رئيس التحرير: عادل صبري 12:19 مساءً | الخميس 23 مارس 2017 م | 24 جمادى الثانية 1438 هـ | الـقـاهـره °

إسماعيل الإسكندراني وبؤس الخريطة الأيديولوجية في مصر

إسماعيل الإسكندراني وبؤس الخريطة الأيديولوجية في مصر
04 ديسمبر 2015

إسماعيل الإسكندراني وبؤس الخريطة الأيديولوجية في مصر

مها عمر

إسماعيل الإسكندراني وبؤس الخريطة الأيديولوجية في مصر

كشف اعتقال إسماعيل الإسكندراني في الفترة الماضية عن بؤس الخريطة الأيديولوجية في مصر.

  
الإسكندراني صحفي استثنائي في دقة عمله، وصعوبة الموضوعات التي يتناولها بالبحث والدراسة، وهي صعوبة أمنية، في بلد مثل مصر في وضعها الحالي، تعد حرية تداول المعلومات فيها أشبه بالمعجزات، وخصوصًا في موضوعات شائكة تتسم بقدر عالٍ من الحساسية مثل سيناء، وموضوعات أخرى ندر فيها أصلًا العمل البحثي الاستقصائي الجاد مثل القضية النوبية.


اتبع الاسكندراني في بحوثه ودراساته المنهج الميداني، مقتربًا من أرض الواقع، ومتتبعًا غريزته البحثية والمنهج المنطقي لاستخلاص نتائجه، فكانت أبحاثه على درجة عالية من الحرفية، تستطيع أي عين ناقدة أن ترصد شغفًا هائلا في التناول، وقدرًا متميزًا من الموضوعية في الطرح يجعل المتعاطي مع مواده البحثية يعترف بأنه لا يتعامل مع باحث عادي وإنما مع جهة بحثية كاملة تجمع معلومات وترصد وتحلل وتستنج وتصل للخلاصات.


المشكلة الحالية في النظام المصري أنه غير قادر على قراءة هذا النوع من المشروعات الفكرية التي كان من الأدعى الاهتمام بها والإقبال عليها وتثمينها كوسيلة لحل مشكلاته المعقدة والمزمنة في سيناء، خصوصًا من شخص متخصص في الجماعات الإسلامية مثل إسماعيل ويحظى بمساحة عظيمة من الثقة من أهل البلد محل بحثه، وهي مساحة نادرًا ما تُتاح. وهو أمر يرجع لفجوات الثقة والتخوين والصور الذهنية العقيمة عن أهل سيناء، والتي صَدّرها النظام على مدى عقود للسواد الأعظم من المصريين المتعاملين مع سيناء وأهلها من خلال الإعلام الحكومي وقنواته فقط.


ورغم كل ما سبق، كان لدى النظام مساحة استثناء - نمى إلى الوعي العام أنها وهمية الآن – في عدم التضييق على الباحثين طالما أنهم لم ينزلوا إلى الشارع أو لم يصطدموا مباشرة مع السلطة. لكن هذه المساحة تم اكتشاف عبثيتها بعد اعتقال حسام بهجت الذي تلاه اعتقال اسماعيل الإسكندراني واعتبر النظام أن مجرد طرحهما لموضوعات تشكل ضمنيًا اعتراضًا على سياسات الدولة هو دخول مباشر مع السلطات.


غير أن معارضة إسماعيل لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها معارضة ضمنية أو مستترة خلف موضوعاته، وذلك ليس فقط  لأن عمله كصحفي استقصائي في موضوع سيناء بما يحتويه يعتبر رفضًا لانتهاكات النظام، بل لأن إسماعيل كان يعارض دون مواربة وبوضوح تام وحدة صارمة كل أشكال القمع بشكل فتح الباب للمزايدين على مصرعيه.


شكك الكثيرون في صمت السلطات حيال نشاط إسماعيل، بينما اتهمه البعض بالعمل من الباطن مع النظام واعتباره وجهًا لعملة النظام الحالي بشكل أو بآخر لمجرد عدم تعرضه للاعتقال أو التوقيف حتى وقت قريب.


أما الخريطة الأيديولوجية البائسة في مصر بشقيها اليساري واليميني، فقد كانت مواقفها متباينة من إسماعيل، لكنها اتفقت على الضيق به كخصم لديه دومًا حجة حاضرة وقدرة على سوق الأدلة المنطقية، وصرامة في التعامل مع الأخطاء.


الآن ومع توقيف إسماعيل في مطار الغردقة ومن ثم تحويله إلى أمن الدولة، واتهامه بتهم خرقاء كالانتماء للإخوان وغيره، وجدنا من يقف متفرجًا من التيارين، غير قادر على تجاوز الخلافات الأيديولوجية إلى التضامن غير المشروط مع الإسكندراني!


فمن يسار مط (معظمه) شفتيه إثر اعتقال إسماعيل، وأظهر تعاطفًا يتسم في مجمله بالبرود والهدوء والصمت أحيانًا إلى يمين جذل في (معظمه) بل وشامت في بعض الأحيان، يرى أن إسماعيل نال ما يستحق وأنه عقاب إلهي عادل لتفتيته بعض تابوهات الجماعة الإسلامية في مصر وخصوصًا بين معاشر الشباب، وهو أمر كارثي بكل المقاييس لأنه يدل على أن الأيديولوجيا أصبحت معادلًا فاعلًا حتى فوق الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية، وأن الواقع القمعي ينتج نفسيات لا تستثني ولا تجرم القمع بل وتستعذبه أحيانًا للمختلفين معها.


على أية حال.. إسماعيل اليوم يدفع فاتورة مواقفه كاملة، مواقفه الواضحة الصريحة التي أعلنها ويعلنها كل يوم، وترد أقداره في الاعتقال على المشككين والمزايدين على وطنيته ونبله. ولا عزاء للأيديولوجيا التي أكلت ألسنة التضامن وتخاذلت في مواقف تكشفها.  

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    التعديلات الدستورية التركية

    أسامة غريب

    التعديلات الدستورية التركية

    أين قانون الهيئة الوطنية للانتخابات؟

    خالد داود

    أين قانون الهيئة الوطنية للانتخابات؟

    التحذير من المسئولية والحرص من الفطنة

    أمين إسكندر

    التحذير من المسئولية والحرص من الفطنة

     متى تسقط العبودية؟

    وليد بدران

     متى تسقط العبودية؟

    ذمة التاريخ في خطر

    محمد نوار

    ذمة التاريخ في خطر

    حيوات بريئة لا بواكي لها

    خديجة جعفر

    حيوات بريئة لا بواكي لها

    دعاء عادل.. رائدة أعمال تكافح الغلاء

    محمد جمال

    دعاء عادل.. رائدة أعمال تكافح الغلاء

    القتال الكردي في جبل سنجار

    رجائي فايد

    القتال الكردي في جبل سنجار

    الأوراق الفيدرالية والإصلاحات السعودية.. عنصر العقل (1)

    ثابت عيد

    الأوراق الفيدرالية والإصلاحات السعودية.. عنصر العقل (1)

    صحافة سكسكة .. الراقصة والطبال !

    محمد على إبراهيم

    صحافة "سكسكة" .. الراقصة والطبال !