رئيس التحرير: عادل صبري 03:35 مساءً | الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 م | 07 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

في العيد .. دار المسنين تبحث عن زائر.. وأمهات تتمنى الموت

في العيد .. دار المسنين تبحث عن زائر.. وأمهات تتمنى الموت

تحقيقات

سيدة بدار مسنين

في العيد .. دار المسنين تبحث عن زائر.. وأمهات تتمنى الموت

أحلام حسنين - إبراهيم أبو جازية 29 يوليو 2014 19:41

ظروف قاسية فرضت على أمهات مسنات العيش ما تبقى من أعمارهن في انتظار الموت داخل دار الضيافة بالسيدة زينب، ذهبن إليه إما هربًا من شر الوحدة، أو بعد عقاب فُرض عليهن من قِبل أبناء خلت قلوبهم من الرحمة وبر الوالدين.

خلال عيد الفطر يجلسن على مقاعد خشبية داخل الغرفة بجوار بعضهن، إحدهن تبكي وهو شريدة، تناجي ربها بكلمات لا يدريها إلا هو، وأخرى كفت عن البكاء فجفت الدموع على خدها، وثالثة في عقدها السبعين، أرادت أن تهون على صديقاتها فتارة تلقي عليهن بنكتة، وتارة " تناغشهن "، ولا تتركهن إلا بضحكة جميلة يرن صداها بإرجاء المنزل.

 

هكذا تحيا المسنات في دار الضيافة بالسيدة زينب، عندما تسألهن عن حياتهن، وكيف يقضين العيد؟، لا تسطع أن تحبس دموعك في عينيك وأنت تسمع روايتهن، فهن عشقن الحياة وهي لفظتهن، هجرهن الولد والقريب والحبيب، فصرن ينتظرن الموت في كل لحظة لتنجيهن من مرارة الذكريات التي لم تفارق ميخلتهم قط.

 
هؤلاء المسنات اختلفت معانتهن وتقاسمت نهايتهن، جثث هامدة لا تجد من يأويها في التراب، عاشن يعلمن ويربين من بيده سيقضى على حياتهن، إنه ولدهن الذي تمنونه منذ أن كن صبايا يحلمن بالزواج والأمومة، فها هو صار شابًا عاقًا يجني على أمه، وحتى بعد وفاتها يرفض أن يسكنها التراب.

 

32 عامًا قضتها "سعاد عبده بيومي" في عمل شاق دون كلل أو ملل، لتربي أولادها الأربعة، بعد أن توفي عنها زوجها، حينما كانت شابة في عز صباها، أبت أن تتزوج لتعكف على تربية أطفالها، وبعد أن حققت أمنيتها فأصبح منهم المهندس، والظابط، وثالث صاحب "ورشة ميكانيكا "، وفتاة حصلت على ليسانس، وزجتهم جميعًا، بدل من أن يكرمها أولادها، حطمن حياتها أبد الدهر .

 

 "سعاد" ذات الـ 74 من عمرها، حاولت أن تحبس دموعها وهي تروي قصتها، إلا أنها انهمرت في البكاء وهي تتذكر كيف تخلى عنها فلذات كبدها، فها هو ابنها الأكبر الذي بلغ عامه الـ 48، تزوج في شقتها، فتعاركت زوجته مع أمه، وأراد أن يطردها فأبت، فجعل الشقة خاوية على عروشها.


"قرشين للزمن" جمعتها الحاجة "سعاد" تحسبًا للظروف، لجأت إليها لشراء سرير ودولاب بعد أن باع ولدها كل ما في الشقة رغمًا عن أنف أمه، إلا أن قسوة الوحدة أجبرتها على الذهاب للجمعية الإسلامية، ليؤنس وحدتها أمثالها من رفقاء المعاناة، ثم لجأت لدار الضيافة المجاني بعد أن نفدت أموالها.


"في العيد لا بننزل ولا بنتحرك من مكانا، في الدار هنا أكلونا كحك وبسكويت، وأحفادي أول مرة يزروني أمبارح، مكنتش أعرف شكلهم، بس خلاص هعمل بيهم إيه"، كلمات قالتها "سعاد"، لتقطع حديثها بالدعاء على أولادها "منهم لله"، ولأنها أم لم يطاوعها قلبها رغم قسوة أولادها عليها، فسريعًا ما بدلت الدعاء " ربنا يهديهم ويصلح حالهم ".


"أنا بقيت أكلم ربنا كل يوم، بقوله يارب لو أنت عاوز كده، أنا راضيه بالمقسوم، يا رب أجعل الدنيا خير على قدوم الجدع الجديد اللي اسمه السيسي"، هكذا تؤنس "سعاد" وحدتها بمناجاة ربها.


