رئيس التحرير: عادل صبري 05:23 مساءً | الخميس 19 أبريل 2018 م | 03 شعبان 1439 هـ | الـقـاهـره 37° غائم جزئياً غائم جزئياً

"دولة الضد" بعد "دولة كأن"

06 يوليو 2014

"دولة الضد" بعد "دولة كأن"

سيف عبدالفتاح

قبيل الثورة المصرية تحدثنا عن "دولة كأن" للتعبير عن المؤسسات الزائفة أو المؤسسات الديكورية التي توجد في الدولة والتي حاول هؤلاء من أصحاب السلطة أن يفرغوا هذه المؤسسات من مضمونها وجوهر وظائفها والاحتيال عليها ، فظل الأمر يتعلق بمفهوم لدولة المؤسسات يشير في حقيقة الأمر إلى مؤسسات شكلية لا تقوم بأي وظائف جوهرية، وفي ذلك الوقت أكدنا أن الحكومة لا تقوم بأدوارها وتحولت إلى حكومة "كأن"، كذلك فإن البرلمان تحول إلى مؤسسة لا تقوم في الواقع بدور تشريعي أو رقابي، إنه في حقيقة الأمر مجموعة من "الصفاقة" و"الوفاقة" تقر ما تريده السلطة وتحالفاتها وتؤكد على كل المعاني التي تتعلق بتأمين شبكات الفساد والاستبداد.

الأمر تحول الآن من الحديث عن "دولة كأن" إلى "دولة الضد" التي لا تقوم بوظائف حقيقية أو حتى ربما وظائف زائفة تغطي بها على الدور الأساسي لهذه المؤسسات ولكنها هذه المرة تقوم بأخطر الأدوار في القيام بأدوار "الضد" ومناقضة المقصود، فتقوم مؤسسات بنقض جملة وظائفها "كالتي نقضت غزلها".

أيها المتحدثون عن الدولة الوطنية المصرية، المتحدثون باسمها زورا وبهتانا، المدعون بنوتها، المحتكرون الانتساب إليها، الطاعنون في غيركم أنهم ليسوا منها ولا يعمل لها أو مصلحة شعبها أو أنه يعمل ضدها، وفي كل مرة يصدر أي قول أو عمل ينتقد السياسات أو يحذر من إجراءات فإنكم تدعون أن هذا الحديث ليس إلا تفكيكا للدولة وتهديدا لها، وأن أي نصح أو توجيه أو ترشيد هو بمثابة هدما للدولة ونقضا لها.

قلت لكم فيما سبق إنكم لا تفهمون الدولة!، وأقول لكم اليوم أنكم تعيشون "وهم الدولة"، أين الدولة التي عنها تتحدثون وتكتبون وتنافحون، أعن "دولة البطش" تدافعون، أم "دولة القمع" تؤيدون، أعن "الدولة القرصان" تبررون؟، وعن "الدولة اللص" ولفسادها تحمون، أم عن "الدولة البلطجي" التي تفرض كل أمر على عموم الناس بفعل الإتاوة أو قطع الطريق تخضعون؟، لقد صارت هذه الأوصاف من الأوصاف الحقيقية لا أوصافا مجازية وبدت الدولة في كل حركتها تعبر عن دولة انقلاب حقيقية تمارس أقصى درجات الفساد، وتمكن لشبكات الاستبداد، الأمر إذن انتقل من الاتهام بمؤسسات "كأن" في الدولة والتي تصور وهم المؤسسات وتُزيف أدوارها وهي ليست من المؤسسات في شيء، واليوم طفح الكيل، إننا نرى في الأفق وعلى الأرض "دولة الضد" الناقضة لكل جوهر، والناسخة لكل وظيفة، والمؤيدة لدولة العكس ودولة الضد تقوم بنقض وظائفها الجوهرية قيمة وفاعلية.

تعلمنا وعلّمنا أن للدولة مقاصد عدة تقوم عليها وتشكل مناط فاعليتها، فتكون الدولة دولة حينما تؤدي هذه الوظائف والأدوار بالفاعلية الواجبة، والتأكيد على السياسات اللازمة ،وابتداع الآليات الفاعلة لتمكينها، عن أي دولة إذاً تتحدثون؟، وأنتم تجعلون من مؤسساتها مسخا ومسخرة، حتى أصبحنا أمام دولة تستحق وصفا جديدا هي "الدولة المسخرة"، فتقومون بكل عمل ينقض كيانها وينسخ أدوارها، ويقوم بعمل الضد إستهانة واستخفافا بوظائفها ، غطرسة وإهانة وغباء وبلادة .

في كل مرة سيخرج علينا أولاد الدولة "وفى مسرح عودة الندل" من فلول الحزب الوطنى ولجنة السياسات يصرخون أو يلوحون أنها مؤامرة تفكيك الدولة ومؤامرة لاختطافها، أو أن ذلك وما يتم من سياسات تقوم على القمع تحت عنوان استعادة هيبة الدولة واستعادة للدولة المختطفة من الإخوان كذبا وادعاءً، يقصدون بذلك أن أي اقتراب من الدولة وفسادها، والدولة وشبكات استبدادها إنما يعد تفكيكا، وأن العودة إلى دولة القمع إنما يسمى استعادة الدولة من حال اختطافها، هؤلاء يجيدون هذا الأمر ويبررونه لمصلحة كل صاحب سلطة، ويقمعون بذلك كل معارضة أو احتجاجات.ويصفون الثورة المضادة بالثورة بينما يطلقون على الثورة الحقيقية فى يناير بأنها المؤمرة.

تعالوا إذاً نرى تحت المجهر "دولة الضد" ، كنا نتصور من قبل أن وزارة تقوم بشكل التعليم ولا تقدم جوهر وظيفتها بفاعلية أن تكون "وزارة تعليم (كأن)"، لكن أن تبث وزارة التعليم الجهل وترعاه وتنميه، وتجعل من الخروج عن كل أعراف  التربية والأدب والأخلاق ديدنا لها، ومنهجا دراسيا مختلا فيما يحمله من مضمون وقيم فلا يمكن إلا أن تكون وزارة الضد، وزارة ضد التعليم وضد التربية، هذه الوزارة التي يمكن أن نسميها وزارة اللاتربية واللاتعليم تقوم بتدشين كل عناصر القابلية للعبودية ومناهج التلقين التي تشكل غطاء لحالة استبدادية تصنع الطالب على أعينها، وتمرر حالات من الغش الجماعي في إطار يزور الحقائق والوقائع وتخرج في الامتحانات أخبار تسريب الامتحانات كأخبار يومية لا يلق لها بالا، فضلا عن ذلك تقوم تلك الوزارة بتخريب المحتوى التعليمي عن قصد بما تحمله من قضايا شديدة الخطورة فتحاول إحلال مادة الأخلاق بدلا من مادة التربية الإسلامية في حال استهانة واستخفاف بالأديان خاصة حينما يشكل ذلك دينا للأغلبية، ولا يمكننا أن نتغافل عن ذلك التعليم الموازي الذي بدا يتخذ من الدروس الخصوصية حالة عامة وجماعية تخرب كل الوظائف التعليمية ودور المدرس فيها حتى أننا يمكن أن نقول أنها وزارة الضد لا تربية ولا تعليم.

وهاهي وزارة الزراعة التي في حقيقة أمرها تشكل وزارة للازراعة تقوم على إنقاص الأراضي الزراعية لا زيادتها أوالحفاظ عليها ،ويتأكل الانتاج الزراعي لمصلحة اللوبي الذي ينتشر بين جنبات الوزارة لمصلحة الاستيراد من الخارج ،هذه الوزارة المسكونة بمافيا مستفيدة من الاستيراد لكثير من المحاصيل الزراعية، وتجعل من محاصرة الفلاح والتكلفة التي تزيد من عزوفه عن الاهتمام بأرضه أو بمحصوله الزراعي، وكأن هناك سياسات لتبوير الأرض الزراعية ، ويجعل من زراعة الأرض عملية مستحيلة، واختفت الميزات الحقيقية التي تتعلق ببعض المحاصيل الزراعية وعدنا مرة أخرى وتحت ضغط اللوبي المستفيد في وزارة الزراعة إلى التهوين من سياسات واستراتيجيات تتعلق بالاكتفاء الذاتي من القمح خاصة لتعلي مصالح شبكات الفساد على حساب مصالح شعب وقدرات أمة.

وهاهي وزارة الصناعة تقوم مع سبق الإصرار والترصد بتخريب كل الأدوات التي تتعلق باستراتيجيات التصنيع في مصر وتضييع العامل المصري وتحجيم المهندس المصري وترك العنان لرجال الأعمال الذين يقومون بكل عمل يحقق مصالحهم حتى لو كان بعيدا عن القيمة المضافة لمجال التصنيع وعمليات الانتاج، وصار الأمر مع نفاق رجل الأعمال الذى يحمي مصالحه بامتلاك صحيفة وتدشين قناة فضائية، ويتهرب من الضرائب وأدائها ويتلاعب بالبورصة ومقدراتها وفي النهاية فإن مجمل الانتاج الصناعي وصادراته تتآكل وتتراجع وربما تتلاشى.

أما وزارة الأوقاف فإنها تقوم على قاعدة من الإدارة بالدعوة في مسار تأميمها بل وقتلها لمصلحة السلطة والسلطان ، تقوم بتأميم الدعوة والمساجد القائمة بها وعليها وتصدر من الاجراءات تحت دعوى التنظيم فإذا بها تكر على أصل هذه "الدعوة" بالنقض والتجريم، وبدا هؤلاء يقومون ليس فقط بتأميم الدولة للدين ولكنهم يغتصبون مساحات الدعوة والدعاء لمصلحة السلطة، وبدا الأمر في إدارة الدعوة وكأن كادر أمني يقوم على إدارتها لا عمامة شيخ يقدر رسالتها، وصارت وزارة الأوقاف جزءا من مسار أمني ينقض كل عمل يتعلق بالوظيفة الدعوية الحقيقية التي يمكن أن تحدث نقلة نوعية في الخطاب الديني وتأثيره في عموم الناس.

أما عن وزارة الخارجية التي لم تعد تقوم بتخطيط رؤى استراتيجية حقيقية تقدم السياسات وتمكن لآليات يعبر عن المكانة التي يجب أن تتبوأها مصر على امتداد المعمورة، وزارة الخارجية صارت فرعا أمنيا للأسف الشديد، وصارت وزارة "المنجهة والأبهة والتنبلة"، لا تقوم بأي عمل حقيقي في صناعة المكانة بل هي أبعد من ذلك تقوم بعمل ممنهج لإهدار هذه المكانة منذ وقت ليس بالقصير، وصارت الوزارة تقوم بوزارة ضد، تزيد من عناصر وجودها ولكنها في ذات الوقت لا تقوم بأي عمل حقيقي يمكن أن يخدم رعايا مصر ومواطنيها، وبدت كل هذه السياسات والعمل الدبلوماسي عملا مظهريا لا يقوم بأي أمر يتعلق بتدشين سياسات تحفظ الأمن القومي وتقوم بكامل حركتها في تأسيس استراتيجيات حقيقية للسياسة الخارجية المصرية.

وهاهي وزارة الثقافة التي تقوم بإزدراء كل ما يتعلق بالهوية المصرية حتى أنها صارت تمارس الازدراء للدين الإسلامي ورموزه على نحو ممنهج، فقط تستطيع أن تتعرف على كل ذلك من ذلك الحوار الذي دار بين جابر عصفور ومن رد عليه من مؤسسة الأزهر على صفحات جريدة الأهرام المصرية، وزارة الثقافة في حقيقة الأمر صارت في خدمة اتجاه بعينه فبعد أن تحدث هؤلاء عن "أخونة الثقافة" فإنهم يقومون ومن كل طريق لتكريس "ثقافة مضادة للهوية والتدين".

أما عن وزارة الخوف وصناعته المسماه بالداخلية المهيمنة على كل شيء بالداخل فحدث ولا حرج، تعتبر الشرطة فيها في خدمة نفسها، لا تقوم برعاية الأمن أو حماية المواطنين بل هي في الحقيقة تروعهم وتستعبدهم وتهينهم وفي النهاية قد تقوم بقتلهم أو باعتقالهم وتعذيبهم فى السجون أو اغتصابهم وانتهاك أعراضهم ، عمليات لا يمكن تصور مداها إلا أن تكون مؤشرا على الترويع والتفزيع، إنها وزارة الضد حينما تقوم على عمل ممنهج لتضييع الأمن ولا تهتم إلا بأمن السلطة والسلطان، أمن الدولة جعلوه وكرسوه أمنا فقط للحاكم المستبد أو المغتصب أو المنقلب حماية للفساد في إطار يحرك المسار بأكمله إلى حالة أمنية بفهم قاصر للأمن لا يعي الوطن وهمومه ولا المواطن وألامه ومتطلبات معاشه.

وتأتي في النهاية وزارات المغارة أو وزارات النهب الممنهج التي تمثلها البترول والاستثمار والتموين والتجارة الداخلية وكذا وزارات الجباية وفي كل مرة سنرى استباحة للمال العام وفسادا يتمكن وتتزايد مساحاته، نحن هنا أمام وزارات بدا للبعض أن يسمي بعضها بالسيادية وهي تخرب معنى السيادة  بتقديمها كل سياسة تصب في مصالح دول أخرى لا مصالح الدولة المصرية، وفي إطار تتحرك فيه المصالح المتوهمة الآنية والأنانية لبعض الفئات من ذوى المصالح، وتقوم هذه الوزارات جميعا بسياساتها تلك بسياسات الضد لا تقيم استثمارا ولا تحقق تنمية حقيقية لمصلحة المواطن.

نستطيع أن نتحدث عن وزارات أخرى تقوم بدولة الضد إلا أنه يطول بنا المقام ولكن نقول فى النهاية  لهؤلاء الذين يتحدثون عن الدولة وعن حياضها ،فنقول لهم وبلا مواربة أنتم الهادمون للدولة حقيقة وجوهرا، دورا ووظيفة، غاية ومقصدا، تقومون بكل عمل ينقض فعلها ولا يحمي أبنائها، ولا يحفظ حقوقها، إنكم في حقيقة الأمر ضد الدولة (الحقيقية) بتمكين دولة الضد الموهومة،(وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون).

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    البطل عادل صبري

    ثابت عيد

    البطل عادل صبري