رئيس التحرير: عادل صبري 11:13 صباحاً | الاثنين 20 نوفمبر 2017 م | 01 ربيع الأول 1439 هـ | الـقـاهـره 28° غائم جزئياً غائم جزئياً

عن روح النصوص الدينية

عن روح النصوص الدينية
16 مارس 2015

عن روح النصوص الدينية

محمد عادل عبدالرازق

علي الرغم من أن مبدأ (من جاء بنظرية علمية فليقدم عليها دليل) يعتبر مبدأ بديهي إلا أنه ليس كذلك، و يعتبر فعلاً ثورة في الفكر الإنساني. تخيل أن أرسطو كان يزعم أن عدد أسنان المرأة أقل من عدد أسنان الرجل رغم أن هذه نظرية يسهل تماماً التأكد من صحتها أو خطئها بأن يفتح فم أول إمرأة تقابله و يعد أسنانها و يعد أسنان أول رجل يقابله ثم يقارن الرقمين ببعض، كما قال أحمد خالد توفيق. تخيل أن هناك من جرؤ علي أن يدعي أن الكون مكون من أربع عناصر أساسية (الماء، الهواء، النار، التراب) و أن إختلاف النسب بين هذه العناصر فقط هو ما يصنع مختلف المواد علي سطح الأرض، و أن هذا الذي إدعي هذه النظرية لم يكلف نفسه بأن يقدم عليها دليلاً، بالعكس، كان القدماء يعتبرون أن الطبقة العليا من المفكرين هم من يكتفون بإعمال عقولهم أما أولئك الذي يحاولون إجراء التجارب فهم الطبقة الدنيا العاجزة عن إعمال عقلها.
 

بالتالي ليست عبقرية إبن الهيثم مثلاً في أنه قدم تجارب تدلل علي قوانين إنكسار الضوء، العبقرية في أنه فكر أن يستدل من الأساس، و هي عبقرية لا تنسب لإبن الهيثم بل هو أسلوب عام شائع عند معظم العلماء المسلمين و هو العلامة الفارقة بينهم و بين من قبلهم. السؤال الهام هنا هو ما السبب في هذا الفارق الذهني بينهم و بين كل من سبقهم؟ ما السبب في هذا التفكير المختلف تماماً؟

يعرف علماء اللغة فرضية تسمي )فرضية سابير – وورف Sapir-Whorf hypothesis)، نسبة للعالمين الذين طرحا هذه الفرضية، و هي فرضية تقول أن اللغة تؤثر في أسلوب التفكير و النظرة للعالم و الحياة عموماً، بالتالي متحدث العربية يختلف فكرياً عن متحدث الفرنسية مثلاً. الإثبات البسيط لهذه الفرضية هو تجربة قام بها بعض العلماء حين طلبوا من بعض الناس أن يصفوا بعض الأشياء المألوفة (المنضدة، المفتاح، الخ). الأشخاص الذين كانت لغتهم الأم لغة يؤنث فيها المفتاح وصفوا المفتاح بصفات من نوعية (شيء دقيق، لامع، الخ). الأشخاص الذين كانت لغتهم الأم لغة يذكر فيها المفتاح وصفوه بصفات مثل (صلب، معدني، قاسي، الخ).  

التجربة الأكثر دلالة كانت تجربة علي قبيلة بدائية ليس في لغتهم كلمات للإتجاهات النسبية (أمام، خلف، يمين، يسار) لكن يستخدمون فقط الإتجاهات الأصلية الجغرافية، بالتالي فإنهم إن جلسوا علي المنضدة و أراد أحدهم أن يطلب من الأخر طبقاً يقول له (أعطني الطبق الموجود في جهة الجنوب!). في هذه التجربة أخذ العلماء مجموعة من هؤلاء الأشخاص، دخلوا بهم مبني معزول عن الشمس (بحيث لا يتمكنوا من معرفة الإتجاهات الأساسية)، و داروا بهم في دهاليز و سلالم صاعدة و هابطة، ثم سألوهم عن الإتجاهات الأصلية فعرفوها معرفة سليمة !. هناك جزء من عقلهم يعمل بإستمرار ليعرف الإتجاهات الجغرافية. كانوا يعرفون الإتجاهات قبل دخولهم المبني، و ظل عقلهم لا شعورياً يحافظ علي معرفته بالإتجاهات أثناء تحركهم في المبني (رغم أنهم لا يعرفون الغرض من التجربة مسبقاً) حتي و إن غابت الشمس عن عينهم. لقد تنمت عندهم مهارة عقلية بسبب نقص في اللغة التي يتكلمونها.