"سعاد" لم تسطع أن تحرك ذراعها منذ أن وقعت عليها منذ 4 أشهر، ففي الوقت الذي تتمنى أن تجد طبيب يعالجها، تقول :" نفسي دراعي يخف، ونفسي أرجع شقتي بس مش هلاقي حد يخدمني، ياااااااه هيكون نفسي في إيه بس غير إني أموت ".


الضاحكة :" من زائرة لنزيلة"

الحاجة فوقية، تجاوزت الـ 78 عامًا، إلا أنها تتمتع بخفة ظل يحسدها عليها رفيقتها في الدار، ففي كل الأوقات تمزح وتهرج، تسير بمبدأ " بنأكل وبنشرب ببلاش، وفي حد بيخدمنا وعندنا سرير ودولاب، عايشين عيشة فل، هنعوز إيه تاني ونكد على روحنا في آخر أيامنا ليه".


 بداية معرفة "الحاجة فوقية" بدار الضيافة، كانت كزائرة للمسنات تحنو وتعطف عليهن، بعد أن توفي زوجها وظلت هكذا طوال 12 عامًا، وبعد أن زوجت أولادها ووجدت نفسها وحيدة، قررت أن تكون نزيلة بالدار، ليس فقط لتؤنس وحدتها ولكن لتؤنس من لا أنيس لهن في الدهر سوى الله عز وجل.


"الصعيدية"

وبينما تمزح "الحاجة فوقية"، كانت "الصعيدية" كما يطلق عليها نسوة الدار، جالسة على سريرها تارة تنظر لأسفل قدمها، وتارة تنظر للجدران من حولها، وكأنها تناجيها وتفضي إليها بأسرارها، فهكذا حالها منذ أن جاءت للدار منذ خمسة أعوام، بعد أن توفي أولادها الأربعة متأثرين بـ " نزلة معوية "، ومن قلبها وفاة زوجها.


 سرًا ما هنالك تخفيه  "الصعيدية" تخشى أن تفضي به لأحد لكونها أمرأة من الصعيد، لم تعد تدري ما الحياة وما العيد، فتقول " العيد له ناسه احنا مالنا بيه".

 


 أغرب القصص

 الشيخ محمد أحمد قطب، رئيس مجلس إدارة " دار الضيافة " بالسيدة زينب، يقول إن  الدار مجانية لا تأوي إلا اللاتي من لا دار لهنّ، أو لا أهل لهنّ، أو لا دخل لهنّ، ويروي قصة إحدى المسنات: "وجدناها على الرصيف بعد أن ألقاها ابنها في الشارع، بعد أن ربته وعلمته ليحصل على درجة علمية كبيرة".


ويقول "قطب" إن الحاجة سعدية ظلت في حالة نفسية سيئة للغاية منذ أن فعل ابنها هذا الفعل الشنيع، وفي إحدي ليالي العيد منذ سنوات، وأثناء قدوم بعض الزوار للدار لتهنئة المسنات بالعيد، فرحت الحاجة سعدية جداً في هذا اليوم، فبينما كان يطعمها الأطفال الكعك، كانت تلقي بالزغاريد التي تنشر البهجة والسعادة في الدار، ويكأنها كانت تشعر بأنها ليلتها الأخيرة، وقد كانت الأخيرة بالفعل.


"كلمت ابنها ييجي يدفنها ومرضاش" قالها بمرارة الشيخ "قطب"، فبعد أن علموا خبر وفاة الحاجة "سعدية"، اتصل بابنها القاطن بفيلا، ولكنه فوجئ برفضه استلام جثة والدته قائلاً: "ادفنوها انتوا، ماهي كانت عايشة عندكم".


وجه الشيخ "قطب" اللوم لـ وزارة التضامن الاجتماعي والعدالة الاجتماعية التي تهتم برعاية دور الأيتام، ولكنها تهمل رعاية دور المسنين".


لم يكن البؤس هو الزائر الوحيد للدار، فقد كان الفرح والسعادة زائرين لها، ولكن في أحيان قليلة، فالخروج من الدار ليس دائمًا إلى القبر، وإنما أحيانًا إلى عش الزوجية، برغم وفاة تسع مسنات بالدار من قبل، إلا أنه حدث أمرٌ فريد، وهو زواج إحدى المسنات.


كان يحضر الرجل للزيارات المنتظمة، وبعد وفاة زوجته منذ أعوام، ولهجرة أبنائه إلى الخارج، احتاج الرجل إلى شريكة تؤنسه وحدته، ويعوضها حنان الزوج، وقد وجدها بالدار، هكذا يروي "قطب".

 

اقرأ أيضًا:

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان