رئيس التحرير: عادل صبري 08:44 مساءً | الثلاثاء 22 يناير 2019 م | 15 جمادى الأولى 1440 هـ | الـقـاهـره 14° غائم جزئياً غائم جزئياً

ما لا يعرفه توم هانكس عن فيلم اشتباك !

ما لا يعرفه توم هانكس عن فيلم اشتباك !
30 يوليو 2016

ما لا يعرفه توم هانكس عن فيلم اشتباك !

أحمد مدحت

ما لا يعرفه توم هانكس عن فيلم اشتباك !

الكذب مقزز، والاعتقاد أنك أكثر ذكاء من الآخرين يثير الاشمئزاز في نفسي، أكثر من أي شيء آخر.. لذلك، أحسستُ بالتقزّز الشديد، وأنا أتابع الطريقة التي اتّبعها "محمد دياب"؛ للتسويق لفيلمه الجديد "اشتباك"، الذي أخرجه، وشارك في كتابته بصحبة أخيه "خالد دياب"، بعد أن أُعلن عن طرحه من خلال السينمات في مصر، وذلك بعدما تابعنا ما ناله الفيلم من استحسان نقدي عالمي، خلال مشاركته في مهرجان "كان" السينمائي.


البداية كانت مع الدعاية المتسوِّلة للتعاطف، حيث كان الكذب حاضرًا، من خلال ما كتبه "محمد دياب" على حسابه الشخصي، والحديث عن تعرُّض الفيلم للمحاربة والتضييق، ودعوة الناس لدخول الفيلم في دور العرض بكثافة؛ دفاعًا عن فيلم يُمثِّل الثورة، وهذا ما أثبت الواقع كذبه! كذبتان رئيسيتان في الواقع: كذبة الاضطهاد، وكذبة أن الفيلم يُمثِّل الثورة.


الفيلم مطروح في دور العرض بشكل عادي، وبوستراته موجودة كأي فيلم آخر.. بالإضافة لمجسَّم "عربة الترحيلات"، الموجود في بعض سينمات المولات الكبرى؛ كي يلتقط الجمهور الصور بصحبته؛ كجزء من معايشتهم لتجربة التواجد في سيارة الترحيلات! هذه الحيلة الدعائية الرخيصة التي هوجم بسببها "محمد دياب"، بعدما نشر صورته داخل هذا المجسم، وهو يبتسم بشدة! يبتسم داخل مجسَّم لشيء يحمل ذكرى مقتل 37 إنسانًا؛ اختناقًا واحتراقًا؛ بعدما تركوهم لنار الشمس تشويهم كالدجاج، وخنقوهم بالغاز السام، داخل صندوق عربة الترحيلات، منذ ثلاث سنوات.. واعتذر عنها، لكن ظلّ المجسَّم موجودًا في دور العرض التي تم الإعلان عن وجوده فيها.

أول أمس، وقبل بداية الفيلم، كانت قاعة السينما شبه ممتلئة.. أخذتُ أتأمل عدد الحضور الكبير نسبيًا، والذي كان مفاجئًا لي، لكن لحظتها تذكرتُ صديقًا يعمل في مجال التسويق، قال لي: "في شغلتنا، مفيش أخلاق، مفيش صح وغلط.. المهم إن المنتَج بتاعك اسمه يبقى موجود، موجود حتى لو بيتشتم! المهم إنه يتردد قدامك – كمستهلِك - كتير، تشوفه كتير، يلزق في دماغك، وفي لحظتها بس هتلاقي نفسك بتشتريه، حتى لو من باب الفضول، حتى لو كارهه".

وبالفعل، دخلتُ الفيلم من باب الفضول، وأظن أن الكثيرين غيري فعلوا وسيفعلون المثل.. نجح صُنّاع الفيلم في تسويقه، لكنهم أخفقوا في امتحان الصدق مع النفس والجمهور.

هذا عن الكذبة الأولى؛ كذبة تسوُّل دعم الناس للفيلم؛ بحجة أنه يُحارَب من الدولة.. والتي أثبت الواقع أنها بلا مضمون حقيقي.. أما الكذبة الثانية، كذبة أن الفيلم يُمثِّل الثورة، فهي مرتبطة بسؤال يتعلق بالكذبة الأولى: لماذا يُحارَب الفيلم من الأساس؟!

يبدأ تتر الفيلم الرئيسي بجملة: "بعد ثورة 30 يونيو قام الإخوان باشتباكات دامية لإيقاف الانتقال السلمى للسلطة".. خرج "محمد دياب" وأعلن أن الرقابة هي من أضافت هذه الجملة، وأنه يرفض هذا.. جميل، لكن هل مجرد الرفض وحده يكفي، كموقف لمخرج عمل فني، فكرته تدعو للتعايش بين فئات مجتمع متطاحن، وتتصدر فيلمه جملة تدين طرفًا على حساب طرف آخر، وتفرض على المشاهد وجهة نظر محددة بعينها لرؤية ما حدث ويحدث؟!

أتفهم لماذا أشاد النجم العالمي "توم هانكس" بالفيلم.. "توم" لم يتابع كيف سوَّق "دياب" فيلمه من خلال ربطه بالثورة، وادعائه أن الجميع يحاربه.. "توم" شاهد الفيلم بعين السينما وفقط، والفيلم جيد الصُنع حقًا، كادرات إخراجية متميزة، وتصوير رائع، وتصميم مُتقن ووواقعي للمعارك بين المتظاهرين والشرطة، كل ممثل يعرف حدود دوره، ويؤديه بتمكُّن، من خلال سيناريو كُتب بعناية وحرفية عالية، رغم قلة الحوار فيه، ومحدودية المكان الذي تجري فيه أحداث الفيلم، وهو "عربة ترحيلات" لا أكثر.. وبالرغم من كل هذا، لم يقع الفيلم في فخ "الإملال"، إلا خلال آخر ربع ساعة منه، وهذا في حد ذاته نجاح.. نجح الفيلم في تقديم الجانب الإنساني في كل طرف، الإخواني والجهادي والسيساوي والثوري والمواطن اللامنتمي لأحد، حتى أفراد الشرطة.. لهذا نال الفيلم إعجاب "توم هانكس"، وإشادة النُقاد العالميين.

لكن "توم" لا يعرف أن الفيلم كَذبَ ودلّس في تصويره لتفاصيل مصادمات الأمن والمتظاهرين؛ فالشرطة لا تكتفي برش المياة وإطلاق قنابل الغاز في الهواء.. بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013، كانت المظاهرات تُفض بالرصاص الحي، والخرطوش، وقنابل الغاز لا تُطلق في الهواء، بل تُطلق في مستوى أفقي.. "توم هانكس" لا يعرف أن الشرطة في مصر لا تحترم امرأة أو طفلًا، كما ظهر خلال الفيلم.. الشرطة المصرية تتحرش بالنساء، وتنتهك أعراضهن، وتُلفِّق للأطفال قضايا تتعلق بإسقاط الدولة، وكل هذا مُوثّق في أكثر من واقعة.. كل هذه التفاصيل والمواقف شديدة الإنسانية التي تحتشد في الفيلم من خلال رجال الشرطة، هل هي موجودة حقًا في الواقع؟! لو كان الواقع هكذا، لما جرى ما يجري من انتهاكات يومية.. هل صنع "دياب" فيلمًا من الواقع، أم ما يتمناه في أحلامه؟ أم صنع ما يُسمح بتمريره وعرضه، ولا يُعرِّض صانعيه للمحاربة الحقيقية؟

اشتباك فيلم مُتقن من حيث الصنعة، هذا أمر مفروغ منه على ما أظن.. ومن حيث أمانته في نقل الواقع، لم يتعدّ الحدود بأي شكل؛ يجعل من محاربته هدفًا للدولة المصرية.. كلنا يعرف أنهم لو أرادوا منعه؛ لمنعوه؛ فهؤلاء القوم أثبتوا لنا أنهم لا يخشون أحدًا ولا شيئًا، ولا حتى الفضيحة الدولية، مهما عظمت.. "اشتباك" يلعب في ذات المساحة التي لعبت فيها أعمال فنية مثل: "طيور الظلام" و"الإرهاب والكباب" و"ماما أمريكا" و"عسل أسود".. مساحة الفن الذي ينقد الواقع، في حدود.. يقول جزءًا من الحقيقة، وليس كلها.. يلعب في مساحة الممكن، ولا يرغب في التصادم مع مَن يدفع مَن يتصادم معهم ثمنًا فادحًا.. وهذا ما لا يمكن تصنيفه على أساس كونه "فيلم ثوري" تسعى السُلطة لمحاربته، كما سوّق "دياب" لفيلمه.

لو قدّموه لنا على أنه "فيلم سينمائي" فقط؛ لنقدناه بما يحتمله الفن.. ولربما أحببناه ودعمناه، مثل السيد "توم هانكس" وأكثر.. لكن فكرة منح الجمهور فرصة التقاط الصور ضاحكين، داخل مجسم لعربية الترحيلات، التي تحمل أصدقاء لي أسبوعيًا، سُجنوا ظلمًا كآلاف غيرهم، في ذهابهم وإيابهم من المحاكم إلى المعتقلات، تترك غصة في حلقي، وإحساسًا بالتقزز.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية