رئيس التحرير: عادل صبري 01:35 صباحاً | الاثنين 24 أبريل 2017 م | 27 رجب 1438 هـ | الـقـاهـره °
جهاد الأمومة
06 مارس 2017

جهاد الأمومة

مروة رخا

 

اليوم قصصت على ابني قصة السور المخروم؛ أتى رجل بابنه عند سور خشبي وأعطاه صندوق من المسامير وشاكوش، ثم طلب منه أن يدق جميع المسامير في السور. انتهى الولد من مهمته، فأعطاه والده كماشة وطلب منه أن يخلع جميع المسامير من السور. سألت آدم في هذه اللحظة "كيف سيكون شكل السور بعد أن يخلع الولد المسامير؟" فقال "مخرم". قلت له أن هذا حال قلبي الآن؛ الاعتذار مثله مثل خلع المسمار من السور ولكن يبقى الخرم.

 

منذ سنوات عديدة، عندما كان آدم رضيعا، قالت لي أم قابلتها في حمام حديقة الأطفال أن ابنها يُصَعب عليها حبه. وقتها لم أكن مروة رخا كاتبة مقالات المونتيسوري؛ كنت مجرد أم حديثة العهد بالأمومة تغير حفاضات طفلها في الحمام. تذكرت اليوم هذه الأم وأنا أجاهد نفسي ألا أغضب على ابني. كنت أحاول بشدة ألا ألفظه مثلما أتقيأ طعام فاسد. سمعت صوت بداخلي يقول بسخرية أنه كان من الأحرى بي أن أتبنى كلب بدلا من جهاد الأمومة هذا.

 

جهاد الأمومة هو جهاد دائم ضد التمرد على شخص لا يرضى ولا يشكر ولا يحمد ولا يشبع مهما قدمت.

 

الأمومة جهاد لا يتحدث عنه أحد ولا يعترف به أحد ولا يسمح به أحد. من تتحدث عن جهاد الأمومة تتهم بالبطر على النعمة أو تتهم بخلل في غريزتها. صورة الأم السعيدة، الراضية، الخاضعة، المعطاءة، المضحية إلى أبد الآبدين تحاصر كل أم في الحياة الواقعية لتجعلها تشعر بالقصور والنقص وجلد الذات.

 

لولا الهرمونات وتأثيرها على وضوح الرؤية لكانت الأمومة بكل بساطة، منذ بدأ تكون الجنين، لكانت قصة حزينة عن كائن طفيلي ينمو داخل جسد سيدة ما ليجرده من عناصره وينخر في عظامه حتى يتضخم ويفجرها خارجا تاركا خلفه مخلفات جسد. يلتصق هذا الكائن الطفيلي بالجسد ليمتص دمه وقوته وصحته لأعوام طويلة. يستمر الجسد في خدمة الكائن الطفيلي حتى يستقل عنه.

 

جهاد الأمومة هو أن تحب هذا الكائن الطفيلي بدون أي شروط ... بدون أي توقعات ... بدون أي طلبات. جهاد الأمومة هو أن تقوض رغبتك الغريزية في الدفاع عن جسدك وعقلك وروحك ومنزلك ودخلك ومقتنياتك ضد كائن طفيلي محتل. إذا أردت أن تُسخر عبدا خادما لك، أعطه من النوم والطعام والراحة فقط ما يبقيه بالكاد على قيد الحياة. أنهكه بالأشغال الشاقة وبعد عدة أشهر سيتوقف عقله عن العمل وسيكف عن مقاومة الذل وسينسى حقوقه وسيخضع لسيده. العقل والمنطق لا يجتمعان مع جسد مرهق في حالة صراع من أجل البقاء. جهاد الأمومة هو أن تحافظ على قواك العقلية وأنت تعيش حياة هذا العبد.

 

جهاد الأمومة هو أن تحب هذا الكائن الطفيلي بدون أي شروط ... بدون أي توقعات ... بدون أي طلبات.

 

جهاد الأمومة هو جهاد دائم ضد التمرد على شخص لا يرضى ولا يشكر ولا يحمد ولا يشبع مهما قدمت ومهما فعلت ومهما أعطيت. أجاهد نفسي كل يوم ألا أتمرد على علاقة قائمة على الابتزاز والاستغلال باسم الأمومة.

 

الأن وقد تحدثت عن جهادي اليومي لأكون أم، سأعترف بأنني مثل كل أم، مصابة بمتلازمة ستوكهولم حيث يحب العبد سيده ويتعلق المختطف بخاطفه ويرتبط الجسد بالكائن الطفيلي. أستمتع باحتياج الكائن الطفيلي لي وأستمتع بالألم الجسدي والنفسي وأستمتع بالضغوط المادية المفروضة علي وأستمتع بكوابيسي التي يختلط فيها الماضي والحاضر والمستقبل وتطاردني أمنياتي ورغباتي لأستيقظ كل يوم ساعية لحريتي خائفة من الحصول عليها.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    ارحل يا سيسي ليست حلًا

    محمد حماد

    "ارحل يا سيسي" ليست حلًا

    وللطوارئ فوائد أخرى !

    سليمان الحكيم

    وللطوارئ فوائد أخرى !

    الأميرة والوحش (النسخة المصرية)

    أحمد مدحت

    الأميرة والوحش (النسخة المصرية)

    11 معلومة عن «الإعدام بدون محاكمة».. الأخيرة ستدهشك !

    أحمد متاريك

    11 معلومة عن «الإعدام بدون محاكمة».. الأخيرة ستدهشك !

    الأزهر.. وكبريات القضايا !

    عبدالناصر توفيق

    الأزهر.. وكبريات القضايا !

    أحفاد تشين وبُناة الأهرام

    محمد سعد عبدالحفيظ

    أحفاد تشين وبُناة الأهرام

    إسلامية على مذهب الإمام ابن ميكافيلي !

    محمد مصطفى موسى

    إسلامية على مذهب الإمام "ابن ميكافيلي" !

    لماذا لا يتخفف الأزهر من التعليم غير الديني؟

    علاء عريبى

    لماذا لا يتخفف الأزهر من التعليم غير الديني؟

    إشكالية رفع العلم الكردي في كركوك (3)

    رجائي فايد

    إشكالية رفع العلم الكردي في كركوك (3)

    أيها الجُهال.. إلا الأزهر الشريف

    محمود الشاذلى

    أيها الجُهال.. إلا الأزهر الشريف