رئيس التحرير: عادل صبري 04:31 صباحاً | الأربعاء 26 يوليو 2017 م | 02 ذو القعدة 1438 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

خرفان أردوغان

خرفان أردوغان
18 أبريل 2017

خرفان أردوغان

محمد مصطفى موسى

 

دعك من الجدل البيزنطي عن جدوى التعديلات الدستورية في تركيا، ولا تقف طويلًا أمام ما يشاع زورًا أنها مكتسبات سيحصدها الشعب، جراء التصويت بنعم، على تحويل نظام الحكم إلى رئاسي، ولا يخدعنك ضوضاء جوقة التطبيل، وثغاء "خرفان" التأييد، بأن إلغاء المحاكمات العسكرية سيرسخ الديمقراطية، فوقف تلك المحاكمات القميئة وسيئة السمعة، لن يجدي نفعًا مادامت الصلاحيات في يد رجل واحد، بوسعه أن يقهر معارضيه، "بالدستور"، وبوسعه أن يتدخل في تعيين أعضاء المجلس الأعلى للقضاء، ما يعني ببساطة إقامة سرادق عزاء لاستقلال تلك السلطة التي يؤدي خللها إلى فساد الدولة.

 

الثابت أن التعديلات تصنع ديكتاتورًا، وتجعل من الرئيس رجب إردوغان، الخافض الرافع المعز المذل الوهاب المانع معًا، وتضع في يمينه ذهب المعز، وفي يساره سيفه، وتُجيّره حاكمًا بأمره، منهاجه: العصا لمن عصى... والكلام عن الثقة في شخص إردوغان ووطنيته، كالكلام عن الثقة في السيسي ووطنيته.

 

حقًا، إن التبرير لا دين له، ولا ضمير، وأيضًا لا بوصلة أخلاقية، وإذا كان هؤلاء وأولئك يتقولون بأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، فإن أقوالهم محض "مُخرجات حناجر"، لا أصل لها في الوجدان، ولا جذر في اليقين.

 

معارضة الديكتاتورية في تركيا، تنبثق بالضرورة من مبدأ أخلاقي، وتنطلق من خوف على مآل مصر أيضًا.

 

يقول الفيلسوف الفرنسي "إيتان دي لابواتيه" في كتيبه البديع، "العبودية المختارة": "ليس أخطر من منح حاكم صلاحيات مطلقة، لأنه حتى لو أراد الإحسان، فقد ينزلق لسبب أو لآخر، إلى مواطن الزلل، وربما يتوحش فيتغول على الجميع، مستغلًا سلطاته".

 

في التاريخ رأينا ديكتاتوريين حققوا منجزات تنموية، لكنها سرعان ما انقشعت، فالديكتاتورية تمجُّ كل إنجاز، وتمحق كل نجاح، ولا تثمر أرضها إلا عن الأشواك والحنظل.

 

إذا كانت الذريعة أن إردوغان نهض باقتصاد بلاده، فإن هتلر أيضًا نهض بألمانيا صناعيًا وزراعيًا، حتى دحرجتها ديكتاتوريته إلى الهزيمة النكراء في الحرب العالمية الثانية، بل إن عبدالناصر أيضًا نجح في ملفي التصنيع والزراعة إلى حد كبير، لكن خلفه السادات شطب منجزه، حين دشن انفتاح الـ"سداح مداح"، كما وصفه الراحل الكبير أحمد بهاء الدين... وهكذا مسخ الديكتاتور اللاحق إنجازات الديكتاتور السابق، ففي نظام سياسي لا يحتكم إلى المؤسساتية، ليس أيسر من الفساد والإفساد.

 

في رواية "شيء من الخوف"، كان عتريس طفلًا وادعًا، يحب طيور الحمام، ويضمها بحنان إلى صدره، لكن الظروف الاجتماعية صنعت منه مصاص دماء، بعدما أفسده "الأهل والعشيرة"، ممن استقوى بهم فأصبح وبالًا على البلاد والعباد.

 

***

واللافت أن جعجعة مؤيدي الاستفتاء، في نتيجته النهائية، يدفعون بأباطيل لتبرير دعمهم لولادة الديكتاتورية العثمانية، ليس أولها أن الشعب التركي اتخذ قراره بمحض إرادته، وفي ذلك إغماض للعينين عن حقائق رصدها العالم بأسره.

 

فالاستفتاء لم يجرِ في أجواء ديمقراطية حقيقية، ذلك أن حرية الصحافة في تركيا تشهد تراجعًا مخجلًا، وحتى أن تقرير منظمة العفو الدولية عن العام الماضي، يكشف عن حبس نحو مائة وعشرين صحفيًا احتياطيًا، وإغلاق أكثر من مائة وثمانين مؤسسة صحفية تعسفيًا، تحت وطأة حالة الطوارئ التي فُرضت بعد الانقلاب الفاشل.

 

ليس هذا فحسب، بل إن القانون التركي "بغض النظر عن الانقلاب" يضم موادًا قمعية إزاء الصحافة، ومن نصوصه أن حق التعبير عن الرأي والفكر مضمون ومكفول لكافة المواطنين، و"لكن" من دون أن يمس الأمن القومي وشخصيات الدولة المرموقة مثل رئيس الجمهورية.

 

هكذا تنفي تلك الـ"لكن" ما قبلها، ذلك أن تعريفًا يُتفق عليه للأمن القومي ليس متاحًا، فالحالة في واقعها هي "الخالق الناطق" للحالة المصرية، غير أنه بما إنه "إردوغان" فهي قمة الديمقراطية، إما إذا كان السيسي فتلك الديكتاتورية في أقبح تجلياتها.

 

والمؤكد أنه ليس ممكنًا أن يجرى استفتاء نزيه في أجواء غير نزيهة، والتزوير لا يقتصر على "تسويد البطاقات" وإنما على تزوير الوعي، واحتكار الفضاء الإعلامي كليةً، كما أن الدفع بأن هذه إجراءات ضرورية لمواجهة انقلاب يبدو ملتبسًا وغامضًا، وربما أكرر "ربما" تمثيلية مفتعلة، يضع ورقة توت على سوءات الإجراءات القمعية المماثلة في مصر أيضًا، بذريعة محاربة الإرهاب.

 

إن تحليل مضمون الصحافة التركية، قبل الاستفتاء يكشف عن دأب ممنهج، على ترويج الأباطيل بأن تمرير التعديلات سيجعل "تركيا قد الدنيا"، وتلك أكذوبة فاحشة، ولعل ما يُرفض هنا، يجب أن يكون مرفوضًا هناك، وليس يكيل بمكيالين إلا مزور آثم القلب.

 

ويثغو الذين كانوا يصرخون بالأمس، لمطالبة الرئيس المعزول مرسي بأن "يفرم معارضيه"، ويهتفون "اغضب يا حليم"، بأن الشعب التركي واعٍ مستنير، ليس كالشعب المصري، الذي ينفصلون عنه كليًا، منذ صنفوه في خانة "لاعقي البيادة"، متجاهلين حماقات جماعتهم وخيبتها الثقيلة، وخطابها الإقصائي الذي حدا بالناس إلى الارتماء في حضن العسكر.

 

ويبدو تهافت هذا الزعم فاحشًا مفضوحًا بالنظر إلى مؤشرات مهمة، منها أن الذين صوتوا بنعم في تركيا، ينتمون في غالبيتهم إلى القرى والمناطق الأقل تعليمًا والأشد فقرًا، في حين رفضت الأكثرية في المدن الكبرى وعلى رأسها "أنقرة واسطنبول وأنطاكيا" التعديلات، فالمتعارف عليه أن الدعاية والإعلام التعبوي يجد بيئة خصبة مع الفقر والجهل، كما يستجيب البسطاء أكثر للخطاب الشعبوي والديني، وهو خطاب دأب حزب العدالة والتنمية على إشاعته، لاستمالة الناس إلى "نعم" التي قيل "إنها تزيد النعم"، أو "نعم الثانية" التي قيل في مديحها: "وقالت الصناديق للدين نعم".

 

***

وثمة ملاحظة مؤلمة حقًا، فوق ما سبق كله، فمؤيدو تصنيع الديكتاتور التركي، من الأهل والعشيرة، يتشدقون جماعيًا بأن الأحرى بمعارضيه أن ينظروا إلى الكارثة المصرية، وفي ذلك تدليس صراح، وكذب بيّن، فكاتب هذه السطور، يحسب نفسه واحدًا من معارضي الديكتاتورية في مصر، كما أن تركيا ليست صفرًا في إقليمها العربي والإسلامي، فإذا خطت خطوة نحو الأمام، لابد أن يتأثر بها الإقليم بأسره، وإذا رجعت إلى الوراء، فإن التردي سيكون ذا تداعيات على الشعوب التي تكافح في وجه الفاشية والديكتاتورية.

 

إذا كانت الذريعة أن إردوغان نهض باقتصاد بلاده، فإن هتلر أيضًا نهض بألمانيا صناعيًا وزراعيًا، حتى دحرجتها ديكتاتوريته إلى الهزيمة النكراء في الحرب العالمية الثانية.

 

صفوة القول إن معارضة الديكتاتورية في تركيا، تنبثق بالضرورة من مبدأ أخلاقي، وتنطلق من خوف على مآل مصر أيضًا.

 

***

على أن عبارة "شوفوا خيبتنا"، رغم ما فيها من اجتزاء مخل، وافتئات وافتراء، تبدو العبارة الوحيدة المناسبة للرد على مؤيدي المشير المدني المنتخب، فما يقال لأنصار إردوغان، يقال لهم وفيهم، فهؤلاء يؤيدون ويعارضون وفق الهوى السياسي، ويتلونون الحرباوات، فإذا كان القامع من فصيلهم صار تأييده فضيلة، وإذا كان من معارضيهم صارت معارضته فرض عين لا فرض كفاية.

 

إن وصف "الخرفان"، وصف مستحق وجدير بالفصيلين، كلاهما يستلقي على ضفة القمع، وكلاهما يؤيد الديكتاتورية، متى كانت لمصلحته.

 

يقول السيد المسيح: "تعرفون الحق والحق يحرركم"، ويقول سيدنا محمد، عليهما الصلاة والسلام:" لا يمنعنَّ رجلًا هيبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    للندالة وجوه أخرى

    أحمد مدحت

    للندالة وجوه أخرى

    السيقان التي هزت القومية العربية في مصر!

    آلاء الكسباني

    السيقان التي هزت القومية العربية في مصر!

    ثورة ١٩٥٢ غير المكتملة

    هاني بشر

    ثورة ١٩٥٢ غير المكتملة

    بلطجية احتلوا بيوتنا.. وخطاب لم يلقه الرئيس!

    أحمد جمال زيادة

    بلطجية احتلوا بيوتنا.. وخطاب لم يلقه الرئيس!

    أين ذهبت الأراضي التي استردتها الحكومة؟

    علاء عريبى

    أين ذهبت الأراضي التي استردتها الحكومة؟

    متى يمكن أن نرى في مصر رئيساً لا يصبغ شعره؟

    محمد حماد

    متى يمكن أن نرى في مصر رئيساً لا يصبغ شعره؟

    أسد هنا.. ونعامة هناك !

    سليمان الحكيم

    أسد هنا.. ونعامة هناك !

    لا تشغل بالك يا شيخ عكرمة

    محمد سعد عبدالحفيظ

    لا تشغل بالك يا شيخ عكرمة

    مريم والأيام الصعبة

    ممدوح الولي

    "مريم" والأيام الصعبة

    هل هناك أمن قومي عربي؟

    معصوم مرزوق

    هل هناك أمن قومي عربي؟