رئيس التحرير: عادل صبري 10:53 مساءً | الجمعة 25 مايو 2018 م | 10 رمضان 1439 هـ | الـقـاهـره 39° صافية صافية

"أنبوبة البوتاجاز".. حلم البسطاء يتحول إلى كابوس

"مصر العربية".. ترصد المعاناة

"أنبوبة البوتاجاز".. حلم البسطاء يتحول إلى كابوس

انتظار بالساعات.. ضرب.. صراخ.. وبكاء أمام المستودعات

آيات قطامش 06 نوفمبر 2013 16:42

يجلسن بالأسابيع لا يستطعن الحصول على أنبوبة البوتاجاز، من أجل طهى الطعام لأطفالهن، بعدما عجزن فى كل مرة يترددن فيها إلى مستدوع الأنابيب، فى الحصول على واحدة، إما للتزاحم الشديد أمام المستودعات، أو عدم وصول عربة الأنابيب، فالوصول لمقدمة الصفوف والحصول على أنبوبة أشبه ما يكون بالمعجزة..

 

(مشاجرات.. بكاء.. صراخ.. انتظار)؛ كلها أشياء اعتدن عليها، وهن يقفن أمام المستودعات.. معظمهن يحملن أرواحهن على أكفهن فى كل صباح، وهن فى طريقهن لمستودع الأنابيب، فالإصابات أمر طبيعى وسقوط وفيات فى هذا الزحام كثيراً ما يتكرر.

 

رغم هشاشة عظامهن، إلا أنك تجد لديهن قدرة تحمل غير طبيعية على رفع الأنابيب فوق رؤوسهن، والانتقال بها من المستودع للآخر، ربما لو حملت فتاة قاهرية تلك الأنبوبة لأخذتها وسقطت بها، ولكن هذا لا يمنع أن البعض منهن يفقدن السيطرة على حمل تلك الكتلة الحديدة، التى أصبحت تلازمها أينما تكون بعد خوار قوتها على حملها..

 

أنا هنا لا أتحدث عن معاناة لأهالى فى أطراف مصر، فالمكان ليس بمنأى عن العاصمة، بل إنه يعد أحد المراكز التابعة لمحافظة الجيزة، وهو "أوسيم"، حيث اضطرت السيدات هناك إلى استخدام "الكانون"، والوابور"، و"الجاز"، لتطهى الطعام، بعد أن تعود فى نهاية اليوم من المستودع، لترتسم علامات اليأس على وجهها بعد أن عجزت فى الحصول على أنبوبة بوتاجاز.

 

حاولت "مصر العربية" أن تقترب أكثر من معاناة هؤلاء البسطاء الذين لا صوت فى هذه الدنيا لهم سوى لله، علّ أحد يستمع لهم أو أن تجد لها صدى واستجابة..

 

من أمام مستودع غراب بشارع مجلس مدينة أوسيم، وضعت كل سيدة أنبوبتها الفارغة على الأرض، وجلست عليها فى انتظار "الفرج"، أو بمعنى أدق فى انتظار   فتح المستودع أبوابه، لتحصل على أنبوبة مليئة تساعدها فى طهى الطعام لأطفالها.

 

 

هكذا كان المشهد، هناك سيدات اصطففن أمام المستودع، البعض منهن وضع يده على خديه، والآخر أخذ يترقب بعينيه من بعيد فى "حسرة"، باب المستودع وهو يُفتح وتخرج منه الأنابيب لأشخاص وصفوهم بـ"تجار السوق السوداء"، الذين تكون لهم  أولولية الحصول على الأنابيب، ليبيعوها فى الأزمات للمواطنين بـ 35 و40 جنيهاً بدلاً من 10 جنيهات.

 

انتظار "الأنبوبة" من "النجمة"

 

وأثناء ترقب المشهد؛ حضر شخص من داخل المستودع وأخبر السيدات أن سيارة الأنابيب لن تأتى قبيل العشاء، ولكنهن لم يتحركن من مكانهن، رغم أن الساعة لا تزال الحادية عشر صباحاً، وهو ما دفعنى إلى معرفة سبب انتظارهن ليأتى الرد أنهن يحجزن لهن مكاناً فى الصفوف الأولى، وهو ما يتطلب أن يخرجن من منازلهن فى السادسة صباحاً، لأن الأعداد تتزايد مع الوقت، إلى أن تأتى سيارة الأنابيب فى المساء ليكتظ المكان عن آخره ولا يكون به موضع لقدم.

 

بنرة يتخللها الضيق والخنقة؛ بدأت الحاجة "فتحية"، صاحبة الـ 55 عاماً حديثها قائلة: "مش لاقيين أنابيب خالص، أضطر إنى أشعل النار بالـ"جلة"، وعينينا عميت"،  ومن المفترض أنى أستلم الأنبوبة من مستودع برطس، ولكنى لم أتمكن من ذلك منذ ثلاثة أيام، وهو ما اضطرنى إلى التوجه إلى المستودعات البعيدة علنى أجد بها ما أبحث عنه.

 

وتضيف على مدار 3 أيام، وأنا أستيقظ فى الساعة السادسة صباحاً أنتظر أمام المستودع، ولكنى أعود فى نهاية اليوم دون جدوى، ففى كل مرة أتوجه فيها يكون الرد: "المستودع قافل.. مفيش النهارده"، حتى المستودع الذى نتبعه يبعد عنا كثيراً.

 

والتقطت "أم فريد"، 37 سنة أطراف الحديث قائلة: "حضرت من الساعة الرابعة فجراً حتى الساعة الـثامنة أمام مستودع "برطس"، ولم أتمكن من تغيير الأنبوبة نظراً للزحام الشديد والتشابك بالأيدى، فضلاً عن الإهانات والألفاظ البذيئة التى تُقال، "بهدلة بمعنى الكلمة"، وهو ما جعلنى أبحث عنها فى مستودعات أخرى".

 

وتتابع: "إذا كانت الأنبوبة ثمنها 6 جنيهات، فالتجار يأخذوها ليبيعوها بـ35 و40 جنيهاً، وهذا لا يرضى ربنا، والحصول على "الأنبوبة" يعتمد على كل "واحدة وشطارتها"، فالرحمة والإنسانية غابت، ورغم إن مستودع برطس بجوار منزلى، إلا إنى أضطر  إلى التوجه لشمبارى أو أوسيم، رغم أنهما ليسا أفضل حالاً ولكن "ما باليد حيلة".

 

 

15 يومًا "كعب داير"

 

واستكملت حديثها: "على مدار 15 يوماً لم أتمكن من تغيير الأنبوبة، ابنى لف كعب داير على المستودعات، حتى يتمكن من تغيير الأنبوبة، ولكنه لم يستطع وعاد بخفى حنين، وأضطر فى هذه الحالة إلى أن أستخدم الكانون أو الوابور أو الطباخة، التى تعمل بالجاز مع العلم أن متر الجاز بـ3 جنيهات، وهو ما يكفى لمدة نصف ساعة فقط، ولكى أشترى من 3 لـ4 متر جاز أحتاج على الأقل 10 جنيهات لكى أطهى وجبة لأسرتى".

 

تركت "أم فريد" تضرب أخماساً فى أسداس، هل تنتظر أمام هذا المستودع المغلق حتى العشاء أن تعود لمستودعها ببرطس، وتغامر وسط الضرب والإهانات هناك، وإذ بها تفكر، عرضت عليها سيدة أنبوبة بـ 40 جنيهاً، وظلت تعد الجنيهات التى كانت فى جيبها، ولكنها لم تكن كافية لشراء "الأنبوبة" من تجار السوق السوداء حتى تنجو بحياتها.

 

 

ولم يرحم الزمن حتى السيدة العجوزة صاحبة الـ65 عاماً، والتى حفرت التجاعيد مكاناً فى وجهها، فتقول بمجرد وصول السيارة المليئة بالأنابيب من الشركة يتزاحم عليها الأهالى، ولا أتمكن من الحصول على "الأنبوبة".

 

وتقول: أيام "محمد مرسى لم تكن هناك أزمة، حيث كانت تصل لنا إلى باب البيت فى الفجر، كذلك أيضاً بالنسبة للعيش".

 

العجيب أن محيط مستودع غراب الكائن أمام مجلس مدينة أوسيم والمواجهة لإدارة التموين، معروفة بانتشار تجار السوق السوداء لأنابيب البوتجاز، الذين يمارسون تجارتهم على مرأى ومسمع من الجميع.

 

تركنا مستوع غراب فى انتظار أن يفتح أبوابه واتجهنا إلى مشهد آخر مختلف أمام مستودع أنابيب بوتاجازكو، الكائن على الطريق بين أوسيم وبرطس، حيث وقفت السيارة الكبيرة المحملة بالأنابيب، وامتدت الطوابير لأمتار عديدة للحصول على "أنبوبة"، ولكن سرعان ما تجد تلك الطوابير قد تحولت إلى كتلة بشرية واحدة، فى ظل التوزيع العشوائى للأنابيب.

 

فتقول "رابحة" 45 عاماً: جاءت 3 عربات تابعة للتجار حملوها بالأنابيب التى من المفترض أن توزع على المواطنين، وتضيف: "بقالى" 10 أيام لم أتمكن من تغيير الأنبوبة، وفى النهاية أعلم أننى سأضطر إلى شرائها من التجار بـ"الغالى"، حيث آخذها بـ45 جنيها، لأن ظهرى يؤلمنى كثيراً من الانتظار يوم كامل، دون جدوى فضلاً عن الإهانة والضرب رغم كبر سنى.

 

" مش طالبة غير أنبوبة واحدة يا ربى".. هكذا سمعت سيدة تتمتم، وأخرى تقول: "يارب خدنى عشان أرتاح".

 

سقوط الأنابيب عليها

 

ووسط صراخ وتزاحم وأنابيب تنزل وأخرى ترفع، وقفت "أم إبراهيم" والدموع تنهمر من عينيها هى وابنها الصغير، وقد وضعت أنبوبتها الفارغة فوق رأسها، تقدمت نحوها، وهنا علمت سبب بكائها، فقد سقطت عدة أنابيب عليها، وتضيف: "عايزة أغير أنبوبة من الساعة 8 مش عارفة.."، وعلى هذا المنوال منذ 3 أيام أذهب وأعود مع ابنى الصغير دون جدوى.

 

وتضيف "أم إبراهيم": أكثر من شخص مات هنا بسبب الزحام والتدافع الشديد أثناء تسلم الأنابيب.

 

لا تنتهى المعاناة عند هذا الحد، فبعد الحصول على الأنبوبة تكون هناك صعوبة فى نقلها، وهنا يأتى دور التوك توك، فتسعيرة  نقل الأنبوبة "2 جنيه"، بعيداً عن أجرة  نقل صاحب الأنبوبة.

 

 

من المستودع لـ"المستشفى"

 

ويقول " أحمد محمد" سائق توك توك: كثيراً ما أقوم بنقل العديد من المصابين الذين يسقطون أثناء محاولة حصولهم على "أنبوبة" لمستشفى أوسيم، لافتاً إلى أن هذا بالنسبة له اعتاد عليه، فضلاً عن توصيل الأنابيب وصاحبها إلى باب المنزل بعد  أن يدفع جنيهين على الأنبوبة.

 

50% عجزًا فى الشتاء

 

ويشير محمد رشاد، مسئول التموين بأوسيم، إلى أن المستودعات ليس لها مواعيد، وأنهم يبلغون المواطنين متى سيفتح، ولكن الأهالى هم من يفضلون المكوث أمامه حتى يحجزوا لهم دوراً.

 

وأوضح أن الحصة تحتاج أن تزيد إلى 50% فى الشتاء، نظراً لأن الاستهلاك يكون أعلى.

 

وأشار إلى أن كل بطاقة لها أنبوبتان فى الشهر، حيث يقوم المواطن بتسليم الأنبوبة الفارغة ويدفع 10 جنيهات، وبعد 3 أيام يأتى ليتسلم أنبوبة "مليئة".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان