رئيس التحرير: عادل صبري 12:04 صباحاً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

التصلب المتعدد.. إهمال الدولة "يجيب شلل"

التصلب المتعدد.. إهمال الدولة يجيب شلل

تحقيقات

بوسي محمد مصابة بمرض التصلب المتعدد

التصلب المتعدد.. إهمال الدولة "يجيب شلل"

جمعية رعاية مرضى التصلب: تعامل وزارة الصحة معنا سيء .. والمرضى يعانون أخطاء التشخيص وعدم تفهم المجتمع لمرضهم

هاجر هشام 05 أكتوبر 2014 13:04

قضى عبد المسيح وليم، موظف كتابة بوزارة الإسكان، 25 سنة من عمره الذي تعدّى الأربعة عقود يبحث عن سبب طبي لفقدان عينه الرؤية في السابعة عشر من عمره، وعجز قدماه عن حمله سوى بمساعدة عكازين منذ عامه السادس والعشرين، وعدم قدرته على العمل بشكل طبيعي مثل باقي زملائه "طول الوقت تعبان، طول الوقت مش قادر أمارس حياتي بشكل طبيعي".

الأطباء تنوعت أسبابهم بين نفسية وعضوية مختلفة، لكنها لم تصب الحقيقة، حتى اكتشاف الأطباء منذ عدّة أعوام إصابته بمرض التصلب المتعدد.

التصلب المتعدد، هو أحد الأمراض المناعية التي يفقد فيها جهاز المناعة القدرة على التمييز بين الأجسام الضارة للجسم، والخلايا التي يتكون منها، يهاجم جهاز المناعة في حالة التصلب المتعدد الجهاز العصبي فيؤثر على حركة المريض وتحكم في أطرافه، وقد يسبب إهمال المرض إعاقات قد تصل بالمريض إلى الشلل.


 

<a class=التصلب المتعدد" src="/images/ns/18467568291412489220-التصلب 1.gif" style="width: 600px; height: 381px;" />

يتعرض مريض التصلب، بجانب ضعفه ووهنه الدائم، إلى هجمات متكررة من المرض، تتمثل أعراضها في تنميل في الأطراف وعدم قدرة على الحركة والتحكم بنفسه، ويهدف العلاج إلى تقليل تطور المرض وتقليل شدة الهجمات، لكن التصلب بحد ذاته مرض مزمن على المريض التعايش معه ومع علاجه طيلة الحياة.


 

عبد المسيح وليم مصاب بمرض التصلب المتعدد

عبد المسيح ليس الحالة الوحيدة التي تأخر اكتشافها، فهناك حالات أخرى مثل بوسي محمد، 27 عامًا، عانت من أعراض المرض منذ 2009، بعد حصولها على بكالوريوس التجارة من أحد الجامعات، لكن الأطباء لم يستطيعوا لسنوات تحديد ماهية مرضها، فكما تقول بوسى "حتى يناير 2013، كل الفحوصات أكدت سلامتي عضويًا، ليشير الأطباء إلى إمكانية وجود سبب نفسي، لهذا كنت اتناسى لتعود المشاكل الصحية مرة أخرى، إلى أن اكتشفت إصابتي بمرض التصلب المتعدد".


 

تقول دكتورة منى شرابي، طبيبة أعصاب ورئيسة اللجنة الاجتماعية بجمعية رعاية مرضى التصلب، أن هناك حالة من عدم المعرفة من الأطباء بالمرض في مصر "منهج الأمراض العصبية في الكلية به صفحتان فقط عن المرض، طوال سنين دراستي الجامعية لم أدرس غير حالة واحدة فقط مريضة بالتصلب في مستشفى الدمرداش".


 

تؤكد شرابي أن كثير من الأطباء لايصدقون أن مرضى التصلب عددهم كبير في مصر، يعزز هذا التخمين عدم وجود إحصائيات في وزارة الصحة حول أعداد المرضى، بجانب تناثرهم في جميع أنحاء الجمهورية "في الجمعية نحاول عمل إحصائيات لأعداد المرضى خارج وداخل مظلة التأمين الصحي والعدد الذي وصلنا له حوالي 120، لكني أؤكد أن أعداد المرضى الحقيقية أكبر".


 

معاناة بوسي وعبد المسيح، وغيرهم من مرضة التصلب المتعدد لاتنتهي عند صعوبة الكشف عند المرض، تقول بوسي " تكلفة العلاج الأساسي بس للمريض بتبدأ من 5 آلاف جنيه، بجانب علاج مكمّل قد يصل إلى ألفين جنيه، يعني أن المرض، في حالة المرض البسيط، قد تصل تكلفة علاجه شهريًا إلى 7 آلاف جنيه، وقد تزيد بحسب حالته وشدتها إلى 23 ألف".


 

بوسي تعتمد في تغطية تكاليف علاجها على التأمين الصحي لوالدها، الذي كان يعمل في قطاع البترول، والتأمين يمنحها تكاليف العلاج شبه كاملة، لكن قوانين التأمين الصحي بالشركة تنص على خروج  بوسي من مظلة التأمين الصحي إذا تزوجت أو حصلت على وظيفة، تقول بوسي: "متوسط أي راتب في وظيفة عادية 1500 جنيه، هذا يعني أﻻ أفكر في الزواج أو العمل لأضمن علاجي كل شهر، أو أتوقف عن العلاج لتكون نهايتي كرسي متحرك أو الموت".


 

أما التأمين الصحي لعبد المسيح، لأنه حكومي، فلا يغطي سوى 40% فقط من النفقات الشهرية لعلاجه "مرتبي 3 آﻻف جنيه شهريًا، وأتحمل نفقات أسرة مكونة من زوجتي وأربعة أطفال، الدولة توفر لي 7 حقن من أصل 15 حقنة لعﻻجي كش شهر، كيف يمكنني توفيرهم وتدبير نفقات أسرتي في نفس الوقت؟".


 

يلجأ بعض المرضى، كما تقول شرابي، إلى العلاج على نفقة الدولة كمكمل للتأمين الصحي، أو كمصدر لتغطية نفقات العلاج إذا كانوا خارج مظلة التأمين، لكن العلاج على نفقة الدولة لايوفر إلا 3 حقن لمرضى التصلب كل 6 أشهر، في الوقت الذي يحتاج المريض 15 حقنة على الأقل كل شهر "المرضى يقدمون تظلمات عدّة ويعيدون الكشوفات الخاصة بإجراءات العلاج على نفقة الدولة، لكن الأمور تستغرق وقتًا طويﻻً تتدهور خلاله حاﻻتهم الصحية".


الدكتورة منى شرابي، رئيسة اللجنة الاجتماعية بجمعية رعاية مرضى التصلب المتعدد

تؤكد شرابي أن هناك حالات تدهورت بالفعل بسبب خروجها من مظلة التأمين وعدم قدرتها على توفير نفقات العلاج، تقول شرابي: "هناك مثﻻً حالة محمد عبد الرحمن، طالب هندسة تخرج من 3 أشهر، الجامعة كانت تغطي نفقات علاج التصلب، واﻵن هو بلا علاج مما أدى لتدهور وضعه الصحي واستخدامه لكرسي متحرك".


 

ويزيد من تعامل الدولة السيء لمرضى التصلب، كما تقول شرابي، أن الدولة لا تهتم حتى بتوفير العلاج المطلوب للمرضى "أحد المريضات اللاتي يزرن الجمعية اشتكت من أن العﻻج على نفقة الدولة صرفوا لها 3 حقن للتصلب، منها واحدة منتهية الصلاحية، كما أن معظم اﻷدوية التي يوفرونها للمرضى هي "التروبسان"، وهو علاج غير فعال ويأخذه المريض في مراحل مرضه المبكرة فقط".


 

تتابع شرابي " عملنا وقفات مختلفة، كانت استجابة وزارة الصحة عبارة عن قرار باعتبار المرض من الأمراض المزمنة التي تتكفل الدولة بعلاجه، كمرض الكبد الوبائي، لكن القرار لم يوضع حيز التنفيذ، لأسباب غير مفهومة".


 

تزيد من معاناة مرضى التصلب، تعامل المجتمع معهم، خاصة مع وجود قلة وعي بمرضهم وطبيعته، ربما يكون عبد المسيح محظوظًا أسرته التي تتفهم طبيعة مرضه وتتعاون معه، يقول: "من حولي يتعاونون معي، لكني أتحامل على نفسي ﻷمارس حياتي وأنجز مهام عملي كأي إنسان طبيعي، بعيدًا عن تفهم اﻵخرين أو عدم تفهمهم".

لكن بوسي لا تحظى بنفس التفهم "البعض يتعامل معي على إني بتدلع أو إن مرضي مرتبط بالهجمات اللي بتجيلي وبعد كده خلاص، لكن في الحقيقة إن مرضي ده موجود معايا طول الوقت"، تضيف بوسي "أغلب أفراد عائلتي ﻻ يستوعبون أن الفتاة التي كانت تتحرك وتنجز أعمالها غير قادرة اﻵن على بذل أقل مجهود وتتحرك بأدوية".


 

ترى بوسي أن عدم التفهم هو حالة عامة في المجتمع، تقول: "أنا أحدثك اﻵن وأنا أعاني من هجمة تسبب لي تنميل في أطرافي وصعوبة في الكلام وثقل في رجلي، أنت ﻻتشعرين بذلك لأني أرفض التتعامل على إني مريضة وأتحامل على نفسي حتى أستطيع الاستمرار في حياتي وأتعامل بشكل طبيعي، لكني أحتاج من الناس تفهم طبيعة مرضي وأﻻ يطلبوا ماهو أكثر من طاقتي أو تتعامل مع مرضي باستخفاف".


 

بوسي وعبد المسيح، هما أحد أعضاء جمعية رعاية مرضى التصلب، كالعديد من المرضة الذي تتشكل منهم الجمعية التي تمت إقامتها بالجهود الذاتية، الجمعية، بحسب الدكتورة منى شرابي، فهم يعملون منذ 2004 على التواصل مع المرضى وتقديم الدعم النفسي والتوعية للأهل والمرضى حول طبيعة المرض "لكن إشهار الجمعية كان في 2011، تعلمين أن اﻷمور في مصر تأخذ وقتًا طويلًا".


مرض التصلب

من جانبه، يقول الدكتور هاني عارف، أستاذ جراحة المخ والأعصاب بجامعة عين شمس، وأحد الأطباء المسؤولين عن لجان التأمين الصحي الخاص بمرضى التصلب أن أحد أهم مشاكل المرض هو التوعية "المرض هو ثاني سبب للإعاقة بعد حوادث السير، كما أن الإصابة بالمرض تويد بين شريحة الشباب من 20 إلى 30 سنة، لكن الإعلام والدولة لاتعطيان أهمية له".


 

يتابع عارف "أهم ما توصلنا له مع وزارة الصحة هو توفير لجان في مناطق مختلفة من الجمهورية، ليكون سهلاً على المواطنين تحت مظلة التأمين الصحي أن يوفروا جزء من ثمن العلاج"، يضيف "كما أنه من الصعب إنتاج هذه الأدوية محليّا، التكنولوجيا التي تعتمد عليها الأدوية متطورة ومن الصعب إنتاجها في مصر".

ويشير عارف إن أخطاء التشخيص ناتجة عن قلة الأطباء المتخصصين في جراحات الأعصاب، حيث لايتعدى عددهم في أنحاء الجمهورية، بحسب عارف، عدّة آلاف، يضيف " هناك حالات يخاف الطبيب فيها التشخيص بمرض التصلب، ذلك أن تكلفة المرض عالية جدّا على المريض، كما أن المريض عليه أن يتعايش معه طيلة الحياة، فليس سهلًا على الطبيب إخبار المريض أنه يعاي من التصلب المتعدد".


اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان