رئيس التحرير: عادل صبري 10:40 مساءً | الجمعة 19 أكتوبر 2018 م | 08 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

محمود الكردي.. رصاصة في العين تخرج من الرأس

مدرس "الديناصور" المحبوب..

محمود الكردي.. رصاصة في العين تخرج من الرأس

بعث برسالة لهاتف زوجته قال فيها: "الضرب بدأ ادعيلي أكون شهيد"

آيات قطامش 30 يناير 2014 17:52

لم يكن إسلام نجله ذو العامين والأربعة أشهر، هو فقط من فقد "أبيه" محمود الكردي، 27 عامًا، وإنما أيضًا عشرات الأطفال الذين كان يدرس لهم "الكردي" العلوم باللغة الإنجليزية في إحدى المدارس، ولكن على طريقته وأسلوبه الخاصة.

 

لم يكتف بتلقين الدرس لهم، وإنما كان يفكر ويشغل باله باستمرار في ابتكار أشياء يحببهم بها في الاختراعات، ومنها أنه كان يدخل عليهم بملابس الديناصور، فالصمت لا يعرف طريقًا لحصته، فالجميع يتفاعل والأطفال يعشقونه.

 

رصاصة في العين

كان الكردي يفكر جديًا في أن يزرع في الأطفال حلمًا بأن يصبحوا علماء المستقبل، فلم تكن حصته ثقيلة على قلوبهم، وإنما كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر، ولكن يبدو أن الانتظار تلك المرة سيدوم طويلًا.. بعدما تلقى الكردي ذو الوجه الباسم رصاصة في عينه اليُمنى، لتخرج من الرأس بميدان المطرية في الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير السبت الماضي، وتصعد روحه إلى بارئها.

 

توجهت "مصر العربية" لمنزل محمود، وما إن وطئت أقدامنا به، شعرنا أن جنبات المنزل يخيم عليها جو التهاني وليس التعازي، الزوجة بشوشة الوجه محتسبة زوجها عند الله شهيدًا، المفارقة أنه رغم أن بيتهم في العمرانية، إلا إنه في تلك المرة ساقته أقدامه إلى مظاهرة ميدان المطرية.

 

رسالة موبايل

تقول الزوجة: "استشهد زوجي السبت الماضي في ذكرى يناير بميدان المطرية، فكل جمعة نترك إسلام ابننا الصغير عند والدتي أو عند شقيقته، وننزل معًا نشارك في المظاهرات، ولكن تلك المرة لم أنزل معه نظرًا لمرض إسلام، وكنا في اليوم السابق لاستشهاد زوجي قد شاركنا في مسيرة بالعمرانية، ولكن تم الاعتداء عليها، وطلبت منه أن ننزل في اليوم التالي بمسيرة الزيتون، وبالفعل في ذكرى يناير نزل في البداية مدينة نصر، إلا أنه تم فضها، وتوجه إلى الألف مسكن، ومنها انطلق إلى المطرية".

 

أخبرني عبر الهاتف، أنه وصل إلى هناك، وفتحت الهاتف في الساعة الخامسة والنصف، فوجئت بأنه أرسل رسالة لي منذ ساعة ونصف، قال فيها:" الضرب بدأ ادعيلي أكون شهيد"، فتعجبت حيث إنه كان يفكر في عمل الكثير من الأشياء وأن يحارب في سوريا ويأتي بالنصر ويعود.

 

بلطجية ومشرحة

وتابعت: "اتصلت على محمود لأطمئن عليه، إلا أنني فوجئت بأحد البلطجية يرد علي ويقول أخوكي مات.. مع وصلة من الشتائم، وقتها قلبي خفق بشدة، واتصلت بشقيقتي التي كانت متواجدة في ذات المكان، وأخبرتها بما حدثت فتوجهت إلى المستشفى الميداني وبحثت عنه، إلا أنها أخبرتني انه ليس موجودًا بينهم".

 

وتابعت: "وتواصلت مع أحد أصدقاء محمود وسألتهم على زوجي، وجاء خبر لشقيقتي أن المصابين تم نقلهم لمستشفى الزيتون، ولكنها لم تجده هناك وفي النهاية وجدته في الثلاجة، وجاءتني المنزل بالخبر، وعلمت أنه لم يتألم كثيراً، وظل يردد الشهادة كثيرًا، وهم يحاولون إسعافه حتى ارتقى شهيدًا، وكان دمه يسيل برائحة مسك ندية حتى دخل المشرحة الساعة 5 الفجر، وكان وجهه مثلما يكون نائمًا".


طبيب القلوب

وتضيف الزوجة بابتسامة تخللت وجهها، وهي تتذكر صفات محمود قائلة: "كان روحه طفولية ويعشق الأطفال ودائمًا يكون معه "ملبّس" يعطيه لأي شخص يتحدث إليه، صغيرًا كان أم كبيرًا، وهو معروف بذلك، حتى أنه كان مندوب مبيعات عقب تخرجه ويصاحب طبيبًا، فكان يعطيه "ملبّس"، فكان يقول "لا تتصوري لمسه صغيرة زي دي بتعمل إيه في القلوب"، فكان يهتم جدًا بقلوب الناس واجتماعي لأقصى درجة، وعاطفي ولا يسكن في مكانه، وكان أبًا وزوجًا، فهو عاش عامين بمفرده قبل زواجنا بعد وفاة والدته وكان يقوم بكل شيء، وهكذا استمر الأمر لبعد الزواج نتقاسم عمل المنزل معًا، وبمجرد أن يعود من عمله وهو مرهق أطلب منه أن يدخل ويظبط ملح الطعام، وكان يتقبل كل هذا بصدر رحب، ويغير لإسلام ملابسه، فكان عليّ السهر وعليه هو التغيير لإسلام".

 

وتابعت: "وفي صباح يوم الاستشهاد أعد الإفطار لي ولأخته، وأخذ يجمعنا ووضع "الجاتوه"، قبل مقتله توفي أحد أصدقائه، ودفن بطريقة اللحد وأخبرني عندما عاد كم يعجبه كثيرًا هذا النوع من الدفن، وأنه يكره المدافن التي هي عبارة عن حجرات، ويتمنى أن يدفن كما دفن صديقه".

 

"التجارب العلمية.. تدريس العلوم للأطفال".. كان كلاهما أشياء يعشقهما محمود، كما ذكرت زوجته علياء قائلة: "كان يفكر في كيفية عمل برامج لمادة العلوم بشكل شيق، حتى يحفزهم أن يصبحوا علماء، فكان من بين الحصص التي شرحها محمود ظهر بها في ملابس الديناصور، وهو يشرح للأطفال درس الحفريات، وإلى جانب المدرسة ذهب إلى جمعية قلب كبير وأعد ورشة تحت اسم "كهروب"، يعلم الأطفال كيف يتم عمل لمبة وكيفية تشريح الأرنب بأسلوب به إبداع، فعمله هو بمثابة هواية له".

 

وتقول الزوجة إنه "دائمًا يقول لي عندما يكبر إسلام سأتركه يعمل في أي مجال، نجار.. عامل نظافة.. طبيب..، المهم أن يبدع في عمله، وفي عيد ميلاد نجلنا إسلام، فكرنا ما الأشياء التي تدوم معه، فجمعنا له صوره في رابعة والنهضة وبعد الفض، وقمنا بعمل بانر بها".

 

ولفتت إلى أنه كان لا يحب أن يموت الإنسان هدرًا، وكان دعاؤه "اللهم ارزقني بعمل لا ينساه أحد من قبلي ومن بعدي"، ويظل يقول أنا لا أرى أن أعمل شيئًا سوى بعض الأطفال الذين أحببتهم في العلوم، وقالت: "أحسب أنه كان يعيش ويعمل كل عمل في سبيل الله، ووقعت ظروف لديه جعلته ينهي دراسته في 6 سنوات، بدلاً من 4، حيث إنه اضطر أن يتوقف لعامين، منهم عام حفظ فيه القرآن بالكامل به في 6 أشهر، وكان معروفًا في الكلية بالمشاركة في الأعمال الخيرية والمسئول عنها في الجامعة".

 


الشهيد الفذ

الشهيد الفذ.. هكذا لقبه عدد من اصدقائه، فيقول رفيق دربه أحمد صلاح شديد: "ألا أحدثكم عن شهيد فذ، إنه محمود عبد الرحمن الكردي، ورفيق دربي الذي كان مجرد تذكره في أي وقت داعيًا لأن أتبسم، كان أرق الناس أفئدة وأطيبهم قلبًا، لم أره مرة واحدة يغضب لنفسه، إلا أن يغضب لله ونصرة لدينه، يقابلك دومًا بحفاوة شديدة، حتى وكأنه حاز الدنيا بلقائك، لم يكن يراه أحد حتى يحبه الكبار والصغار، وخاصة الأطفال، وقد كان كل منا شديد الحب لصاحبه، كل من يعرفه عن قرب كان يعلم اشتياقه الشديد للشهادة في سبيل الله، فلا أكاد أقابله مرة ونتحدث إلا، وتحدث عن الشهادة، كنا نتحدث عنها الساعات الطوال في تفاصيلها ودقائقها وأراجعه فيها مرات تلو المرات، تحدث المشتاق المحروم إلى حبيب، وكان من أكثر ما نتحدث عنه من دقائقها هو إخلاص النية في الشهادة، وقد كان أخبرني أنه عزم الأمر على الجهاد في سوريا، وذلك قبل الانقلاب طلبًا للشهادة أيضًا، وكان شديد الاهتمام بقصص الشهداء، وكيف كان حياتهم وكيف نالوا تلك المنزلة عسى أن يكون مثلهم".
 

ويقول الصديق: "كان آخر لقاء جمعني بمحمود يوم الخميس الماضي، ويوم الجمعة أيضًا لساعات طوال، كانت ساعات الوداع، حدثني فيها مرة أخرى عن الشهادة وطلب الآخرة، وكان آخر غداء له يوم الجمعة معي، وصلينا المغرب معًا ثم سلم عليّ ومنحني الحلوى المعتادة منه، وانصرفت بعيدًا، فإذ بحبيبي ينادي عليّ مرة أخرى، فأرجع إليه ويسلم عليّ مرة أخرى، ونصحته في ذلك اليوم بألا يبيت في بيته خشية عليه بعد ما كان من اعتداءات من البلطجية بجوار بيته، ولم أكن أعلم أنه ذاهب لقدره المكتوب".

 

وتابع صلاح: "كان الكردي مقدامًا لا يخشى إلا الله، لا تفقده في موطن إلا وكان من السابقين، وإني لأذكر أنه كان يتبادل المبيت بين ميدان النهضة ورابعة في الأيام التي يتلمس فيها اشتباكات في النهضة يذهب إليه، أو في رابعة فيذهب إليه هو وزوجته وابنهما إسلام، الذي لم يكمل من العمر 3 أعوام بعد، كان حبيبي فيه خصلة لا تفهمها إلا أن تفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى للغرباء، فقد كان غريبًا بيننا من طلاب الآخرة حقًا وصدقًا لا من طلاب الدنيا ولا يلوي على شئ فيها، غير أنه حدثني مرة، كيف حال الشهيد بعد ذلك من فقده لأحبابه، ويحدثني عن شعوره إذا استشهد عن حزنه وشوقه لزوجته وإسلام".

 

وأضاف: "كان صديقي قارئًا للقرآن، صوامًا قوامًا، كان في رمضان الماضي ونحن في ميدان النهضة يقوم إذا نام الناس، لا يفتر عن ذكر الله ولعل من يعرفه يذكر السبحة في يديه، وكأنها قطعة من يده، كان حبيبي إذا دعا بكى وأبكى من حوله من خشية لله، وطلب العلوم الشرعية ودرس في العقيدة والفقه والحديث، وكان من أمهر من يعلم الناس الأطفال في مساجد الحي القرآن".

 

يتابع: "من يعرف محمود عن قرب يجمع على أنه كان شديد الإخلاص لله في كل سكناته وحركاته نحسبه كذلك، كان هينًا لينًا قريبًا سهلاً، لا تستطيع حتى أن تغضب منه لدماثة خلقه ورقة طباعه، دائمًا ما كان يحمل معه الحلوى ليمنحك إياها جائزة على أي شيء، ولو كان صغيرًا، وأحيانًا لمجرد أنه رآك، محبًا للخير أيما حب، يسابق إليه سبقًا شديدًا، ويبذل في ذلك ما استطاع من جهد ووقت ومال، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)، وكان يساعد كل من يستطيع".

ويضيف: "محمود كان نعم الناس لزوجته وولده.. يحبهم حبًا لا يوصف، رفيقًا بهم حليمًا، ويقبل النصيحة رجاعًا للحق متهمًا نفسه بالتقصير".


شاهد فيديو إحدى حصص الكردي في المدرسة

https://www.youtube.com/watch?v=_gA8anbYnE

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان