رئيس التحرير: عادل صبري 04:12 مساءً | الخميس 22 يونيو 2017 م | 27 رمضان 1438 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

عاصمة .. شرم .. الشيخ .. زويد

عاصمة .. شرم .. الشيخ .. زويد
18 مارس 2015

عاصمة .. شرم .. الشيخ .. زويد

إسماعيل الاسكندراني

عاصمة .. شرم .. الشيخ .. زويد

(1)

فتح مطار شرم الشيخ شبكات "الواي فاي" مجاناً إكراماً لضيوف المؤتمر الاقتصادي العالمي، في الوقت الذي انقطعت فيه الكهرباء ومياه الشرب ومرفق الإسعاف عن الشيخ زويد ورفح، فعاشت المدينتان مع قُراهما في ظلام دامس طيلة ليالي المؤتمر. رأى أطفال شرم الشيخ طائرات نقل الركاب والطائرات الدبلوماسية الخاصة أثناء هبوطها وإقلاعها فأشاروا إليها مبتهجين وناطقين اسمها بالعامية المصرية والإنجليزية والروسية والألمانية وعدة لغات أخرى يتحدثها رواد المدينة وزائروها. أما في شمال شبه الجزيرة المنكوبة، فتنادي الأم على طفلتها مفزوعةً من صوت الطائرة المحلّقة في السماء الغاضبة، فتطمئنها الطفلة ذات السنوات الأربع بأنها طائرة بيضاء مسالمة وليست المروحية الداكنة المؤذية. فقد عرفت الصبايا الفرق بين المروحيات البيضاء التابعة للقوات متعددة الجنسيات وبين مروحيات الأباتشي القاصفة القاتلة.

لا عدالة بين شيوخ سيناء، فشرم شيخ الجنوب منتجعٌ سياحيٌ مؤَمَّن ترى فيه خضار الشجر وسواد الأسفلت متماشياً مع صفار الرمال وزهاء الشعاب المرجانية تحت المياه الفيروزية الصافية، في لوحةٍ بديعةٍ تمترست فيها وحولها وفوقها حشودٌ أمنية ضخمة لضمان سلامة كل من تحتويهم الفقاعة. أما شيخ زويد الشمال، فهي مدينة الأشباح الصامدة، ذات الشوارع المكسرة، والأسواق المغلقة، والهواء الحبيس، والأنفاس المعدودة، والطلقات الطائشة، والجثث الملقاة في السبخة والآبار المعطلة.

هل هناك أفضل من شرم الشيخ كي تشهد إعلان مشروع عاصمة اليوتوبيا الطبقية والأمنية الجديدة؟ وهل هناك من تباينٍ أوضحَ بين شيخ جنوب سيناء وشيخ شمالها كي نتوقع الفرق بين القاهرة الحالية والقاهرة المرتقبة؟!

(2)

يجلس متكئاً في أريكته بعد وجبة محشي كرنب دسمة، مطلقاً زخّاتٍ من التفاعلات التحليلية التي تليق بمناهض لوذعي للانقلاب. يبدأ بتوجيه الشكر لميليشيات "داعش" في سيناء على حسن تعاونها مع منظمي المؤتمر والتوقف عن عملياتها أثناء انعقاده. التهكم مفهوم، لكن نظرية المؤامرة قد شنقت نفسها مشتعلةً في أعماق البحار بسبب هؤلاء الذين ينكرون حقيقة وجود داعش في سيناء خصوصاً وفي مصر عموماً، وأشقائهم الذين ينكرون وجود الإرهاب أصلاً، ويرون الحوادث كلها من تدبير الأجهزة المخابراتية لتبرير العنف والقمع!

تطلب منه الاعتدال في جلسته، لافتاً انتباهه أنه أثناء انهماكه في لهط محشي الكرنب مع بيض الدجاج المرشوش بالكمّون كانت قبائل وسط سيناء وجنوبها تحمي المؤتمر وتؤمن ثغرات الوديان بين الجبال في المحيط الواسع لمدينة شرم الشيخ، وأن الدواعش لن يخاطروا أبداً بمواجهة قبلية معهم. فيطلق في وجهك تعليقاً مستخلصاً من عصارة لوذعيته مستنكراً على القبائل السيناوية المشاركة "المشينة" في دعم مشروعات الانقلاب وتأمينها، لدرجة أن رائحة التشفّي تزكم أنفك حين تجده يشمت مسبقاً فيما سينالهم بسبب تعاونهم مع سلطة الانقلاب.

لا يبالي سيادة المخرج – وليس كل المخرجين يخرجون أفلاماً – بما سيدفعه قبائل الجنوب والوسط من أثمان باهظة من أرواحهم وأمان عائلاتهم وسلامتهم الشخصية لو حدث اختراق أمني للمؤتمر. ليس هذا ما يهمه، فالمهم هو أن تنجح الميليشيات، التي شكرها لحسن تعاونها مع السلطة، في تنفيذ عمليةٍ ما ليفرح بها نكاية في السلطة، ثم يجلس في انتظار أخبار الانتهاكات والجرائم في حق بدو سيناء بعد العملية كي يشحن بها خطابه الزاعق!

(3)

انقضى المؤتمر ولن تنتهي التعليقات عليه وعلى ما أعلن فيه. رحل المشاركون والضيوف من دون أن يروا أحد السكان الأصليين من شبه الجزيرة المضيفة في استقبالهم في صالة المطار أو بهو الفندق. الجلابيب البيض والعباءات الصفر والعقالات السود مرحّبٌ بها فقط إذا كانت خليجية تحتضن بضعة آلافٍ من الدولارات لتبذيرها في سويعات معدودة، مسموحٌ بها فقط إذا كانت محليةً مرضيّاً عنها تم استدعاؤها للتصوير والعلاقات العامة، ملعونةٌ ومغضوبٌ عليها إذا كان يرتديها أهل سيناء الأصليون، ولو سهروا في حراسة المؤتمر على رؤوس الجبال.

وهكذا سيكون حال المصريين في العاصمة الجديدة، عمالة رخيصة مشحونة يومياً في صفائح متحركة، ترتدي ملابس رسمية منسوجة بأردأ الأقمشة الصناعية، فلا تمتص عرقاً ولا تجمّلُ بؤساً. وهاهي أبواق النظام بدأت تتحدث صراحة عن معايير الإقامة في العاصمة الجديدة، وأنه لا ينبغي لها أن تكون متاحةً لأي أحد. هل يجرؤ مواطن عادي – وليس مواطناً خارقاً مثل صفوة النخبة – على الحلم بالسكن في مدينة منتظمة الخدمات الأساسية؟ هل فقد عقله؟!
 

أعجب ممن يناقشون تفاصيل الخطة المزعومة متغافلين عن الطريقة التي اتخذ بها القرار، بأحاديّة، وسريّة، وضبابيّة، وإسناد مباشر، وتحصين قانوني باطل، واستلاب تشريعي إمبراطوري، واحتقار للشعب، وغطرسة عليه، وأوصافٍ أخرى قد يعاقب عليها القانون تبدأ بفتح سوستة البنطال...

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    هولاكو والمستعصم.. بالنعال !

    أسامة غريب

    هولاكو والمستعصم.. بالنعال !

    رسالة خاصة إلى سمو الأمير محمد بن سلمان

    ثابت عيد

    رسالة خاصة إلى سمو الأمير محمد بن سلمان

    حكاية جزر إماراتية 

    وليد بدران

    حكاية "جزر" إماراتية 

    خمسون عامًا من الهزائم

    خالد داود

    خمسون عامًا من الهزائم

    أوقفوا الإعدام

    خديجة جعفر

    أوقفوا الإعدام

    رياضة المرأة السعودية في خطط سلمان الإصلاحية

    ثابت عيد

    رياضة المرأة السعودية في خطط سلمان الإصلاحية

    منتقبات أم حسن والمبادئ المحتشمة جدًا

    آلاء الكسباني

    منتقبات "أم حسن" والمبادئ المحتشمة جدًا

    نار لندن الموقدة

    هاني بشر

    نار لندن الموقدة

    صفعة القرن !

    سليمان الحكيم

    "صفعة" القرن !

    الكفر بالشعب أسوأ من تكفيره

    محمد حماد

    الكفر بالشعب أسوأ من تكفيره