبدالعال" :"لا فارق بين مسلم ومسيحي.”

 

العميد أبو غزالة وصائدو الدبابات

 

ويحكي "عبدالعال" أنه في أحد الأيام قال لهم المشير أبوغزالة، وقت كان عميدًا وقائدًا لسلاح المدفعية في الجيش الثاني، أن هذه الصواريخ هي أحدث ما وصل القوات المسلحة، واستطرد العميد قائلًا:”انا عايز الفرد الواحد يدمر 3 دبابات" فرد عليه الرقيب أول عبد العاطي، والذي سمى بصائد الدبابات بعد المعركة، قائلًا:”يا افندم، واللي يدمر 4 دبابات؟؟" فرد عليه "أبو غزالة" :”اللي هيدمر 4 دبابات هيتعمله تمثال في ميدان التحرير وهيحصل علي نجمة الشرف العسكرية".

ويؤكد "عبدالعال" أنهم لم يكونوا يفكرون في التماثيل أو الأوسمة وقتها، بل كان تحرير الأرض هو مصب تركيزهم، خصوصًا بعد معايشتهم لهزيمة 1967، واستفزازات العدو والذي قال إن بناء القوات المسلحة المصرية سيستغرق 40 عامًا بعد النكسة.

القوات قبل المعركة

 

ساعات قبل المعركة

 

في أول أكتوبر أصدرت الأوامر للمجموعة بالتحرك إلى القناة، ويقول "عبدالعال" :"كنا نشكك في فكرة قيام الحرب ونتحدث سويًا أن هذه المرة لن تفرق عن سابقاتها من المرات، وفي يوم 6 أكتوبر وتحديدًا في الساعة 12 ظهرًا أصدر قائد الكتيبة أوامره للضباط بمطالبة الجنود الصائمين بالإفطار والاستعداد للعبور.”

لم يكن الجنود يصدقون الضباط بأن هذه المرة سيحاربون فعلًا، ولكن عقب صلاة الظهر خرج 220 ضابط مصري بطائراتهم إلى السماء، وبدأوا في دكّ النقاط الحصينة للعدو علي خط برليف، مما رفع الروح المعنوية للجنود، وجعلهم يصدقون أن الحرب قد قامت.

صورة تذكارية للكتيبة 16

 

العوائق الثلاثة

 

كانت هناك 3 عوائق تقف عقبة أمام الوصول للضفة الغربية لقناة السويس، أولها كان العامل النفسي عقب هزيمة 1967 ولكن عبور الطيران المصري فوق لقوات ساعدهم علي التغلب علي هذه الآثار، والعامل الثاني كان قناة السويس بعرضها الكبير، أما العامل الثالث فكان خط برليف بخراطيم "النابالم" والتي كانت ستفحم أي أحد يحاول عبور القناة، لكن سلاح المهندسين والقوات الخاصة كانا قد أبطلا مفعول هذه الخراطيم ليلة العبور.

 

العبور

 

وعن اللحظات الأولي للحرب يروي "عبدالعال": "بدأنا في سماع المدفعية الثقيلة تدك نقاط العدو عبر القناة بواسطة 2000 مدفع، فعملنا أنه حان وقت عبورنا للقناة، وبالفعل ما إن توقفت المدفعية، أصدرت الأوامر لحوالي 80 ألف جندي بعبور القناة باتجاه الضفة الشرقية، واستغرق العبور حوالي 6 ساعات.”

ويؤكد أنه لم يستشهد في كتيبته في اليوم الأول للحرب سوى جندي واحد مات غرقًا أثناء العبور، كما لم يصاب أحدًا بطلقة اسرائيلية واحدة في نفس اليوم.

 

الكتيبة 16

 

تم إلحاق "عبدالعال" بالكتيبة 16 من اللواء 16 والفرقة 16، تحت قيادة المقدم محمد حسين طنطاوي، والذي أصبح مشيرًا ثم وزيرًا للدفاع بعدها، ودمر جنود المشاه دبابتين في اليوم الأول بينما كان "عبدالعال" ورفاقه مشغولون بتثبيت الصواريخ الجديدة استعدادًا لصدور الأوامر بالتعامل.

جاء اليوم الثاني للحرب ليجدوا أن الطيران الاسرائيلي قد بدأ الهجوم عليهم، ويقول "عبدالعال":"كان هذا الهجوم أشبه بنار جهنم، إلا أن أحدًا منا لم يصاب، بفضل الصواريخ المصرية والتي كانت تصطادهم واحدة تلو الأخرى مثل "العصافير"، ولعبت صواريخ "سام" دورًا كبيرًا في أيام المعركة ال10 الأولي، كما كان الجنود يحسنون توجيهها وإسقاط الطائرات.”

 

المقدم محمد حسين طنطاوي

 

هاجم الفرقة في اليوم الثاني حوالي 30 دبابة ومدرعة اسرائيلية، وكان ل"عبدالعال" شرف إصابة أول هدف في المعركة، وهو ما رفع الروح المعنوية للجميع، فخرج المشاه من خنادقهم مهللين، ولكن المقدم محمد حسين طنطاوي أصدر تعليمات حازمة برجوع الجنود لخنادقهم، قائلًا إن المعركة مازالت في بدايتها، وبعدها بدأ "عبدالعال"وزملائه في اصطياد سرب الدبابات واحدة تلو الأخرى.

 

صورة للجنود فوق الدبابات الاسرائيلية المدمرة

 

الثغرة

 

وعن الثغرة يشرح “عبدالعال” :"في يوم 14 أكتوبر سمعنا أن هناك بعض الدبابات اﻹسرائيلية تسلقت نحو الضفة الغربية لقناة السويس، وكانت في طريقها للإسماعيلية، فتحركت المجموعة 39 بقيادة البطل الشهيد سيد ابراهيم الرفاعي، وتصدوا لهذا الهجوم ومنعوا أي دبابة من الوصول للإسماعيلية.”

ويؤكد "عبدالعال"أن الالتفاف حدث حول منطقة البحيرات المرة، ولم يتم اختراق الفرقة 16 كما يدعي البعض، وكانت أرض البحيرات المرة غير صالحة لسير أي مدرعات أو مركبات ثقيلة، لكن اﻹسرائيليون عالجوا المشكلة بحديد مجنزر مثل الحصير، و كان هذا جنوب الفرقة 16.

 

طائرات أمريكية
 

عرفت الكتيبة 16 عن الثغرة عن طريق الطائرات الاسرائيلية واﻷمريكية التي كانت تغطي سماء سيناء، مثلما يقول "عبدالعال" :"علمنا أن أمريكا دخلت الحرب"، ويؤكد أنهم عندما كانوا يأسرون الجنود اﻹسرائيليين في تلك الأيام لم يكونوا يعتدون عليهم مثلما كان يفعل الإسرائيليون، مما يدل على شهامة الجندي المصري والقيادة المصرية.

 

صورة أثناء توجيه أحد الصواريخ في المعركة

 

نقص في الذخيرة


تم الاتفاق على وقف إطﻻق النار يوم 22 أكتوبر، لكن إسرائيل لم تحترمه، حتى أتى يوم 28 لتبدأ الكتيبة 16 في الإلتفاف حول الثغرة، ويستطرد "عبدالعال":"كنّا نتمنى أن يطلقوا رصاصة واحدة علينا لندفنهم هناك، لكن الذخيرة لم تكن في أحسن أحوالها، فالاتحاد السوفيتي كان يمدنا بالسلاح والذخيرة "بالقطّارة"، فلو كان معنا من السلاح والذخيرة مايكفيان، لكنّا أنهينا تلك الثغرة بسهولة شديد قبل يوم 22.”

ويؤكد "عبدالعال" أن الإعلام اﻹسرائيلي هو من ضخم في حقيقة تلك الثغرة، ولكنها كانت تمثيلية منتهية قبل بدايتها، والدليل على ذلك أنهم لم يتمكنوا من الوصول للإسماعيلية أو حتي السويس

 

صورة تذكارية من المعركة

المزرعة الصينية

بعدها خاضت الفرقة 16 معركة الدبابات الكبرى، وحدثت المواجهة في محيط ضيق كان يطلق عليه المزرعة الصينية، حيث كانت 2000 دبابة مصرية في مواجهة 2000 دبابة إسرائيلية، ويرى "عبدالعال" أن تلك المعركة تعتبر وسامًا على صدر الفرقة 16 وقاداتها، لكونها مصيرية خصوصًا بعد تدعيم .الحكومة الأمريكية ﻹسرائيل

شهدت أرض المزرعة الصينية أكبر معركة في التاريخ، حيث استخدمت فيها جميع اﻷسلحة من مهندسين وكاسحات ألغام والمشاه والمدرعات والدفاع الجوي والمظليين والطائرات، وكان القتال متﻻحم وجهًا لوجه، ,يصف "عبدالعال" :"كان الفرد الاسرائيلي يبعد عني، إما أن يصيبني أو أصيبه، وبحمد الله تمكن أبطال المشاه والمدرعات وصائدو الدبابات من إقامة بطوﻻت خارقة في هذه المعركة يحكي عنها التاريخ.”

صورة لابراهيم السيد عبدالعال مع وسام الجمهورية

 

إنتهاء الحرب وبداية حياة جديدة

 

عقب انتهاء الحرب، كرم الرئيس الراحل أنور السادات أبطال المعركة، وأعطى اهتمامًا خاصًا بالفرقة 16 وأبطالها، وحصل ابراهيم عبدالعال علي وسام الجمهورية من الطبقة الأولى، وعقب انتهاء فترة التجنيد، حصل "عبدالعال" علي بكالريوس تجارة ثم أجرى دراسات عليا، ويعمل الآن مراجع مالي في مديرية التضامن الإجتماعي بمحافظة الدقهلية.

وبالنسبة ل"عبدالعال" فالحرب لم يبقى منها سوى ذكريات الشرف والكرامة والبطولة، ويختم البطل كلامه قائلًا:” لن يسعني الوقت لسرد بطولات عايشتها في هذه الحرب، فما رأيته من الجنود المصريون ورفاقي في المعركة لن تسعه الكتب، وسلامًا علي كل من شارك في هذه المعركة العظيمة، من ضباط وجنود وأهالي مصريون لم يبخلوا بشيء علي الوطن.”

 

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان