رئيس التحرير: عادل صبري 01:37 صباحاً | الاثنين 24 أبريل 2017 م | 27 رجب 1438 هـ | الـقـاهـره °

مغالطات معاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية

مغالطات معاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية
27 مارس 2017

مغالطات معاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية

عبدالفتاح ماضي

مغالطات معاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية

 

تمر هذه الأيام الذكرى السنوية للتسوية المنفردة التي توصل لها السادت مع الصهاينة في 26 مارس 1979 والتي لا يزال المصريون وكل العرب يدفعون أثمانها ويعانون من تداعياتها، مثلها مثل كل الكوارث الكبرى الشبيهة كهزيمة 1967 وغزو العراق للكويت.

 

كانت التسوية المنفردة، مثلها مثل بقية الكوارث الأخرى، نتيجة مباشرة للحكم الفردي المطلق الذي كانت ولا تزال تعيشه المنطقة العربية، فقرارات الذهاب إلى القدس المحتلة والتفاوض والتوقيع على التسوية والتنازل قرارات منفردة ولم يعلم بها مسبقا حتى وزير خارجية السادات الوزير محمد إبراهيم كامل الذي سمى ما حدث بـ “مذبحة التنازلات”.

 

الحكم الفردي هو السبب الأساسي لكل الكوارث التي نمر بها، وما كانت ثورات 2011 إلا فرصة للإنقاذ عبر التقوية بالشعوب وتعديل موازين القوة لصالح العرب، ولهذا وقف لها خصوم العرب في الداخل  والخارج.

 

التسوية المنفردة، مثلها مثل بقية الكوارث الأخرى، نتيجة مباشرة للحكم الفردي المطلق الذي كانت ولا تزال تعيشه المنطقة العربية.

 

قامت تسوية السادات المنفردة مع العدو الإسرائيلي على عدة مغالطات أو افتراضات خاطئة، أهمها السبع التالية:

 

أولا: إن ما بين العرب والعدو الصهيوني مجرد حاجز نفسي

هذه أكذوبة فما كان ولا يزال بين الطرفين أكبر بكثير من هذا، بينهما أراضٍ محتلة، وحقوقٍ مغتصبة، ودماءَ عشرات الآلاف من الأبرياء، وعنصريةٍ على أساس ديني، وبيوتٍ وقرى تم محوها من الوجود، وحروبٍ توسعية، واستيطانَ مئاتِ الآلاف من الجماعات اليهودية التي تم جلْبها من أوروبا. وكسْر “الحاجز النفسي” الذي تحدث عنه السادات لم يعالج كل هذه الأمور.

 

ثانيا: إن التسوية ستؤدي إلى إنهاء الحروب وإحلال السلام

هذه أيضا أكذوبة لأن المشكلة الأساسية هي في المشروع الصهيوني ذاته، وفي الدولة التي أقامها بحد السيف وبدعم خارجي عسكري ودبلوماسي وبتزوير للتاريخ والجغرافيا. هذه الدولة كيان استعماري وفصل عنصري (أبارتهايد) كما أثبتت عشرات مئات الدراسات وعشرات القوانين والتقارير الدولية كان آخرها تقرير اللجنة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا (الإسكوا). ودولة الاحتلال والأبارتيد الإسرائيلي بهذا المعنى كيان غير قابل لإقامة سلام معه.

 

هذا بجانب أن حروب دولة الأبارتيد الإسرائيلي لم تتوقف، فقد كان هدف التسوية مع مصر إخراجها من المعادلة حتى يتم ضرب العرب والفلسطينيين، وهذا ما تم فقد احتل الصهاينة بيروت وحاصروا المقاومة الفلسطينية وأخرجوها من لبنان، وقصفوا المفاعل النووي العراقي، وضربوا تونس والسودان وسوريا، واغتالوا العشرات من قادة المقاومة الفلسطينية وغيرهم من العلماء العرب في كل أنحاء العالم، وتعرضت الضفة الغربية وقطاع غزة لحروب مدمرة عدة مرات راح ضحيتها الآلاف بعد الفراغ الذي تركته مصر وتنازع العرب وتنافسهم.

 

كما لم تؤد التسوية مع مصر إلى السلام لأنها فتحت المجال لمسار تفاوضي مدمر للمقاومة وللحقوق العربية، فقد دخل الصهاينة المفاوضات لأجل تغيير الحقائق على الأرض وسرقة مزيد من الأراضي وإقامة المستعمرات عليها. بل وصار العرب يتسولون “السلام” مع الصهاينة منذ قمة فاس مطلع الثمانينيات حتى قمة بيروت التي اعتمدت ما أسمته الحكومات العربية “مبادرة السلام العربية” وتبنت “السلام كخيار إستراتيجي” على حد وصف هذه الحكومات.

 

واقع الأمر أن تسوية السادات المنفردة أهدرت - استراتيجيا - ميزان القوة الذي كان قائما لصالح العرب منذ انتصار حرب 1973 لصالح رهان خاطئ ومدمر.

 

ثالثا: استرداد سيناء

هذه مغالطة أخرى، فسيناء عادت منقوصة السيادة في ظل الإشتراطات المجحفة التي فرضها الصهاينة والأمريكيون وذلك من حيث التواجد العسكري المصري وما تبعه من استحالة قيام عملية إعمار وتنمية في سيناء في ظل القيود الأمنية المتعددة، وما يراه البعض بنودا سرية أخرى.

 

هذا ناهيك عن أن التسوية لم تقترب من قضايا أخرى جوهرية، فقد أسقطت حق مصر في التعويض عن القصاص من مجرمي الحرب الإسرائيليين الذين قتلوا وأسروا عشرات الآلاف من المصريين خلال الحروب السابقة، وعن الثروات التي تم نهبها في سيناء من نفط وآثار وغير ذلك.

 

رابعا: إن التسوية قدمت حكما ذاتيا للفلسطينيين

هذه مغالطة كبيرة لأن المقترحات التي قدمت للفلسطينين كانت مجرد حكم ذاتي للسكان دون أي سيطرة على الأرض ودون الدخول في جوهر الصراع وهو احتلال الأرض والحقوق المشروعة الأخرى كحق تقرير المصير وحق العودة وحق التعويض عن قتل الآلاف وتدمير القرى وسرقة الأراضي، وهذه كلها حقوق مشروعة بنصوص قرارات صادرة عن الأمم المتحدة.

 

كما كان الأمر كله تمويها على الهدف الأساسي وهو التسوية المنفردة مع مصر لإخراجها من الصراع وتفجير الصراعات العربية العربية ومن ثم الإنفراد بالمقاومة وفسح المجال تغيير الحقائق على الأرض. 

 

خامسا: إن السلام سيجعل مصر تتفرغ للتنمية

وهذا أمر لم يتحقق بالطبع، فالانفتاح الاقتصادي المنفلت الذي تبناه السادات أدى إلى صناعة الكثير من القطط السمان وإلى برامج تنمية اقتصادية مختلة، بل والدفع بجنرالات من الجيش إلى التجارة لمجاراة رجال الأعمال.

 

هذا بجانب تضرر الحياة السياسية، فقد اعترض المجتمع المصري وقواه الحية على التسوية المنفردة، لينتهي الأمر بمقتل السادات بسبب التسوية.

 

 ولقد ظل نظام المخلوع مبارك وفيا لسياسات السادات اقتصاديا وسياسيا بل، وتم وضع شرط عدم معارضة اتفاقيات التسوية كشرط لنشأة الأحزاب السياسية.

 

وفي النهاية لم تحقق مصر أي إنجاز اقتصادي أو سياسي برغم توقف حروبها مع العدو، ووصلت البلاد إلى الحد الذي صارت فيه تستورد المخدرات “المدعومة” من العدو وتُصدر للعدو الغاز المصري “المدعوم”.

 

سادسا: إن الشعوب العربية سئمت من الحروب وأن التطبيع ممكن معها

هذه مغالطة كبرى، فمصر منذ 1979 تقاوم التطبيع، وكل صور التطبيع التي تمت مع مصر، ومع غيرها من الدول العربية أيضا، تمت عبر الحكومات العربية فقط وبضغط أمريكي مباشر، وظلت أيضا محدودة النطاق ومحل غضب ونقد دائم من كافة القوى الحية. كما عبّر الأدب والرواية والمسرح المصري الجاد عن هذا الرفض بكل وضوح. 

 

وفي أي استطلاع رأي عربي منصف يظهر بوضوح الرفض العربي لدولة الاحتلال ولأي تطبيع معها. وفي المؤشر العربي الصادر مؤخرا في الدوحة وُجد أن نحو 86 بالمائة من المستطلع أرائهم يرفضون أن تعترف بلدانهم بدولة الإحتلال بالنظر إلى طبيعتها الإستعمارية العنصرية التوسعية، كما أن نحو 68 بالمائة يعتبرون أن أمريكا ودولة الإحتلال يشكلان معا أكثر مصادر الخطر على أمن الوطن العربي.

 

وبعد ثورة يناير عبّر المصريون عن قناعاتهم الحقيقية (بعد سقوط حاجز الخوف وسقوط مبارك الذي اعتبره الإسرائيليون “كنزا إستراتيجيا”) وطردوا السفير الإسرائيلي وأغلقوا السفارة تماما كما فعل الشعب الموريتاني قبلها بسنوات.

 

لم تحقق مصر أي إنجاز اقتصادي أو سياسي برغم توقف حروبها مع العدو، ووصلت البلاد إلى الحد الذي صارت فيه تستورد المخدرات “المدعومة” من العدو وتُصدر للعدو الغاز المصري “المدعوم”.

 

سابعا: لم يكن هناك من بديل أمام السادات

هذه أيضا أسطورة غير حقيقية لعدة أسباب. ففد كان ميزان القوة لصالح العرب بعد نصر أكتوبر كما ذكرنا، وكان من الممكن استثمار هذا النصر للضغط من أجل كسب تنازلات من العدو وليس العكس.

 

كما كانت هناك خيارات أخرى تتمثل في تقوية المقاومة بجميع صورها، وتعزيز كل صور المقاطعة الاقتصادية، وتوحيد الصف العربي، والعمل على فضح أعمدة دولة الإحتلال والأبارتهايد وحصارها في كافة المحافل الدولية ومقاضاتها أمام المحاكم الأجنبية، وزرع ثقافة المقاومة بجميع صورها وأشكالها في مناهج التعليم وعبر كل وسائل الثقافة الأخرى، ورفع سقف المطالب والمبادرة بسياسات تحاصر العدو وتطالبته بالتعويض عن اعتداءاته المتكررة.

 

وفوق كل هذا كان من الممكن التقوية بالشعوب وإقامة نظم حكم وطنية تختارها وتحاسبها الشعوب.

 

ولا زالت كل هذه البدائل متاحة إلى اليوم.

 

إن المشروع الصهيوني مشروع متعدد الأدوات فهو لم يقم بحد السيف فقط، ولهذا فمقاومته لابد أن تكون متعددة الأدوات أيضا، وهزيمته عسكريا غير ممكنة دون مواجهته على كافة المستويات الحضارية والاقتصادية والسياسية.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    ارحل يا سيسي ليست حلًا

    محمد حماد

    "ارحل يا سيسي" ليست حلًا

    وللطوارئ فوائد أخرى !

    سليمان الحكيم

    وللطوارئ فوائد أخرى !

    الأميرة والوحش (النسخة المصرية)

    أحمد مدحت

    الأميرة والوحش (النسخة المصرية)

    11 معلومة عن «الإعدام بدون محاكمة».. الأخيرة ستدهشك !

    أحمد متاريك

    11 معلومة عن «الإعدام بدون محاكمة».. الأخيرة ستدهشك !

    الأزهر.. وكبريات القضايا !

    عبدالناصر توفيق

    الأزهر.. وكبريات القضايا !

    أحفاد تشين وبُناة الأهرام

    محمد سعد عبدالحفيظ

    أحفاد تشين وبُناة الأهرام

    إسلامية على مذهب الإمام ابن ميكافيلي !

    محمد مصطفى موسى

    إسلامية على مذهب الإمام "ابن ميكافيلي" !

    لماذا لا يتخفف الأزهر من التعليم غير الديني؟

    علاء عريبى

    لماذا لا يتخفف الأزهر من التعليم غير الديني؟

    إشكالية رفع العلم الكردي في كركوك (3)

    رجائي فايد

    إشكالية رفع العلم الكردي في كركوك (3)

    أيها الجُهال.. إلا الأزهر الشريف

    محمود الشاذلى

    أيها الجُهال.. إلا الأزهر الشريف