رئيس التحرير: عادل صبري 04:17 صباحاً | الاثنين 01 مايو 2017 م | 04 شعبان 1438 هـ | الـقـاهـره 34° ضباب ضباب

إسماعيل الإسكندراني وبؤس الخريطة الأيديولوجية في مصر

إسماعيل الإسكندراني وبؤس الخريطة الأيديولوجية في مصر
04 ديسمبر 2015

إسماعيل الإسكندراني وبؤس الخريطة الأيديولوجية في مصر

مها عمر

إسماعيل الإسكندراني وبؤس الخريطة الأيديولوجية في مصر

كشف اعتقال إسماعيل الإسكندراني في الفترة الماضية عن بؤس الخريطة الأيديولوجية في مصر.

  
الإسكندراني صحفي استثنائي في دقة عمله، وصعوبة الموضوعات التي يتناولها بالبحث والدراسة، وهي صعوبة أمنية، في بلد مثل مصر في وضعها الحالي، تعد حرية تداول المعلومات فيها أشبه بالمعجزات، وخصوصًا في موضوعات شائكة تتسم بقدر عالٍ من الحساسية مثل سيناء، وموضوعات أخرى ندر فيها أصلًا العمل البحثي الاستقصائي الجاد مثل القضية النوبية.


اتبع الاسكندراني في بحوثه ودراساته المنهج الميداني، مقتربًا من أرض الواقع، ومتتبعًا غريزته البحثية والمنهج المنطقي لاستخلاص نتائجه، فكانت أبحاثه على درجة عالية من الحرفية، تستطيع أي عين ناقدة أن ترصد شغفًا هائلا في التناول، وقدرًا متميزًا من الموضوعية في الطرح يجعل المتعاطي مع مواده البحثية يعترف بأنه لا يتعامل مع باحث عادي وإنما مع جهة بحثية كاملة تجمع معلومات وترصد وتحلل وتستنج وتصل للخلاصات.


المشكلة الحالية في النظام المصري أنه غير قادر على قراءة هذا النوع من المشروعات الفكرية التي كان من الأدعى الاهتمام بها والإقبال عليها وتثمينها كوسيلة لحل مشكلاته المعقدة والمزمنة في سيناء، خصوصًا من شخص متخصص في الجماعات الإسلامية مثل إسماعيل ويحظى بمساحة عظيمة من الثقة من أهل البلد محل بحثه، وهي مساحة نادرًا ما تُتاح. وهو أمر يرجع لفجوات الثقة والتخوين والصور الذهنية العقيمة عن أهل سيناء، والتي صَدّرها النظام على مدى عقود للسواد الأعظم من المصريين المتعاملين مع سيناء وأهلها من خلال الإعلام الحكومي وقنواته فقط.


ورغم كل ما سبق، كان لدى النظام مساحة استثناء - نمى إلى الوعي العام أنها وهمية الآن – في عدم التضييق على الباحثين طالما أنهم لم ينزلوا إلى الشارع أو لم يصطدموا مباشرة مع السلطة. لكن هذه المساحة تم اكتشاف عبثيتها بعد اعتقال حسام بهجت الذي تلاه اعتقال اسماعيل الإسكندراني واعتبر النظام أن مجرد طرحهما لموضوعات تشكل ضمنيًا اعتراضًا على سياسات الدولة هو دخول مباشر مع السلطات.


غير أن معارضة إسماعيل لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها معارضة ضمنية أو مستترة خلف موضوعاته، وذلك ليس فقط  لأن عمله كصحفي استقصائي في موضوع سيناء بما يحتويه يعتبر رفضًا لانتهاكات النظام، بل لأن إسماعيل كان يعارض دون مواربة وبوضوح تام وحدة صارمة كل أشكال القمع بشكل فتح الباب للمزايدين على مصرعيه.


شكك الكثيرون في صمت السلطات حيال نشاط إسماعيل، بينما اتهمه البعض بالعمل من الباطن مع النظام واعتباره وجهًا لعملة النظام الحالي بشكل أو بآخر لمجرد عدم تعرضه للاعتقال أو التوقيف حتى وقت قريب.


أما الخريطة الأيديولوجية البائسة في مصر بشقيها اليساري واليميني، فقد كانت مواقفها متباينة من إسماعيل، لكنها اتفقت على الضيق به كخصم لديه دومًا حجة حاضرة وقدرة على سوق الأدلة المنطقية، وصرامة في التعامل مع الأخطاء.


الآن ومع توقيف إسماعيل في مطار الغردقة ومن ثم تحويله إلى أمن الدولة، واتهامه بتهم خرقاء كالانتماء للإخوان وغيره، وجدنا من يقف متفرجًا من التيارين، غير قادر على تجاوز الخلافات الأيديولوجية إلى التضامن غير المشروط مع الإسكندراني!


فمن يسار مط (معظمه) شفتيه إثر اعتقال إسماعيل، وأظهر تعاطفًا يتسم في مجمله بالبرود والهدوء والصمت أحيانًا إلى يمين جذل في (معظمه) بل وشامت في بعض الأحيان، يرى أن إسماعيل نال ما يستحق وأنه عقاب إلهي عادل لتفتيته بعض تابوهات الجماعة الإسلامية في مصر وخصوصًا بين معاشر الشباب، وهو أمر كارثي بكل المقاييس لأنه يدل على أن الأيديولوجيا أصبحت معادلًا فاعلًا حتى فوق الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية، وأن الواقع القمعي ينتج نفسيات لا تستثني ولا تجرم القمع بل وتستعذبه أحيانًا للمختلفين معها.


على أية حال.. إسماعيل اليوم يدفع فاتورة مواقفه كاملة، مواقفه الواضحة الصريحة التي أعلنها ويعلنها كل يوم، وترد أقداره في الاعتقال على المشككين والمزايدين على وطنيته ونبله. ولا عزاء للأيديولوجيا التي أكلت ألسنة التضامن وتخاذلت في مواقف تكشفها.  

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    الأزهر.. والرويبضة الجدد

    عادل صبرى

    الأزهر.. والرويبضة الجدد

    درس مهاتير محمد الذي لم يقرأه حكام مصر

    محمد حماد

    درس مهاتير محمد الذي لم يقرأه حكام مصر

    فلتحيا سايكس بيكو !

    سليمان الحكيم

    فلتحيا "سايكس بيكو" !

    عايزين بلدنا ومش عايزينك

    محمد مصطفى موسى

    عايزين بلدنا ومش عايزينك

    بلد بعافية ونظام بيستعفى

    محمد أبوزيد

    بلد بعافية ونظام "بيستعفى"

    الأزهر.. متعهد مسلمين !

    عبدالناصر توفيق

    الأزهر.. متعهد مسلمين !

    إخفاقات السياسة الألمانية في عهد ميركل

    ثابت عيد

    إخفاقات السياسة الألمانية في عهد ميركل

    نظام السيسي يعاني سكرات الموت السياسي

    محمد الصباغ

    نظام السيسي يعاني سكرات الموت السياسي

    الدرجات التشاركية.. من بكين إلى القاهرة

    محمد سعد عبدالحفيظ

    الدرجات التشاركية.. من بكين إلى القاهرة

    في مسجد القرية

    علاء عريبى

    في مسجد القرية