رئيس التحرير: عادل صبري 01:47 صباحاً | الجمعة 26 مايو 2017 م | 29 شعبان 1438 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

إسلام البحيري وشركاه.. تنوير "نص تشطيب"

إسلام البحيري وشركاه.. تنوير
18 مارس 2017

إسلام البحيري وشركاه.. تنوير "نص تشطيب"

معتز حجاج

إسلام البحيري وشركاه.. تنوير "نص تشطيب"

 

"إن النظام السياسي الذي لا يعلم المواطن كيف يفكر، من حقه أن يحميه لاحقاً من أي تفكير لا يريده".

نصر حامد أبو زيد، سقوط التنوير الحكومي.

 

خرج علينا إسلام البحيري بعد فترة قصيرة أمضاها في السجن، نتيجة آرائه، معتبرا العفو عنه بمثابة اعتذار من النظام عن الظلم الذي تعرض له، فهو يرى أن النظام متمثلاً في السيسي يسعى إلى التجديد، لكنه عاجز عنه لوجود جيوب "إسلاموية" في الدولة.

 

وكنت قد تمنيت بعد فترة متابعة له قبل اعتقاله أن تصقله تجربة السجن، ويفهم بداخله ما لم يفهمه خارجه عن علاقة المثقف بالسلطة، لكن عدم اهتمامه سوى بنظامه الغذائي، والذي ساعده فيه إدارة السجن بالسماح بدخول أكل للدايت له - كما صرح هو - جعل تجربته خفيفة على عقله كما على معدته، فخرج يلوح للدولة بإمكانية تعاونه معها في حالة إعطائه دوراً أو مساحة مجدداً، رغم أن الدولة لم تعطه ذلك من البداية. والحق أنني لم أندهش كثيراً من تصرفه، فتاريخ التنوير العربي كما الأوروبي لم يراهن في أي وقت على قدرة الجماهير في أن تخلق واقع أفضل، فرهنوا كل إنتاجهم في يد السلطة السياسية.


***

شكّل عصر التنوير الأوروبي ذروة نجاح القطيعة مع عصور القرون الوسطى، وكان للفلاسفة الأوروبيين في نقدهم للملكية الإلهية وسلطة الكنيسة وامتيازات الإقطاع الطبيعية دوراً حاسماً في مد مُهيجي الثورات من الطبقة الوسطى بالأيدولوجيا، التي سوف تحدد دور الدولة وعلاقتها بالمجتمع، لكنهم رغم ذلك لم يشاركوا فيها، بل منهم من عارضها، وغالبيتهم نظروا للثورات بارتياب، وحظي العديد منهم بصداقات وتأييد لملوك ديكتاتوريين مثل فريدريك الثاني، وكاترين الثانية، وجوستاف الثالث.

 

ويوجد عدة فوارق بين التنوير الأوروبي، العربي الذي بدأ بعصر محمد علي أو قبله بقليل، فالأول جاء بعد خمسة قرون كاملة منذ عصر النهضة إلى الإصلاح الديني حتى كلل بالتنوير، فأُتيحت له فرصة النضج، فقدم فكراً أصيلاً قائماً على التفسير والنقد والإبداع، أما في الحالة العربية والإسلامية فكان استجابة سريعة للفجوة الحضارية المهولة التي كشف عنها الغزو الأوروبي لأراضينا، فكان تلفيقياً في معظمه.

 

ومن الجدير بالذكر في هذا السياق، أن أغلب أعلام التنوير الأوروبي فلاسفة خارج إطار الكنيسة، وإن كان من الرهبان من مارس الفلسفة، أما في الحالة العربية فكل رواد التنوير رجال دين خرجوا من عباءة الأزهر مباشرةً، لم يأخذوا فرصة أطول لتغيير قفاطينهم، ثم انضم لهم فيما بعد بعض العسكريين وقلة من المدنيين أخذت في التزايد مع تزايد دور المؤسسات المدنية. والفارق الثاني أن التنوير الأوروبي جاء في خضم تشكل ملامح الدولة الحديثة، فساهم في تشكلها، لكن التنوير العربي جاء بعدما تشكلت الدولة بالفعل، فاقتصر دوره على تبرير منجزاتها، وإن كان في بعض مبرراتهم لمحات ذكاء هنا أو هناك، فلا يغير ذلك من كونه في نهاية الأمر فكراً تبريرياً لا نقدياً.

 

***

"إن كل طبقة حاكمة لا تعتمد فقط على السيطرة المادية.. إنها تحتاج أيضاً إلى ما أسماه جرامشي (مقنعين دائمين)".

رباب المهدي، من هو المثقف؟

 

المثقف الذي حمل على عاتقه مهمة التنوير مع بدايات القرن التاسع عشر، هو ابن الطبقة الوسطى التي خلقها النشاط التجاري فيما قبل عصر محمد علي، ثم الذين ملأ بهم الباشا مشروعه، في مدارسه وجيشه ودواوينه. وكان نجم هذا المثقف يلمع أثناء الثورات وارتفاع سقف طموح طبقته السياسية، لكنه ظل في إطار المسموح به من السلطتين السياسية والمجتمعية، وهذا يفسر تخلي حزب الوفد الليبرالي عن مناصرة قضايا الفكر فيما بين عامي 1919 و1952، وبخاصة قضية طه حسين الشهيرة بعد الجدل الذي أثاره كتابه "في الشعر الجاهلي".

 

ثم اكتمل تدجين المثقف بشكل رسمي في عهد عبد الناصر حتى سقوط مشروعه، فطاردت السلطة في عهد خليفته المثقف وأعلن رئيسها احتقار الثقافة، ليقيم دولة "العلم والإيمان"، دولة بلا أيديولوجيا إلا "اللي مش هيغتني في عهدي مش هيغتني بعدي"! حتى جاء استدعاء طارئ للمثقفين حينما هدد الإرهاب بقاء النظام السياسي مع نهاية الثمانينات، استدعاء يطالبهم الآن وفوراً بإنتاج خطاب أيديولوجي يقيم أود النظام، فكان ترقيعاً في ترقيع، وإحياءً لأعمال رواد التنوير التي لا أظن حتى أنهم قرأوها.

 

ومع أن الاستدعاء الأخير للمثقف من قِبل السلطة أنتج فكراً "تردادي" كما يصفه أبو زيد، إلا أنه من إنتاج نخبة ثقافية على درجة عالية من الكفاءة والخبرة الحياتية، إذا ما تم مقارنتها بفكر إسلام البحيري وتياره. فهو لا يفوز عليهم في أي مقارنة إلا من حيث اعتنائه في اختيار ثيابه والمواظبة على "الجيم"!

 

إن النخبة التي استدعاها نظام مبارك هي بنت عصر عبد الناصر، حينما كانت هناك مؤسسات تعليمية وثقافية قوية، وإن كانت تفتقر لأهم مؤسسة وهي الأحزاب. أما جيل فاطمة ناعوت والشيخ ميزو والبحيري، والذي استدعى نفسه للقيام بدور لم يُطلب منه أصلاً، بل عُوقب عليه أكثر من مرة، فهو جيل الهشاشة والخفة، جيل مؤسسات تعليمية انهارت حتى اعتلى أهمها - وزارة التربية والتعليم - وزير أمي تقريباً في الآونة الأخيرة، ومؤسسات ثقافية يعتليها أنصاف مواهب. فكانت أفكارهم خفيفة غير مؤصلة معرفياً بشكل كافٍ ولا تفضي لتأسيس وعي حقيقي.

 

***

لم يكن كل ما قدم ذكره سبباً في كراهيتي لتيار البحيري، ومعارضتي له، مع رفضي التام على سجن أي صاحب رأي، لكن هناك سببين رئيسيين في اعتراضي عليه. الأول يكمن في أن إنتاجه، على رغم تعارضه السطحي مع الفكر الأصولي، إلا أنه يقف على أرضيته، فكما يفترض الأصولي وجود جوهر ثابت ونهائي للدين، مشكلته الوحيدة أن الأتربة سقطت عليه، ودورنا بالأساس قائماً على إزالة تلك الأتربة ليعود الجوهر للمعان، يقول به تيار البحيري، لكن الاختلاف بينهما حول من يكون له حق هذا التفسير الوحيد والنهائي؟ ففي وجهة نظرهما ليس الدين تأويلات متغيرة باستمرار أثناء حركة التاريخ، ولم يكن -  لا الآن ولا في أي وقتٍ قبل الآن - دين واحد ونهائي، بل اختلفوا على تأويله وتقاتلوا فيما بينهم، حتى الصحابة لم يسلموا من ذلك.

 

أما الأمر الثاني، يعود إلى أن التنوير الحقيقي هو في فرض قيم التعددية التي تسمح بوجود كافة الآراء مهما بدت شاذة، لا ادعاء امتلاك الرأي الوحيد الصائب، وهذا سيستلزم فتح ثقوب في جدار السلطة التي عزلت المواطنين عن الفاعلية السياسية، لأنه لا حديث عن فكر حر لا يملك حق اختيار النظام الذي يحكمه !

 

***

عند مطالعتي لخبر الحكم بخمس سنوات على الشيخ محمد عبدالله نصر "ميزو"، تذكرت رائعة ميلان كونديرا "كائن لا تحتمل خفته"، ففي رواية كونديرا يبحث البطل عن مخرج من ثِقل الواقع المفروض عليه، ثقل نظامه السيسي والاجتماعي، ثقل المثال الرائع للمستقبل الذي تدعو إليه النظم الشمولية، وحتى ثقل الحب الذي يرعبه فكرة أن يكون صدفة بحتة جمعت بين شخصين، كان من الممكن أن تتغير. هذه الخفة التي يبحث عنها أو يهرب منها بطل كونديرا نتيجة سؤال ملح، أما خفة تيار التنوير الجديد فهي خفة اللا سؤال واللا عبء واللا شيء، هي بنت الفراغ المباركي. فتساءلت، تُرى لو سُجن الشيخ "ميزو".. هل يخرج كما خرج البحيري خفيفاً جراء انتظامه على أكل "الدايت"، أم يتخلص ميزو وتنويره الجديد من خفته؟!

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    ورطة البنك المركزي

    مدحت نافع

    ورطة البنك المركزي

    رسالة عاجلة من مواطن نورفولكي

    أحمد رفعت

    رسالة عاجلة من مواطن "نورفولكي"

    رؤية الهلال في السعودية.. تدع الحليم حيران

    سمير حشيش

    رؤية الهلال في السعودية.. تدع الحليم حيران

    لبيك أبا إيفانكا.. لبيك

    أسامة غريب

    لبيك أبا إيفانكا.. لبيك

    حروب السعودية والخليج

    خالد داود

    حروب السعودية والخليج

    حقيقة جحا وحماره

    وليد بدران

    حقيقة جحا وحماره

    علي أبو شادي يؤيد إلغاء وزارة الثقافة

    محمد نوار

    علي أبو شادي يؤيد إلغاء وزارة الثقافة

    تنمية مهارات الطفل بطرق غير تقليدية

    مروة رخا

    تنمية مهارات الطفل بطرق غير تقليدية

    آخر قوافل المهجّرين

    خديجة جعفر

    آخر قوافل المهجّرين

    الإصلاحات السعودية والرياضات السويسرية زيورخ نموذجًا (4)

    ثابت عيد

    الإصلاحات السعودية والرياضات السويسرية "زيورخ نموذجًا" (4)