رئيس التحرير: عادل صبري 07:58 مساءً | الأحد 23 سبتمبر 2018 م | 12 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

الرنجة الملوثة بها سم قاتل.. تسبب الفشل الكلوي وتليف الكبد

الرنجة الملوثة بها سم قاتل.. تسبب الفشل الكلوي وتليف الكبد

أحمد المحرق 02 مايو 2016 16:19

يوم جديد أشرقت فيه الشمس، تتخلل أشعتها الفضية بين أنسجة السماء وتنعكس على الماء والهواء والشجر ليحتفل الجميع بعيد الربيع، وسط الحشائش الخضراء يتقاسمون البهجة، الجميع فى حالة مرح.

 

إلا أنه كل عام تحذر وزارة الصحة المواطنين من الأكلة المفضلة في هذا اليوم ألا وهي الفسيخ والرنجة أو على الأقل أن يتحروا الدقة في أماكن الشراء حتى ينتهي اليوم على خير لا الذهاب إلى المستشفيات.

 

ورغم كل ذلك، دائما ما نسمع عن حالات إعياء وغيرها ما يصل إلى التسمم، فهل الرنجة بها سم قاتل؟ كل هذا دفعنا في "مصر العربية" إلى كشف اللغز الذى احتار فيه عدد ليس بقليل من المصريين، كيف تتم عملية تصنيع الرنجة، ومخاطرها.. هذه الأسئلة لن يجيب عليها سوى مغامرة صحفية قام بها المحرر في أحد المصانع.

 

دقات الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا، ذهب المحرر إلى إحدى المحافظات بالوجه البحري في أحد مراكزها الصناعية الكبيرة، سأل على مكان المصنع فوصفه له أحد المارة، وبعد نحو 20 دقيقة كان أمام المبنى.

 

يقول المحرر: قابلنى عم "عرفة"، ريس العمال، وسألني عن خبرتي في هذا المجال، وعندما أدرك أنني أريد أن أعمل ولكني لا أملك الخبرة الكافية، فوافق وأعطانى حذاءً واقيا طويل الرقبة يسمى "كذلوك" وقفازًا (جاونتى) بلاستيك، وقال إنت هتشتغل فى التمليح شد حيلك الموسم قرب.

 

المبنى مكون من ثلاثة طوابق: الطابق الأول يطلق عليه عنبر التمليح، والطابق الثالث عنبر التدخين، أما الطابق الثانى فهو مخصص للتعبئة.

 

عنبر التمليح

الأسماك المجمدة مبعثرة على أرضية الصالة، والرائحة مقززة للغاية، وأكياس البلاستيك الفارغة ملطخة بالدم مع ظهور عدد كبير من أعقاب السجائر.. كل هذا على أرضية الصالة التى من المفترض أنها صالة التمليح.

 

ويضيف المحرر: "كنا نقوم بوضع السمك المجمد بعد تفريغه من الأكياس داخل براميل بلاستيك، ونضع كمية من الملح فوق كل طبقة من السمك ونتركها لمدة 24 ساعه ثم نقوم بوضع خرطوم الماء داخل كل برميل ليمتلئ لآخره، تطفو كمية كبير من الريم الذى يغلب علية اللون الأسود من شدة الاتساخ داخل البرميل وأيضا يدل هذا الريم الأسود على عدم جودة الملح حيث إن الملح المستخدم كان مجهول الهوية والشكائر ليس مدونًا عليها أى دلالات تدل على أن هذا الملح تابع لشركات المكس أو الملاحات البحرية، لنكتشف بعدها عن طريق الصدفة من أحد العمال أن هذا ملح يسمى ملح "السياحات" رخيص الثمن.

 

ويتابع: "بعدها يتم تفريغ كافة البراميل على الأرض ليتكون فى وسط صالة التملح هرما من السمك المملح مختلطا بكمية من القاذورات والماء اللازج العائم فى أرضية الصالة، ويعبأ السمك مرة أخرى بعد غسله من الملح ثم يدخل على المرحلة الثانية وهى مرحلة التدخين".

 

عنبر التدخين

وفى عنبر التدخين، يقوم العمال بغرس سيخ حديدى مدبب فى فم السمكة ليخرج من خياشيمها، وتستمر هذة العملية حتى يمتلئ السيخ وتترك فى الهواء الطلق لمدة 5 ساعات على الرغم من أن هذا العنبر كان لا يوجد به سقف وكان السمك معرضا للأتربة، بعدها تعلق الأسياخ المحملة بالسمك المللح على أرفف عالية داخل حجرات ضيقة تتميز بارتفاع ابوابها تسمى الفرن.

 

الفرن

ممر طويل بة عدة أبواب لا يمكنك السير فيه أو الوقوف بداخله لمدة طويلة تشعر فية باختناق وضيق تنفس ونقص كمية الأكسجين بسبب الدخان الذى يحوم فى هذا الممر.

 

أمام كل باب توجد قصعة من الصاج بها كمية من نشارة الخشب تتوسطها قطعة من الفحم تعمل على احتراق النشارة بشكل بطيئ فتخرج الدخان ولا تشتعل.

 

ويترك السمك داخل الفرن لمدة من 7 _ 10 ساعات لتتحول لون السمكة من الأبيض إلى الذهبى ثم يتم إخرجه فى الشكل النهائى فى صورة "رنجة" بعدها يتم وضع الأسياخ المحملة بالرنجة على تورلات وتترك لمدة 4 ساعات للتهوية والصلابة.

 

وعندما سألنا العامل الخاص بالفرن عن نوعية نشارة الخشب ومصدره قال إنها نشارة خشب ورش الأثاث المنزلى المجاورة للمنطقة.

 

التعبئة

بعدها يتم تفريغ الرنجة على رخامة طويلة ثم يتم تعبئتها فى صناديق خشب مدون عليها اسم المصنع, والمثير للشك أن هناك شابا عشرينيًا فى صالة التعبئة يحمل فى يدة علبة وفرشة صغيرة وأحيانا قطنة صغيرة ويغمسها فى العلبة حتى تبتل ثم يدهن بها السمك أسود اللون الذى تعرض لكمية كبيرة من الدخان جعلته يفقد بريقه.

 

وسألنه بفضول عن ماهية هذا المادة الموجودة بالعلبة، فقال إنها مادة تسمى "جملكة", وهناك آخرون يستخدمون نوعًا من أنواع السبيرتو  لتلميع الرنجة.

 

الأسواق العامة

توجهنا لعدد كبير من الأسواق العامة التى تباع فيها الرنجة من ضمن هذة الأسوق سوق إمبابة العام لمعرفة ماهية الرنجة التى تباع هناك..

 

وهناك وجدنا عددًا من البائعين يفترشون الطريق بصوانى ألومونيوم يضعون فوقها الرنجة المعرضة مباشرة للأتربة والذباب والباعوض الذى يهبط على الرائحة النفاذة للرنجة.

 

وجدنا أيضا عددًا لا حصر له من العبوات الخشبية مدونًا عليها أسماء مصانع وشركات كبيرة مثل أولاد سردينة والفردوس والأنوار والأقصى والصباح وغيرها الكثير.

 

رنجة الإعدامات

توجهنا إلى أحد بائعى الرنجة لنسأله عن مورد المنتج الذى يبيعه بحجة أننى تاجر وأريد كمية كبيرة من الرنجة لأقوم ببيعها فى قريتى و"آكل فيها عيش".

 

وكانت الإجابة صادمة حينما قال إنه من الممكن أن يوفر لى 10 أطنان من الرنجة بسعر بخس جدا وهو 30 جنيهًا فى الصندوق، قائلا: "دى بقى هتأكلك دهب"، وحينما سألته عن مصدر هذه الرنجة رخيصة الثمن قال إنها رنجة الإعدامات, وهى الرنجة التى تقوم وزرارة الصحة والتموين بضبطها وتكون غير صالحة للاستخدام الآدمى فيكون مصيرها الإعدام داخل مقالب القمامة إما حرقا أو دفنا.

 

ويقوم صاحب المقلب بإعادة بيعها مرة أخرى فى السوق السوداء بأبخس الأسعار وهو على يقين تام بأن الرنجة التى حكمت عليها الدولة بالإعدام من الممكن أن تتسبب فى إعدام المئات من ابناء هذة الدولة، وهذا يحدث فى مقلب قمامة العاشر من رمضان أو 6 أكتوبر أو شبرا منت.

 

وهو الأمر الذي أكدته أم أشرف، السيدة صاحبة العقد الأربعين من العمر، والتى اشترينا منها عينة رنجة, لتحليلها لنتأكد من صحة استخدمها وصالحيتها.

 

وعلى الفور توجهنا لمركز التحاليل الدقيقة بكلية العلوم جامعة القاهرة لعمل التحليل الميكروبيولجى, والأملاح والمعادن، بكتيريا عنقودية سامة، وجاءت النتيجة الصادمة بعد أسبوع تقول إن العينة احتوت على بكتيريا عنقودية بمعدل (1.02×10*3) لكل جرام، وبكتيريا برازية بمعدل 11 لكل جرام، وخمائر بمعدل 125 لكل جرام، وكذلك أعفان بمعدل 7 لكل جرام. عناصر معدنية ثقيلة كما احتوت عينة اخرى من الرنجة على عناصر ثقيلة واملاح فكانت نسبة الحديد بمعدل 69.569 , وعنصر الكادميوم بنسبة 0.109128, والنكيل بنسبة 10.449 وعنصر الرصاص بنسبة 1.07765,ونسبة الزئبق 0.0273 تسبب الاسهال واجهاض الحوامل.

 

وبعرض نتائج التحاليل على د. أسامة فكرى، رئيس قسم التغذية الإكلينكية وأخصائى الجهاز الهضمى والكبد، أكد أن النتائج تفيد بوجود قدر عالٍ من التلوث قد يسبب على المدى القصير تسمما غذائيا ونزلات معوية وإسهالا خاصة لدى اصحاب المناعات الضعيفة ولها تأثير سلبى على الحوامل ومرضى السكر.

 

وأضاف اسامة أن الأزمة ليست في مستوى البكتيريا نظرًا لأن البكتيريا متغيرة يمكن القضاء عليها بالحرارة أو الليمون أو غيرها، إلا أن الأزمة في نواتج البكتيريا من سموم التي يمكن أن تسبب تسمما غذائيا، وعلى المستوى التراكمي يمكن أن تسبب أمراض مثل الفشل الكلوي أو تليف الكبد وصولا السرطان.

 

4 عناصر قاتلة

وعن العناصر المعدنية التى جاءت بها نتيجة تحليل العينة، قال فكرى إن احتواء العينة على عنصر الكادميوم وهو من العناصر الخطرة لأنه إذا دخل جسم الانسان ينتقل مباشرا الى الكبد من خلال الدم وهناك يتحد مع البروتينات ليكون مركبات معقدة تتراكم فى الكلى على المدى البعيد ويدمر وظائفها ويسبب خروج البروتينات الاساسية والسكريات من الجسم ثم تلف تام فى انسجة الكلى.

 

وعن عنصر النيكل الذى لوحظ ارتفاعه فى نتيجة تحليل العينة، قال فكرى إن ارتفاع معدن النيكل عن معدله الطبيعى يسبب الدوخة والإعياء الشديد وفشل الجهاز التنفسى وتشوهات الأجنة، موضحا أنه خطر جدا على أصحاب البشرات الحساسة ويسبب الهرش يستمر لمدة سبعه أيام، بعدها يظهر طفح جلدى لونه وردى.

 

وأشار أخصائى الجهاز الهضمى والكبد إلى وجود الزئبق وهو معدن يتركز دائما فى الأسماك وإذا تناوله الإنسان عن طريق الفم يسبب الشعور بالإرهاق والصداع والضعف الجنسى عند الرجال وتشوه الأجنة بعد الولادة.

 

كما دق فكرى ناقوس الخطر الذى يهدد اطفالنا بسبب ارتفاع نسبة الرصاص فى العينة حيث قال إن الرصاص خطر جدا على الاطفال ويسبب اضطرابا فى السلوك والتكلم والسمع إلى جانب النمو البطيء للطفل.

 

حماية المستهلك

بدوره، قال اللواء عاطف يعقوب، رئيس جهاز حماية المستهلك، إن الغش مستمر وأن معدومى الضمير ارتفع معدلهم فى الفترة الأخيرة وأنه يوميا يتم ضبط كميات كبيرة من الرنجة الفاسدة أو رنجة الإعدامات.

 

وأضاف لمصر العربية: "نحن بدورنا ككيان مخصص لحماية المستهلك، نقوم بعمل دوريات منتظمة بالتعاون مع وزارتى الصحة والتموين ومن يتم ضبطه مخالفا للقانون إذا كان مصنعا يتم تشميعه على الفور وإذا كان بائعا متجولا يتم تطبيق القانون عليهم".

 

وأوضح أنه تم خلال الأسبوع الماضى ضبط مصنع أحد المصانع يسمى "لؤلؤة الواحة"، وتأكدوا أنه مخالف للقانون وعلى قدر على من التلوث، كما أنه ينتج رنجة لا تصلح للاستخدام الآدمى.

 

وأضاف يعقوب أنه توجهت حملة مكبرا مؤخرا على ذلك المصنع، مؤكدا أن الحملة استهدفت أيضا مصنع رنجة عبد لحميد عبد الستار محمد علي بالمعتمدية بمركز المحلة الكبرى وتبين أن المصنع بدون ترخيص، ولا يوجد به سقف في مكان تنشير الأسماك، ووجود دورة مياه تفتح مباشرة على صالة الإنتاج، وعدم نظافة الارضيات والحوائط والاستاندات مصنعة من حديد به صدأ، ووجود طلمبة مياه كمصدر للماء غير مرخصة.

 

كما تم ضبط 150 كجم رنجة، 200 كجم ملح غير صالح للاستهلاك الآدمي، وتم إعدام 10 كجم رنجة متهالكة وبدون جلد، تم تحرير عدد 1 محضر لمخالفة قرار وزير الصحة رقم 96 لسنة 1967 ، وعدد 1 محضر لمخالفة قرار وزير الصحة رقم 97 لسنة 1967 لعدم تطبيق الاشتراطات الصحية وتشغيل عمالة بدون شهادات صحية.

 

فانتبهوا.. الرنجة بها سم قاتل.. وتيقنوا مراكز الشراء ومصدر الإنتاج..

 

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان