رئيس التحرير: عادل صبري 02:23 مساءً | السبت 18 نوفمبر 2017 م | 28 صفر 1439 هـ | الـقـاهـره 28° غائم جزئياً غائم جزئياً

إن طلع العيب من "مفيد فوزي"

إن طلع العيب من
07 نوفمبر 2017

إن طلع العيب من "مفيد فوزي"

محمد مصطفى موسى

إن طلع العيب من "مفيد فوزي"

 

إذا قابلت الرئيس السيسي سأسأله سؤالًا بعيدًا عن السياسة: متى ينام؟

 

هكذا تحدّث الصحفي المخضرم مفيد فوزي، بصوت أخذ يمعن فيه ترقيقًا وترخيمًا، فإذا به يزداد خشونة، ليغدو على حد هجاء شاعرنا، ابن الرومي في مطربة: "كأن في حلقها شعيرًا يُجش".

 

عبارة قالها، حين حلَّ ضيفًا على برنامج صاحبه ونظيره، أحمد موسى، مؤخرًا، وهو يضغط كعادته على مخارج الحروف، وعلى وجهه ترتسم قسمات الجدية الصارمة، في مشهد درامي مفتعل، يعوزه حقًا أن يكون في الخلفية عازف كمنجة، يلعب لحنًا رومانسيًا، بما يتفق مع ما تعيشه البلاد من فيلم عاطفي "بائخ"، مازال مستمرًا ثقيلًا رتيبًا، منذ عبارة: "أنتم نور عيوننا".

 

أبشروا يا شعب مصر، هذا هو السؤال المهم، الذي سيلقيه العجوز، ذو الخبرة الصحفية العريضة الواسعة، والذي دأب على أن يستهل مقابلاته بعبارة: "تسمح لي أن أحرجك.. وأنا لست مذيعًا، ولكنني محاور".

 

سؤال عميق حقًا، ذو تأثير رهيب خطير على حاضر الوطن ومستقبله، وربما يجب أن يتبعه سؤال للاطمئنان على أن فخامة جنابه يحتسي كوبًا من الحليب الساخن، قبل أن يخلد إلى النوم، وأيضًا إذا كان يتدثر ببطانية ثقيلة، بعدئذٍ، حتى لا يداهمه البرد، أو يصاب بالإنفلونزا، فقلب مفيد فوزي تجاه الرئيس حنون كقلب الأم!

 

لن يسأل عن آثار تعويم أو بالأحرى "تغريق الجنيه" الكارثية على الكادحين في الأرض، ولا عن ملف الحريات الذي يعرف القاصي والداني حجم الاعتداءات عليه في دولة الثلاثين من يونيو، ولا عن مصارف الإنفاق الرسمي، ومنه تبديد أموال الشعب "الفقرا قوي" في خزعبلات، يقال إنها مشروعات استراتيجية، ولا عن الدوران أو بالأحرى "الحنجلة" في فلك السياسة الصهيونية، ولا عن ملامح برنامجه الانتخابي للفترة المقبلة، والعياذ بالله.

 

تلك أسئلة ليست ذات جدوى، فالمهم أن ينام الرئيس قرير العين، حتى يرتاح لأن صحته ليست ملكه، بل ملك الشعب، وعليه أن يحافظ عليها من أجلنا، لأنه رجل الضرورة المنقذ، وبديله مخيف، كما يقرر فوزي في اقتفاء حرفي لمسيرة ممتاز القط في مقاله "المسخرة" إلى المخلوع الحرامي: "طشة الملوخية"، والذي قال فيه، على صدر الصفحة الأولى لـ"الأخبار": إن مبارك لا يتمتع بتلك الرائحة الشهية في قصر الرئاسة، كونه يعيش على المسلوق، الذي يعتبره جموع المصريين "أكل عيانين"، لأنه ليس حرًا حتى فيما يأكل من طعام، فصحته ليست له.. من دون أن يلمح إلى أنه يمارس بصلف وجبروت، حرية ابتلاع مقدرات البلاد سحتًا لمدة ثلاثين سنة سوداء.

 

سيسأله متى ينام؟.. فقط، لا شيء أكثر.. تلك إذن، هي عصارة خبرة مفيد فوزي المهنية.. شيء أشبه بعصارة المعدة المصابة بالحموضة.

 

نعم.. يجب أن نعارض الرئيس بشراسة وقوة، لأنه "يا عيني" لا ينام جيدًا، وهذا إهمال جسيم فادح، لا يجب أن نسكت عليه، وكيف نسكت؟ إن لدينا المعارض الصلب المستقل الوطني الحر مفيد فوزي، الذي لا يخشى في الحق لومة لائم.. مَن غيره يا ناس يستطيع أن يلقي على الرئيس هذا السؤال الشرس؟

 

أن تمارس المعارضة السياسية، على طريقة مفيد فوزي، أن تضع نظارتك الطبية الصغيرة، على أنف مهول منفوش، وعلى رأسك الأقرع باروكة رخيصة، تلتمع لتواري ما تواري، فتنظر من تحت لتحت، ثم "تصرخ زي الغول وتزعق وتقول": تسمح لي أحرجك يا فندم وأسأل سيادتك هو حضرتك بتنام امتى؟

 

إذا كانت النوايا صادقة، وهذا أمر ليس ممكنًا الجزم به، فالسؤال في مضمونه دليل دامغ على أن علاقة مخ وأنف الإنسان، متى طعن في السن، علاقة عكسية، فكلما ضمر الأول، تضخَّم الثاني، كما في حالة فوزي الذي بلغ الرابعة والثمانين، فإذا بمنخاره كجبل ذي أوتاد يقف وحيدًا في صحراء جرداء.

 

ولا يكشف السؤال عن الضحالة العقلية فحسب، بل عن المنهج المهني، والموقف الأخلاقي الذي لم يتخل عنه فوزي في تاريخه الصحفي، فالرجل عاش مخلصًا للسلطة الحاكمة، متعلقًا بأهدابها، شأنه شأن الكائنات التي تحتاج وتجتاح عائلًا فتتعلق به فتسترزق من فضله، وفي أحيان على فضلاته.

 

والحقيقة، أن هذا السلوك لا غرابة فيه، و"لا أي اندهاش"، فالمأثور والمتواتر من سيرة مفيد فوزي، أنه كان ذات دورة من دورات معرض القاهرة للكتاب، يقف مع الصحفيين في نصف دائرة، لتأدية "وصلة" الحوار المفتوح مع المخلوع الحرامي، من إخراج صفوت الشريف، فأخذ هذا يسأل، وذاك يناقش الأكاذيب المنتقاة بشأن الاهتمام بمحدودي الدخل، ممن يحمل سيادته همومهم ويشعر بمتاعبهم، والخير الذي سيتدفق على البلاد من مشروع توشكى "الخالق الناطق" التفريعة الخائبة، حتى أصاب الدور مفيد فوزي، فأخذ يتشدق ويتمنطق: "تسمح لي من فضلك يا فندم، إن تكرمت وتفضلت يا سيادة الرئيس أن أسألك: أنت تقول إن القضية الفلسطينية تستحوذ على تسعين بالمائة من تفكيرك، فمتى تستحوذ مصر على القدر ذاته من تفكير حضرتك؟

 

وقتها ضحك مبارك ملء شدقيه، وقهقه حوله نخبة البهلوانات المختارين، وبعد برهة قال في عتاب المحبين: يا أستاذ مفيد، يا أستاذ مفيد.. ثم مضى إلى سيارته في حماية الحراس الشداد الغلاظ، معلنًا انتهاء المؤتمر الصحافي، فهذه اللقطة هي ذروة التصاعد الدرامي في مشهد التطبيل.

 

تلك لغة فوزي الذي يسميه الخبثاء أو "أهل الشر" مستفيد فوري، وذاك هو منهجه في المعارضة، التي يمارسها طريًا رخوًا، لين القول، لكن تلك اللغة سرعان ما تنعجن بالشرر والنار، وتكتسي بالبأس والقوة، حين يتطرق إلى حق المواطن "الدستوري بالمناسبة" في معارضة رأس النظام: معارضو السيسي حثالة، ففي معرض الدفاع عن الأسياد، يستأسد العجوز، يتناول حبوب الشجاعة، يغدو مغوارًا يغشى الوغى.. و"يسترجل".

 

وبعد.. هل يحتاج كاتب يصنف نفسه بأنه من معارضي النظام أن يرد على تلك السفالة؟

 

هل هناك ضرورة أن يتفاحش فيتدنى إلى ذاك المستوى المنحط من الحوار؟

 

هل يهجو العجوز الذي أصبح مثل ماكينة لصناعة قلة الأدب ردًا على كلامه البذيء؟

 

يقول المثل الشعبي: إن طلع العيب من أهل العيب ما يبقاش عيب، ويقول شاعرنا العربي: "لو كل كلبٍ عوى ألقمته حجرًا/ لأصبح الصخر مثقالاً بدينارِ/ كم من لئيمٍ مشى بالزور ينقله/ لا يتقي الله.. لا يخشى من العارِ".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    النيل ما جاشي

    سليمان الحكيم

    النيل "ما جاشي"

    فئران الرأسمالية

    آلاء الكسباني

    فئران الرأسمالية

    هبة مصر للعدو الصهيوني

    محمد مصطفى موسى

    هبة مصر للعدو الصهيوني

    التمرّد على تحالف (العائلة - المذهب) في السعودية

    مدحت نافع

    التمرّد على تحالف (العائلة - المذهب) في السعودية

    عملية خطف لبنان إلى أين؟

    محمد حماد

    عملية خطف لبنان إلى أين؟

    ابني علي.. we need to talk

    أحمد متاريك

    ابني "علي".. we need to talk

    منتدى شباب العالم.. التسويق قبل السلعة

    تامر أبو عرب

    منتدى شباب العالم.. التسويق قبل السلعة

    مشاهد من البيئة الاستثمارية

    ممدوح الولي

    مشاهد من البيئة الاستثمارية

    قصة آمون وحتحور

    مها عمر

    قصة آمون وحتحور

    نيابة عن !

    علاء عريبى

    نيابة عن !