إن قبلنا فرضية (سابير – وورف) بأن اللغة تغير أسلوب التفكير، فإنا يمكن بسهولة أن نتقبل التفسير الذي جاء به البعض للنهضة العلمية للعلماء المسلمين، و هو أن روح القرآن تدفع لهذا. القرآن لا يوجد فيه نص صريح واضح يدعو المرء لإجراء التجارب لإثبات النظريات و القوانين العلمية، لكنه عند كل جدال أو خلاف يتعامل معه بأسلوب تقديم الدليل علي الرأي الذي يتبناه القرآن في القضية (قضية وجود الله، فضية النبوة، الخ). حتي و إن كان عدد من العلماء المشاهير الذين عاشوا في الدولة الإسلامية غير مسلمين (لم يعرف عن أحدهم إنكار وجود الله لكن هناك منهم من أنكر النبوة و منهم من أنكر العناية الإلهية و عدد مختلف من ثوابت الفكر الإسلامي) إلا أنهم نشئوا في مجتمع تشرب روح هذه النصوص و أدي لهذا الطابع الفكري الذي ليس له تفسير و في نفس الوقت لم ينسب لشخص واحد في الفكر الإسلامي، بعكس الغربيين الذين حين نقلوا هذا الفكر فإننا نعرف شخصيات بعينها مسئولة عن نشر و ترويج هذه الأفكارعندهم. إن كانت اللغة تغير من أسلوب التفكير فإنه من المنطقي أن يكون لنص ديني بهذا الوزن في المجتمع الإسلامي وقتها أثر في تكوين تفكير علماء المسلمين.

يمكنك أن تري أُثر أن يتحول روح النص القرآني لأساس من أساسيات التفكير حين تقارن بين أولئك الذين نهضوا و جاؤا عقلياً بما لم يأت به الأوائل، و بين مسلمي اليوم الذي يقتاتون اليوم علي كل أشكال الهراء العقلي رغم أنهم يحملون أوراقاً تفيد بأنهم متعلمون. لي صديق ملتحي يفترض مسبقاً  في أي ملتحي يراه أنه غبي إلي أن يثبت العكس، و لا أختلف معه في الرأي كثيراً. مجادلة خمس دقائق مع (رجل الشارع الإسلامي) أو سماع نصف ساعة من كلام أحد (رموز) الإسلاميين كافية لإثبات وجهة النظرهذه.   

علي الرغم من أن القرآن يدعو للإستدلال علي الأفكار و ساهم في النهضة العلمية للمسلمين، فإن أدلة القرآن علي وجود الله ليست أدلة علمية بالمعني الكامل للكلمة.

هناك صفة لابد من توافرها في النظريات العلمية هي (القابلية للنفي Falsability)، بمعني أنه يمكن أن توجد تجربة، حتي لو خيالية، لو نفذت فإنها يمكن أن تنفي هذه النظرية. قانون نيوتن للجاذبية مثلاً قابل للنفي، بمعني أنه إن أجرينا تجربة، جئنا فيها بجسمين، و لم نجد بينهم قوة تجاذب بنفس المقدار الذي يحدده قانون نيوتن فإننا نكون أثبتنا أنه قانون غير سليم. حتي اليوم لم ينجح أحدهم في أن يجد جسمين قوة التجاذب بينهم مختلفة عن ما ينص عليه قانون نيوتن، لهذا هي تجربة خيالية، لكن هذا معناه أن قانون نيوتن (قابل للنفي) و هي أحد الصفات الهامة لإعطاؤه إعتبار علمي من الأساس.

مشكلة المؤمنين بوجود الله عندما يناقشون الملحدين أن أحد أهم إستدلالات الملحدين علي عدم وجود الله هو أن وجود الله غير قابل للنفي، بمعني أنه لا توجد تجربة إن أقمتها فإنها تنفي أو تثبت وجود الله، بالتالي مناقشة وجود الله أو عدمه مناقشة غير علمية. بالطبع هذا تفكير غير مألوف في مجتمعنا الذي تربي علي (الشيخ فلان الذي أفحم الملاحدة و النصاري بكذا و كذا)، دعك بالطبع من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم إلي آخر هذه التناولات السطحية لمثل هذه القضايا.

في الحقيقة فكرة أن وجود الله غير قابل للنفي، أو بعبارة أخري ليس عليها إثبات علمي ليست فكرة جديدة، بل تقريباً جاء بها القرآن نفسه. الله سبحانه و تعالي يقول "إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ". المحك الأساسي للأمور ليس الإثبات الحاسم القاطع علمياً، بل أساس الأمور كلها الضمير، أن يكون هناك مجال مفتوح للنقاش و المجادلة بالحق و الباطل، و الله وحده أعلم بالنوايا و السرائر، و هو أعلم بمن يجادل بحثاً عن حق و من يجادل بحثاً عن إثبات ما يري فقط. من هنا تأتي القيمة الحقيقية للإيمان، و هذه هي روح الدين الأساسية: أن تبحث فعلاً عن الحق، لا عن إثبات لوجهة نظرك، أن يقدم القرآن الأدلة و البراهين، لكنه في نفس الوقت يترك مجال واسع للنية و الضمير لا يعلمه إلا الله سبحانه و تعالي. نفس الشيء ينطبق علي التأويلات و التفسيرات الفقهية، فمن يبحث عن تبرير فقهي لأي شيء مهما بدا غريباً سيجده، و في داعش خير مثال، لكن في النهاية يظل المحك الأساسي للأمور ما إن كان المرء ينتقي ما يحبه و يناسب هو نفسه أم يبحث عن الحق سواء أحبه أم كرهه، و الحق ليس دائماً محبب للنفس، و لنتذكر كلمة أبي بكر رضي الله عنه " وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم في الأخرة ، بإتباعهم الحق في الدنيا وثقل ذلك عليهم".

مثلما لا يوجد في الدين نص قاطع يدعو للإستدلال العلمي عند إجراء التجارب لكن روحه تدفع دفعاً لهذا، فإن هناك الكثير من الأشياء الأخري التي لا يوجد عليها نص قاطع لكن الدين يدفع لها. فلنتأمل مثلاً ما رواه البخاري عن أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سأل عدداً من أصحابه : "أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمر، ما كنتم فاعلين؟" فرد عليه بشير بن سعد رضي الله عنه : "لو فعلت قومناك تقويم القدح". قارن هذا بمن يعلنون اليوم أنهم يتقربون إلي الله بالثقة في قياداتهم علي كل ما بدا منهم و تسائل إن كان بلغهم ما لم يبلغ بشير بن سعد أم أن قادتهم أكثر جدارة بالثقة من عمر بن الخطاب. أنا لا أعرف نصاً قاطعاً يدعو لتقويم الحاكم بهذا اللفظ الشديد، لكني أعرف الكثير من النصوص التي ترفع من شأن عقل الإنسان و تفكيره و دفاعه عن حقوقه المادية و المعنوية، الكثير من النقاط التي تصب في قول بشير بن سعد رضي الله عنه.

أولئك الذين نظروا للقرآن و تفسيراته و تأويلاته و ما بني عليه من فقه في إطار أنه مجموعة من القواعد و القوانين التي يستغلون ثغراتها لإثبات وجهة نظرهم و عموا عن ما ينميه في المرء من أسلوب تفكير و نظرة للأمور و الحياة، هم أنفسهم الذي لم يروا من الديمقراطية إلا أنها تحكيم رأي الأغلبية، و تناسوا أن من مبادي الديمقراطية الأساسية ما عبر عنه كريس هيدجيز، الكاتب السياسي الأمريكي بقوله:

"السؤال ليس من الذي يحكم. الدولة الديمقراطية تبدأ فإفتراض أن كل من يسعون للسلطة هم من متوسطي المستوي عقلياً و غالبا فاسدون، إفتراض أن علينا دوماً أن نحمي أنفسنا من الحكومات السيئة. هذا يدفعنا بدلاً من أن نسأل (من الذي سيحكم) لأن نسأل أولاً (كيف يمكن أن ننظم المنظمات السياسية بحيث نقلل الضرر المحتمل الذي يمكن أن يسببه سياسيون فاسدون أغبياء)".

و هو في رأيي نفس المبدأ الواضح في عبارة بشير بن سعد رضي الله عنه.

 الأمر لم يتقوقف هنا، فمتدينوا اليوم بدلاً من أن يأخذوا من الدين أساليب التفكير التي يدفع لها إنتقوا منه فقط عدم القابلية للنفي و أسقطوها علي أنفسهم و تصرفاتهم – حتي و إن كانوا لا يعرفون مصطلح القابلية للنفي - فهم إن نجحوا فإنه توفيق الله لهم بسبب حسن نواياهم و بسبب أنهم الطائفة المؤمنة إلي آخر هذه الأشياء، و إن فشلوا فهو إبتلاء من الله لهم و المؤمن دائماً مبتلي، بنفس أسلوب (إن كان الحشيش حرام فنحن نحرقه و إن كان حلالاً فنحن نشربه). لا توجد وسيلة لإثبات أنهم علي خطأ و تتواري تماماً آيات من نوعية (قل هو من عند أنفسكم)، يتواري إحتمال أنهم فعلاً جديرين بالفشل و يتواري إحتمال أن هناك من يكرههم لشخصهم و ليس لما يعلنون أنه دينهم أو مبدؤهم.

و من البديهي أن يؤدي هذا في النهاية بالبعض لأن يرفض الدين بالكلية لأن المولد الدائر حالياً هو مولد إستغلال نصوص الدين كنصوص القانون الذي يفتش فيه كل شخص عن ثغرة يحقق بها مصلحته، و في وسط هذا الصخب يتواري الدين كمحرك للأفكار و المشاعر النبيلة، كشيء يهدف لجعل دنيا المرء و آخرته أفضل و أنقي، و تتواري صورة علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي كان يفهم الناس و يعرف كيف يسوقهم بالباطل إن أراد لكنه لا يقبل إلا أن يحكم بما هو حق، و تظهر علي السطح كل الصور القميئة التي نراها اليوم التي ربطت الإسلام بكل ما بغيض منفر.

من هنا تأتي أهمية أن يحاول المرء أن يركز فكره في روح النص و ما يكونه في الناس من أفكار و مشاعر و مباديء و أخلاق، إن كان يريد أن ينمي عقله و خلقه و أفكاره، ينمي ضميره و يحفظ آخرته، لا أن يعيش كمحامي يبحث في ثغرات القانون عن ما يملأ به جوفه و يرفع من مكانته الإجتماعية، مع فارق وحيد هو أنه محامي (إسلامي). 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    الثورة السعودية

    محمد مصطفى موسى

    الثورة السعودية

    نوفمبر المزعج والسياسة

    مها عمر

    نوفمبر المزعج والسياسة

    عجز مالي في 136 هيئة خدمية

    ممدوح الولي

    عجز مالي في 136 هيئة خدمية

    عن اندماج الأحزاب

    علاء عريبى

    عن اندماج الأحزاب

    النيل ما جاشي

    سليمان الحكيم

    النيل "ما جاشي"

    فئران الرأسمالية

    آلاء الكسباني

    فئران الرأسمالية

    هبة مصر للعدو الصهيوني

    محمد مصطفى موسى

    هبة مصر للعدو الصهيوني

    التمرّد على تحالف (العائلة - المذهب) في السعودية

    مدحت نافع

    التمرّد على تحالف (العائلة - المذهب) في السعودية

    عملية خطف لبنان إلى أين؟

    محمد حماد

    عملية خطف لبنان إلى أين؟

    ابني علي.. we need to talk

    أحمد متاريك

    ابني "علي".. we need to talk