رئيس التحرير: عادل صبري 09:02 صباحاً | السبت 24 يونيو 2017 م | 29 رمضان 1438 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

صاحب الفخامة الديناصور

صاحب الفخامة الديناصور
19 مارس 2017

صاحب الفخامة الديناصور

محمد حماد

تعرفت على الأديب العراقي الكبير فاضل العزاوي أثناء عملي في قبرص أول التسعينيات من القرن الماضي، وكان يكتب لنا في مجلة "الموقف العربي" مقال الصفحة الأخيرة بلغة مكثفة، أقرب إلى الشعر، وفي عمق الفلسفة بأسئلتها المشرعة على العقل البشري منذ وجد الانسان المفكر.

 

في تلك الأثناء كان الشاعر العراقي فاضل العزاوي عاكف على تعريب رائعة الروائي البرتغالي جوزيه كاردوسو بيريس المعنونة: "حضرة صاحب الفخامة الديناصور"، والتي كتبها في العام 1971 في منفاه بلندن، والتي ظهرت ترجمتها في العام 1995 بعد 24 سنة من كتابتها.

 

كانت تجربة ديكتاتور العراق صدام حسين قد اكتملت باكتمال مأساة العراق المعاصرة،  ونزلت كلمة النهاية على فصلها الأخير، بينما كان الأديب العراقي فاضل العزاوي منهمكاً في ترجمة الرواية التي تذكرك أول ما تطالعها برواية "خريف البطريرك" لجارسيا ماركيز، وسوف تتلمس في محتواها فحوى رواية "السيد الرئيس" التي كتبها ميجل أنجل أستورياس عام 1946 وحصل بفضلها على جائزة نوبل في الأدب عام 1967، ولن تجدها منقطعة الصلة برواية 1984 لجورج أورويل، وستجد ظلها في روايتي عبد الرحمن منيف "شرق المتوسط"، "والآن هنا"، أو "شرق المتوسط ثانية"، أو برواية "القصر" لفرانز كافكا.

 

"الدنصرة" هي التي تفسر لنا ظاهرة أن يتم نفخ الفرد ليصبح في حجم البلد، وتصغر قيمة البلد لتكون في قيمة فرد.

 

"صاحب الفخامة الديناصور" التي وجدتني أعيد قراءتها مؤخراً رواية تتحدث عن سالازار ديكتاتور البرتغال، وعن كيفية صناعة الديكتاتور، بطريقة مواربة وساخرة حد البكاء، كأنها مكتوبة هنا، وفي هذه الأيام، ولهذا الواقع الذي نعيشه، لأنها على الحقيقة هي قصة "الديكتاتور" في كل زمان ومكان، تكاد تكون رواية يعرفها كل واحد عاش الخراب الذي بلحقه الاستبداد بالروح الإنسانية، وهي رواية عربية بامتياز، تتحدث عن حكام عرب عاصرناهم، وآخرين ملأوا كتب التاريخ مظالم وظلمات يشيب لها الولدان، وهي رواية تحكي قصة الفرعنة المصرية المبثوثة في تاريخنا ولكن على طريقة انطونيو دي أوليفيرا سالازار الذي حكم البرتغال لمدة 36 عاماً و 35 يوماً.

 

ديناصور جوزيه كاردوسو بيريس مخلوق استثنائي مثل جميع الديناصورات التي مرت بتاريخ البشرية، صحيح أن الديناصورات انقرضت من الطبيعة لكتها بقيت في الحياة، ولم يكن لتلك الكائنات ـ التي كانت تلتهم كل شيء يقع في حوزتها ـ أن تبقى، وإلا كانت الأرض نفسها في مهب ريح "الدنصرة" التي لا تبقى ولا تذر.

انقرضت الديناصورات ويقيت الديكتاتوريات، حيث يقيم الطاغية مملكته على القهر والفقر والجهل، ويحيط نفسه بحاشية من الدجالين والمبرراتية المستعدين طول الوقت لتبرير وتمرير كل قرار للزعيم، يُسَوِقون جهله على أنه الحكمة المصفاة، ويغذون فيه كل يوم غرائز التسلط والطغيان، يرفعون صوره في كل مكان، ويرفعونه إلى مصاف الذي لا يُسأل عما يفعل، يختصرون الوطن أولاً في "مؤسساته الحاكمة"، ثم يختصرون "مؤسسات الحكم" في مؤسسة واحدة، ثم يختصرون تلك المؤسسة في شخص الحاكم، حيث هو صاحب الرأي السديد وحده، وهو صاحب الكلمة المطاعة وحده، يتربع على رأس دولة من الأوهام يعيث فيها الخراب والفساد والنفاق والانتهازية ويتفشى فيها أسوأ الأمراض قاطبة، مرض عبادة الحاكم الفرعون.

 

الرواية تحفة روائية بفكاهتها وخيالها وعذوبتها ولغتها الشعرية، تحكي قصة دكتاتور التهم حاضر مملكته، ولم يوفر ماضيها، وأصبح هو عنوان حاضرها المقيم، تَسمَّى كل شيء في المملكة باسم الديناصور: شارع الديناصور، وكازينو الديناصور، ومصرف الديناصور، وعملات الديناصور الذهبية، ومطار الديناصور، وأكاديمية الديناصور، ونادى الديناصور، وقصر الديناصور، واستراحة الديناصور، وشرم الديناصور، حيث لا شيء يصير بدون الديناصورـ ولا يتسمى إلا باسمه.

 

كل ما كان قبل الديناصور فراغ، كل ما سبقه قبض ريح، عنده يبدأ التاريخ وينتهي، ولا شيء يصير في المملكة بدون الديناصور، ولا أحد يعمل إلا بتوجيهات الديناصور، وكل الأنشطة العلنية منها والمخفية تجرى تحت رعاية الديناصور، "متأنى في جميع قراراته، وتاريخي في جميع خطاباته" كما تقول قصيدة جمال بخيت الرائعة في وصف حال سوهارتو الديناصور الذي ابتلع بلده.

 

وفخامة الديناصور الحاكم هو مركز الأمة، ومحور حركتها، بل هو مركز الكون كله، ويبلغ به الجنون حد توجيه خطبه المسجلة إلى الكواكب الأخرى، من أجل إيصال "الدنصرة" إلى ربوع العالم، فلم يعد يكفيه التهام مملكته وحدها، التي لم تشبع شهوة الالتهام التي تتلبسه، وينتهي الحال بالدكتاتور المخبول ملتصقاً بكرسيه جثة بين الحياة والموت، تزكم رائحتها المملكة والعالم كله.

 

تكرست "الدنصرة" في السياسة، فانعكست في الأدب، وهي في الواقع المعاش أكثر ألماً وأشد وبالاً، وأنت تقرأ واحدة من هذه الأعمال لن تشعر في لحظة أنك غادرت المنطقة، ولا تحركت قيد أنملة من بلدك، ستختلف الأسماء، ويبقى الفعل واحداً، وتبقى الظاهرة نفسها، بنفس خطوطها العريضة، وبنفس تفصيلاتها حتى تكاد تتطابق الوقائع والرموز، وإن اختلفت الأشخاص وتعددت المسميات.

 

انظر حولك، تجد الدنصرة تلتهمنا جميعاً، وتجدها المحل المختار لكل أنظمة الحكم التي ما إن تتخذ مقاعدها فوق رؤوس العباد في أي مملكة أو في أي جمهورية، أو في أي "جمهولكية"، فتستريح بلا أي أمل في المغادرة.

 

الديناصورات انقرضت ولكن بقيت "الدنصرة"، فالدنصرة ليست فعلاً في الماضي لم يعد له وجود مع انقراض الديناصورات التاريخية، ولكنها فعل الحاضر الذي يعيش فينا ويعيث فساداً وإفساداً في كثير من بلاد العالم المتخلف.

 

"الدنصرة" في الأدب كما في السياسة، هي أن يلتهم فرد كل الاختصاصات التي تجعل منه صاحب الفخامة الديناصور المبجل، صاحب الأمر والنهى في كل أمر من أمور المملكة، وبحكم الاختصاصات التي ينص عليها دستور "الدنصرة" يستطيع أن يلتهم كل ما حوله حتى نصوص الدستور نفسها.!

 

"الدنصرة" هي التي تفسر لنا ظاهرة أن يتم نفخ الفرد ليصبح في حجم البلد، وتصغر قيمة البلد لتكون في قيمة فرد، وتكون المملكة هي جورج الخامس، ويكون جورج الخامس هو البلد كلها.

 

"الدنصرة" هي التي تدلنا على السبب الذي يجعل صاحب الفخامة الديناصور يفكر دون أن يجد في ذلك غضاضة في أن يبيع تاريخ البلد وتراثه وأرضه لمن يدفع الثمن البخس الزهيد.

 

لا شيء غير "الدنصرة" يشرح لنا كيف يلتهم الديناصور الأحزاب، ويشكل لنفسه حكومة يلتهم بها الدولة.

 

لا شيء غير "الدنصرة" يشرح لنا كيف يلتهم الديناصور الأحزاب، ويشكل لنفسه حكومة يلتهم بها الدولة ليتسنى له أن يلتهم بها الشعب نفسه، وليس لك أن تتعجب حين تسمع وتشاهد بأم عينيك صاحب الفخامة الديناصور يلتهم باسم الشعب تمثيل الشعب، وبالبلطجية الرسميين منهم قبل المسجلين خطراً يفرض على الجميع النسبة التي يريد الحصول عليها ليمارس مستريحا شئون "الدنصرة"، وهو لا يلتهم أصوات الناخبين الأحياء قبل الأموات فقط، ولكنه على استعداد لالتهام الناخبين أنفسهم إذا أبدوا رغبة في رفض حيتان صاحب الفخامة الديناصور الكبير، " فعندما يضرب البحر الصخور، ينبغي على القواقع الدنيا أن تدفع الثمن".

 

"الدنصرة" لا تتوقف عند حد، يزيدها الالتهام شهوة في الالتهام، وتغريها السهولة التي تمارس بها التهامها لكل ما تقع عليه بالرغبة في استمرار الأمر لها، واستقرارها عليه، شعارها المزمن هو: الاستمرار والاستقرار.

 

في بلد يحكم فيه صاحب الفخامة الديناصور لا يوجد قانون غير قانون "الدنصرة"، التي تقتل القتيل وتمشى في جنازته، وتلتهم عظامه قبل لحمه، وشرطة صاحب الفخامة الديناصور في خدمة "الدنصرة"، والسوط والزنزانة والسيف لمن يتخيل الكرسي فارغاً من جثة صاحب الفخامة. !

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    الفتى سلمان وصراع العروش

    مها عمر

    الفتى سلمان وصراع العروش

    عودة فتوة الحارة إلى السياسة العربية

    نعيمه أبو مصطفى

    عودة فتوة الحارة إلى السياسة العربية

    زيادات لا توازي الارتفاعات السعرية 

    ممدوح الولي

    زيادات لا توازي الارتفاعات السعرية 

    الاستفتاء.. والقضايا الكردستانية

    رجائي فايد

    الاستفتاء.. والقضايا الكردستانية

    كل من يَعِرف يقال

    مدحت نافع

    كل من يَعِرف "يقال"

    الحياة لهم.. ولنا

    أحمد جمال زيادة

    الحياة لهم.. ولنا

    هولاكو والمستعصم.. بالنعال !

    أسامة غريب

    هولاكو والمستعصم.. بالنعال !

    رسالة خاصة إلى سمو الأمير محمد بن سلمان

    ثابت عيد

    رسالة خاصة إلى سمو الأمير محمد بن سلمان

    حكاية جزر إماراتية 

    وليد بدران

    حكاية "جزر" إماراتية 

    خمسون عامًا من الهزائم

    خالد داود

    خمسون عامًا من الهزائم