رئيس التحرير: عادل صبري 05:05 مساءً | الأربعاء 22 نوفمبر 2017 م | 03 ربيع الأول 1439 هـ | الـقـاهـره 28° غائم جزئياً غائم جزئياً
جهاد الأمومة
06 مارس 2017

جهاد الأمومة

مروة رخا

 

اليوم قصصت على ابني قصة السور المخروم؛ أتى رجل بابنه عند سور خشبي وأعطاه صندوق من المسامير وشاكوش، ثم طلب منه أن يدق جميع المسامير في السور. انتهى الولد من مهمته، فأعطاه والده كماشة وطلب منه أن يخلع جميع المسامير من السور. سألت آدم في هذه اللحظة "كيف سيكون شكل السور بعد أن يخلع الولد المسامير؟" فقال "مخرم". قلت له أن هذا حال قلبي الآن؛ الاعتذار مثله مثل خلع المسمار من السور ولكن يبقى الخرم.

 

منذ سنوات عديدة، عندما كان آدم رضيعا، قالت لي أم قابلتها في حمام حديقة الأطفال أن ابنها يُصَعب عليها حبه. وقتها لم أكن مروة رخا كاتبة مقالات المونتيسوري؛ كنت مجرد أم حديثة العهد بالأمومة تغير حفاضات طفلها في الحمام. تذكرت اليوم هذه الأم وأنا أجاهد نفسي ألا أغضب على ابني. كنت أحاول بشدة ألا ألفظه مثلما أتقيأ طعام فاسد. سمعت صوت بداخلي يقول بسخرية أنه كان من الأحرى بي أن أتبنى كلب بدلا من جهاد الأمومة هذا.

 

جهاد الأمومة هو جهاد دائم ضد التمرد على شخص لا يرضى ولا يشكر ولا يحمد ولا يشبع مهما قدمت.

 

الأمومة جهاد لا يتحدث عنه أحد ولا يعترف به أحد ولا يسمح به أحد. من تتحدث عن جهاد الأمومة تتهم بالبطر على النعمة أو تتهم بخلل في غريزتها. صورة الأم السعيدة، الراضية، الخاضعة، المعطاءة، المضحية إلى أبد الآبدين تحاصر كل أم في الحياة الواقعية لتجعلها تشعر بالقصور والنقص وجلد الذات.

 

لولا الهرمونات وتأثيرها على وضوح الرؤية لكانت الأمومة بكل بساطة، منذ بدأ تكون الجنين، لكانت قصة حزينة عن كائن طفيلي ينمو داخل جسد سيدة ما ليجرده من عناصره وينخر في عظامه حتى يتضخم ويفجرها خارجا تاركا خلفه مخلفات جسد. يلتصق هذا الكائن الطفيلي بالجسد ليمتص دمه وقوته وصحته لأعوام طويلة. يستمر الجسد في خدمة الكائن الطفيلي حتى يستقل عنه.

 

جهاد الأمومة هو أن تحب هذا الكائن الطفيلي بدون أي شروط ... بدون أي توقعات ... بدون أي طلبات. جهاد الأمومة هو أن تقوض رغبتك الغريزية في الدفاع عن جسدك وعقلك وروحك ومنزلك ودخلك ومقتنياتك ضد كائن طفيلي محتل. إذا أردت أن تُسخر عبدا خادما لك، أعطه من النوم والطعام والراحة فقط ما يبقيه بالكاد على قيد الحياة. أنهكه بالأشغال الشاقة وبعد عدة أشهر سيتوقف عقله عن العمل وسيكف عن مقاومة الذل وسينسى حقوقه وسيخضع لسيده. العقل والمنطق لا يجتمعان مع جسد مرهق في حالة صراع من أجل البقاء. جهاد الأمومة هو أن تحافظ على قواك العقلية وأنت تعيش حياة هذا العبد.

 

جهاد الأمومة هو أن تحب هذا الكائن الطفيلي بدون أي شروط ... بدون أي توقعات ... بدون أي طلبات.

 

جهاد الأمومة هو جهاد دائم ضد التمرد على شخص لا يرضى ولا يشكر ولا يحمد ولا يشبع مهما قدمت ومهما فعلت ومهما أعطيت. أجاهد نفسي كل يوم ألا أتمرد على علاقة قائمة على الابتزاز والاستغلال باسم الأمومة.

 

الأن وقد تحدثت عن جهادي اليومي لأكون أم، سأعترف بأنني مثل كل أم، مصابة بمتلازمة ستوكهولم حيث يحب العبد سيده ويتعلق المختطف بخاطفه ويرتبط الجسد بالكائن الطفيلي. أستمتع باحتياج الكائن الطفيلي لي وأستمتع بالألم الجسدي والنفسي وأستمتع بالضغوط المادية المفروضة علي وأستمتع بكوابيسي التي يختلط فيها الماضي والحاضر والمستقبل وتطاردني أمنياتي ورغباتي لأستيقظ كل يوم ساعية لحريتي خائفة من الحصول عليها.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    حكاية الذين أتوا إلينا بحثًا عن البريق

    أحمد مدحت

    حكاية الذين أتوا إلينا بحثًا عن البريق

    هيكل والمتنبي واللعب مع السلطة

    محمد حماد

    هيكل والمتنبي واللعب مع السلطة

    قائد خط الجمبري! كفى إساءة

    يحيى حسين عبد الهادي

    قائد خط الجمبري! كفى إساءة

    الثورة السعودية

    محمد مصطفى موسى

    الثورة السعودية

    نوفمبر المزعج والسياسة

    مها عمر

    نوفمبر المزعج والسياسة

    عجز مالي في 136 هيئة خدمية

    ممدوح الولي

    عجز مالي في 136 هيئة خدمية

    عن اندماج الأحزاب

    علاء عريبى

    عن اندماج الأحزاب

    النيل ما جاشي

    سليمان الحكيم

    النيل "ما جاشي"

    فئران الرأسمالية

    آلاء الكسباني

    فئران الرأسمالية

    هبة مصر للعدو الصهيوني

    محمد مصطفى موسى

    هبة مصر للعدو الصهيوني