رئيس التحرير: عادل صبري 02:08 مساءً | الخميس 23 مارس 2017 م | 24 جمادى الثانية 1438 هـ | الـقـاهـره °

«تسويق الموت».. كيف تقنع دولة مواطنيها بالحرب في 3 كلمات؟

«تسويق الموت».. كيف تقنع دولة مواطنيها بالحرب في 3 كلمات؟
19 مارس 2017

«تسويق الموت».. كيف تقنع دولة مواطنيها بالحرب في 3 كلمات؟

أحمد متاريك

«تسويق الموت».. كيف تقنع دولة مواطنيها بالحرب في 3 كلمات؟

 

كيف تقنع إنسانًا بالموت بثلاث كلمات أو أقل؟

 

سؤال سيبدو محيرًا على أعتى عقل في العالم، ولكن في مراحل زمنية مفصلية في تاريخ البشرية وقعت الحاجة اللحوح لإجابته على عاتق رجال الإعلانات. صحيح أن أنظمة الدول تتفاوت طُرقها في تزويد جيوشها بالعدد اللازم من الجنود، بعضها تعتبره حقًا اختيارًا تتركه للمواطنين وإرادتهم، وبعضها تمارسه جبرًا على أهلها بإلزامهم بالخدمة العسكرية وإلا لعاقبتهم مقصلة القانون، على الرغم من ذلك فإنه حتى في دول التجنيد الإجباري، بلغت فنون الدعاية وابتكاراتها المختلفة أوجها في محاولة مستميتة لرفع الروح المعنوية للجنود وإقناعهم بجدوى ما يفعلونه، وهي الرسائل الإعلامية المختلفة التي تصل لذروتها في أوقات الأزمات العسكرية والحروب الضارية بالطبع.

 

كما شهد التاريخ على فظائع الحرب العالمية الثانية بين دول الحلفاء والمحور حفظ لنا عشرات "البوسترات" وطرق الدعاية التي جادت بها القريحة البشرية حول العالم تخاطب الجنود وتبشر بالأمجاد والنصر وتتوعد الأعداء بالويل والثبور، كل واحدة كانت بنت بلدها ونظامها الحاكم وأيدلوجيته، فخرجت شديدة الاختلاف في كيفية الخطاب وأسلوب العرض، وإن اتحدت في رسالتها البسيطة "الموت لكل من خالفنا".

 

قتال بالنار و"البوسترات"

الحرب أخطر من أن تُترك للعسكريين، مقولة شهيرة يعيها كل عاقل يعلم أن قتال دولتين ليس مجرد تلاقٍ لجيشين يتقاصفان بالنيران، وإنما هو تطاحن بين حضارات وثقافات وأيدلوجيات استنفدت سُبُل التلاقي فلم يعد هناك بد أمام واحدة إلا إفناء الأخرى. ولهذا ابتُكرتأساليب تهيئة الجبهة الداخلية والحفاظ على تماسكها، التي هي المدد الأول لرجال خطوط النار،فتعددت وسائل الدعاية الساعيةلنشر الحد الأدنى من الفكر المجتمعي اللازم لإحداث هذا التأثير، وهو ما تم توفيره بشكل متنوع في العصور الماضية، في حدود التكنولوجيا والطاقات العقلية التي كانت متوفرة حينها.

أمريكا واليابان

جاران لدودان اندلع بينهما قتالاً ضاريًا ظاهره "حماية الحضارة الإنسانية و"مقاومة الإمبريالية" وحقيقته مد النفوذ وابتلاع الثروات والأراضي، طبيعي أن يكون لهذا القتال مكانه في حرب "البوسترات" التي اشتعلت بين الطرفين، التي استوعبت كل عناصر الفخر والوطني والعنصرية والحض على الكراهية المطلقة باعتبار كل جانب للآخر بأنه شيكان رجيم تُنتزع عنه صفة الإنسانية.

مُلك اليابان القائم على الفخر الفخر والكراهية والتسويق لنفسه بأنه مُخلص الآسيويين من استمعار البيض، وأن عليهم جميعًا الوحدة تحت راية الإمبراطور ذي النسب الإلهي، لذا كان طبيعيًا أن تعد آلتها الإعلامية جيرانها بالرخاء الذي سينعمون به تحت رايتها، دون أن تنسى التذكير بالماضي العنصري البغيض للوجود الفرنسي في جنوب شرق آسيا، والبريطاني في هونج كونج وسنغافورة، وأمريكا في الفلبين، والفظائع التي ارتكبها جنود كل دولة بحق مواطني هذه البلاد، لذا كثر استخدام عبارات ملحمية مثل "تحرير شرق آسيا من الغزو الأبيض" و"العائلة الآسيوية" و"مجال الرخاء المشترك" وغيرها.

 

بعض الملصقات التي حفظتها الذاكرة من الضياع تظهر جنديًا يابانيًا يقف باعتداد فوق علمي أمريكا وبريطانيا، وأخرى تسخر من الرئيس روزفلت وتحيط عنقه بالجماجم وتصوره بأنه شيطان، وأخرى تهزأ من الرموز الأساسية للبلاد كإظهار تمثال الحرية بوجه متجهم يعكس خوفه من المد الياباني، مع الحرص على تقديم رمز البلاد؛ الشمس، بصورة المطهر، فتُظهر البوسترات رُعب ممثلو المستعمرين، الأمريكان والإنجليز والهولنديين، من أشعتها التي ستنهي وجودهم بالقارة الصفراء، فيما يصف بوستر آخر لندن بأنها "شخص بدين" وأمريكا "مجرم يرتدي ثياب السجن المخططة".

 

وفي إطار حرص طوكيو على إقناع سكان الدول المجاورة لها بالانضمام لها فإنها كثفت من دعايتها حول تبشيرها بأحقيتها لرفع الراية الآسيوية ، فيُظهرها أحد الملصقات بأنه رجل ياباني يمد المساعدة لأخيه مواطن جنوب شرق آسيا، بينما في الخلفية يمكن رؤية امرأة هولندية تفر من ضوء الشمس اليابانية.

كما أن هناك رسمة شهيرة تُظهر الزعيمين تشرشل روزفلت، وكلاًّ منهما يضع يده داخل جيبه في لا مبالاة، بينما هو يدوس على سكان جنوب آسيا وكأنهم عبيد.

 

وعلى الجانب الآخر، فإن أمريكا بالطبع لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الدعاية السلبية، فصنعت نظيرتها المضادة لها، والتي سارت على نفس النهج، ولكن بشكل معكوس، فتقمصت الرموز الأمريكية كرجل العم سام وتمثال الحرية ثياب الفضيلة، فيما تم الحط من شأن الشخصية اليابانية لدرجة تشبيهها بالحيوانات.

 

شخصية العم سام وهو يلوح للشباب الأمريكي أن البلاد "تريده" رغم شهرتها العارمة، لدرجة أن الروس مع دخولهم الحرب لم يجدوا أفضل منه لتقليده مع تغيير الرجل لامرأة كادحة ترتدي الأحمر، وتذكر الشباب بالضحايا الذين فقدوهم بسبب الغزو الوحشي الذي تعرضت له أراضيهم، ويناشدونهم بحق "الولاء والحب" لبلادهم بوقف هذا العدوان.

 

العم سام ليس جديدًا على الثقافة الإعلانية الحربية الأمريكية، فسبق وأن ظهرت خلال الحرب الأهلية على استحياء، ولم تغب المرأة طبعًا عن المشهد فحضرت بمشاهد عدة؛ المقاتلة التي تستعرض عضلاتها وتهمس للمشاهدين "نستطيع أن نفعلها" وأخرى تشارك في المجهود الحربي الصناعي لتعوض الفراغ الذكوري، وأخرى تستقبل زوجها الجندي العائد منتصرًا بالقبلات، وأخيرة مفزعة من خلال جندي ياباني قيل إنها تمثل وزير الحرب الإمبراطوري وهو يحمل سيدة أمريكية بيضاء عارية على ظهره وفي خلفيته نارٌ موقدة مع عبارة "هذا هو العدو"، وكأنها ضحية للسبي أو الاغتصاب، في إشارة واضحة للمصير المفزع الذي ستلاقيه المرأة الأمريكية حال فوز اليابان.

 

كما شاع تشبيه الشخصية اليابانية بالحيوانات؛ كأنها أفعى أو فأر، وفي الغالب كان يتم تصويرها على أنه قرد، يكفي وجوده بالكاريكاتير لتعرف أن المقصود به هو الفرد الياباني، فظهرت الرسومات التي تهزأ منهم وتصورهم على أنهم مجرد قرود تتدلى من فوق أغصان شجرة، كما تظهر رسمة أخرى مجموعة من العلماء الأمريكان حول قرد، وهم يحملون لافتة "مشكلة دولية: ماذا يدور في عقل الياباني"، كما لو أنه حيوان تجارب يخضع لتجربة ما، بخلاف العديد من ملصقات الدعاية التي تظهر الجندي الياباني كأنه أقل فكريًا وإنسانيًا من نظيره الأمريكي.

 

كما أن واحدة من أشهر ملصقات الحرب حرصت على تكرار ترديد شعارات تذكر "7 ديسمبر" وهو التاريخ الذي هاجم فيه اليابانيون بيرل هاربور، والتي أعادت الاعتبار طبعًا لبحريتها الجريحة فأظهرت جنودها وسفنها بمظهر القوي ذي الإمكانيات الهائلة القادرة على سحق طوكيو.

 

ألمانيا

أما ألمانيا، وبالرغم من اتباعها لنظام التجنيد الإجباري، فإن دعايتها لمخاطبة جنودها وشعبها لم تتوقف، واعتمدت بشكل كبير على إظهار الجنود بمظهر الأقوياء الذين تبدو عليهم أمارات القوة والصحة، وأنهم هم "بناة البلاد" الحقيقيون تحت راية الزعيم هتلر، الذي تظهر بعض الملصقات أحد الشباب اليافعين تحت شعار "الشبابيخدمالفوهرر"، و"بوستر" آخر من أشهر ما خلفته الحرب وهو عبارة عن صورة مكبرة للزعيم النازي وتحت عبارة "أدولف هتلر هو النصر"، ولكن تم سحب تداولها بعد الهزيمة على يد القوات الروسية في ستاليننجراد، بخلاف مئات التصاميم التي كتبت "هتلر هو المستقبل"و "الولاء لهتلر" وغيرها.

فيما تتواجد عشرات الملصقات الأخرى تصبغ قارة أوروبا بالعلم النازي وتتوعد إنجلترا بالاحتلال، وتستعرض قوة جنود أفرع الجيش المختلفة، والقوات الأمنية الخاصة مثل فرق الـ(s.s) التي كانت تتبع الزعيم بشكل مباشر، وتعتبرها النهاية الحقيقة لكل شاب مثالي يحب وطنه، فيما لم تنسَ الدعاية أن تدعو المدنيين للحرص في استهلاك كل مشتقات الحياة لأن ذلك يفيد الجنود على الجبهة، من خلال ملصق يدعو المواطنين لجمع أكبر قدر ممكن من المواد القديمة، والتبرع بها لصالح المجهود الحربي، ولم ينسَ النازيون أبدًا عداوتهم لليهود فطرحوا عددًا من البوسترات التي تصورهم برجل بدين يرتدي السواد ولا يكف عن التآمر عليهم، و

تصفهم بأنهم "دون الإنسانية" وهم السبب في اندلاع الحرب، بتلاعبهم بدول الحلفاء؛ إنجلترا وأمريكا وروسيا.

 

إنجلترا

لم يكن أمام إنجلترا أسهل من استحضار ماضيها العسكري التليد لإثارة حماس جنودها، ففي أحد الملصقات تؤكد لهم إنهم "هزموا الألمان مرة، وقادرون على فعلها مجددًا"، وآخر يسوق دعوته لـ"الدفاع عن الحرية" باستحضار أشهر معارك التاج البريطاني، مذكرًا بانتصارات السير فرانسيس دريك في أرمادا الإسبانية عام 1588، والأدميرال روبرت بليك في معركة بورتلاند 1653، و اللورد هوراشيو نيلسون في مالطا عام 1800، في محاولة لتذكير الجنود أنهم على عتبة نصر مقبل في الأربعينيات.

بعض الدعايا تشير إلى قدرة الحلف الإنجليزي الروسي على سحق هتلر وإجباره على الاستسلام، وأخرى تدعم حاكم موسكو وتعد بمؤازرته في اشتباكاته مع برلين وتعلنها صريحة "ستالين يجب أن يستمر". منشور صريح يدعو المواطنين لعدم الاكتراث بمخلفاتهم وللحفاظ عليها فالعظام تُصنع منها أجزاءً من هياكل الطائرات، ومخلفات المعادن تصنع منها الدبابات، بينما يمكن تصنيع معاطف القتال من بقايا الأوراق. آخر يستعرض مجموعة جنود بريطانيين متبايني الملامح والألوان يؤكد أن إنجلترا متعددة الأعراق قادرة على الفوز، في إشارة واضحة لعنصرية عدوتها ألمانيا وتعصبها لأفضلية الجنس الآري. ملصق آخر يسخر من هتلر وهو يحدق في رجلين من البحرية الملكية وهو يقول لرفيقه "حتى نتمكن من تفريق هؤلاء سنكون قد غرقنا"، حتى أن منشور فكاهي يُظهر صاروخًا ألمانيًا أصابه الرعب فور معرفته أنه تم إطلاقه فوق الأراضي البريطانية، بينما نالت المرأة مكانةً شأنها شأن باقي الدول في دور العاملة التي تعوض غياب الرجال في القتال بإدارة عجلة الإنتاج.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    التعديلات الدستورية التركية

    أسامة غريب

    التعديلات الدستورية التركية

    أين قانون الهيئة الوطنية للانتخابات؟

    خالد داود

    أين قانون الهيئة الوطنية للانتخابات؟

    التحذير من المسئولية والحرص من الفطنة

    أمين إسكندر

    التحذير من المسئولية والحرص من الفطنة

     متى تسقط العبودية؟

    وليد بدران

     متى تسقط العبودية؟

    ذمة التاريخ في خطر

    محمد نوار

    ذمة التاريخ في خطر

    حيوات بريئة لا بواكي لها

    خديجة جعفر

    حيوات بريئة لا بواكي لها

    دعاء عادل.. رائدة أعمال تكافح الغلاء

    محمد جمال

    دعاء عادل.. رائدة أعمال تكافح الغلاء

    القتال الكردي في جبل سنجار

    رجائي فايد

    القتال الكردي في جبل سنجار

    الأوراق الفيدرالية والإصلاحات السعودية.. عنصر العقل (1)

    ثابت عيد

    الأوراق الفيدرالية والإصلاحات السعودية.. عنصر العقل (1)

    صحافة سكسكة .. الراقصة والطبال !

    محمد على إبراهيم

    صحافة "سكسكة" .. الراقصة والطبال !