رئيس التحرير: عادل صبري 05:45 مساءً | الأربعاء 15 أغسطس 2018 م | 03 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

طفلك المعاق.. لا يعنى انكسار أحلامك

طفلك المعاق.. لا يعنى انكسار أحلامك

رشا عبيد 14 يناير 2014 09:19

مرت سنوات، ولم يغب عن ذهنى صورة مدرستى التى قابلتها ذات يوم فى جميعة رسالة، وإذا بها تتوارى خجلا بين الناس حتى لا أراها بطفلها المعاق.. أردت أن أُنهى الموقف بلطف، وأسرعت مبتسمة إلى طفلها أحتضنه وألعب معه وأتحدث معها كيف أنه ملاك جميل، وأتذكر أننى ظللت برفقته طوال جلسة العلاج الطبيعى الخاصة به أبتسم إليه وأساعده...

قسوة قلب مدرستى لم تكن السبب الحقيقى وراء خجلها من طفلها المعاق، ولكنها قسوة المجتمع الذى نعيش فيه ونظرته القاسية وغير العادلة لذوى الاحتياجات الخاصة.

 

تقول "رانيا": بعد تسعة أشهر من زواجى رزقت بطفل، ولظروف ولادتى الصعبة توفى الطفل بعد يوم من ولادته بعد أن أكد الطبيب المعالج أنه أصيب بتلف فى أنسجة المخ بسبب قلة وصول الأكسجين إليه، وتواصل رانيا: لم ينشغل أحد بمدى لهفتى عليه وانتظارى له تسعة أشهر ولكنهم كانوا فرحين، قائلين لى "احمدى ربنا أنه مات بدلا من أن يكون لديك طفل معاق، المفروض تفرحى مش تزعلي"....

 

صدمة الأم

عندما ترزق الأم بطفل معاق، حتى وإن حمدت الله، فإنها تشعر بصدمة حقيقية لأنها كانت مهيأة لاستقبال طفل سليم معافى وليس طفلا معاقا، ويتخلل إليها مشاعر الإحباط واليأس بعد انكسار أحلامها الوردية طوال أشهر الحمل وانتظارها لمولودها الجديد والجميل، وقد تفيق من الصدمة بعد فترة وتبدأ فى ممارسة حياتها ورعاية طفلها وأحيانا أخرى لا تستوعب الصدمة وتظل مقتنعة بأن طفلها طبيعي، وتتعامل معه أمام المجتمع على أنه طبيعى وتسعى بشتى الطرق لإلحاقه بالمدارس العادية مع الأسوياء دون تقدير لمشكلة طفلها ويظهر ذلك بوضوح فى حالات الإعاقات غير الملحوظة.

 

يقول "أحمد" مدرس: طُلب منى أن أعطى درسا خصوصيا لطالبة فى الصف الأول الإعدادي، وبالفعل وافقت، المشكلة أننى اكتشفت أن الطالبة ليس لديها أى قدرة على استيعاب ما أقوله، وبتعاملى معها تأكدت أنها من ذوى الاحتياجات الخاصة ولا تستطيع حتى فهم منهج الصف الأول الابتدائي... أشفقت عليها وبدأت معها بالحروف الهجائية، وعندما دخلت الأم وتابعت ما أقوله لابنتها حدثت مشادة كلامية بيننا وأصرت على تدريس منهج الصف الأول الإعدادى لابنتها ولا مانع من ضربها بشدة حتى تستوعب.. ويواصل: خرجت مقررا ألا أعود وقابلت والدها عند الباب وشرحت له الموقف، ولكنه رد بكل ضعف وحسرة "أنا عارف، بس أمها اللى عايزة كده" خرجت مشفقا على الفتاة وأخذت أتساءل: كيف نجحت حتى وصلت الصف الأول الإعدادى وهى لا تعرف مجرد الحروف التى يتقنها من فى الصف الأول الابتدائي!!!

 

فهل ولادة طفل معاق تعنى نهاية العالم؟

 

وكيف تستقبل الأم مولودها المعاق وتقدمه للمجتمع؟

 

كلنا مذنبون

بداية تعلق دكتورة بسمة جمال، مستشارة العلاقات الأسرية والزوجية، وتقول: تصاب أى أم بصدمة إذا رزقها الله بطفل معاق ولا تفكر إطلاقا أن الله قد اصطفاها بنعمة وكائن من الجنة، نعم نقول ابتلاها به، واختارها الله لهذا البلاء وهو يعلم أن هذه الأم أهل له.

 

وتواصل: ولادة طفل معاق ليس نهاية العالم أو موت أحلام الأم التى طالما رسمتها لطفلها حتى وهو جنين فى بطنها، ومن الممكن أن تحول الأم إعاقة طفلها إلى أسطورة من النجاح مثلما تستطيع أن تقتله بنظراتها، فهو يحتاج فقط لمزيد من الدعم والمحبة أكثر من أى شيء.

 

وتضرب دكتورة جمال مثالا لنيكولاس فوجيسيك أشهر معاق بالعالم والذى ابتلاه الله بعدم وجود يدين أو قدمين، فتقول: لقد قال له والده: "تستطيع أن تهزم إعاقتك، وكم من سليم لم يكن له تأثير فى الحياة وفشل"، فقد أعطاه والده أهم درس فى الحياة وهو أن النجاح لا يرتبط بإعاقة، كما أعطاه مزيدا من الدعم والثقة به وبقدراته حتى أصبح أشهر النماذج وقدوة لنا نحن الأصحاء.

 

 وتكمل: لذلك على الأم أن تثق بقدرات ابنها وتؤمن بها لأنها إن لم تدعمه وشعرت بالخجل منه فكيف تطلب من المجتمع أن يتقبله؟ كذلك على الأم أن تبحث عن مواطن التميز التى يستطيع أن يبدع فيها بمساعدة متخصصين، وأخص الأم لأنها تتحمل العبء الأكبر فى تربية طفلها المعاق.

 

وتتابع: بعد الأم كدور أولى فى حياة المعاق، يأتى دور المجتمع، مؤكدة أن الإعاقة الحقيقية هى تطبيقنا للأفكار المعاقة وتقسيم المجتمع إلى أصحاء ومعاقين، وإهمال حق المعاق على كافة المستويات، وليس مقبولا منا أن ننفر من المعاقين وننظر اليهم بكل قسوة وغلظة أو بنظرات الخوف والشفقة، فهو إنسان ومواطن مثلنا وقد نكون مكانه فى يوم، فنحن من نكون المجتمع وليس المجتمع من يكوننا.

 

وتختم المستشارة الاجتماعية بنصيحة لكل فرد: ضع نفسك مكان من أمامك قبل أن تشعره بعدم تقبلك له وعليك أن تعلم أنك كما تدين تدان فإياك أن تعامل الشخص الذى ابتلاه الله أنه ناقص أو معاق فقد يكون لديه من القدرات والمواهب والطاقة أفضل كثيرا منك، وأتمنى من المجتمع أن يقوم بعمل دور رعاية متخصصة ومراكز تأهيل لمساعدة هؤلاء ودمجهم فى المجتمع وكذلك تأهيل أمهاتهم فى كيفية التعامل مع طفلها المعاق وبناء الثقة فيه والرد على نظرات أى فرد يريد الإساءة إليه، وأنا أثق أننا نملك الكثير من المتخصصين فى هذا المجال ممن يمتلكون قلبا نقيا ويريدون حقا مساعدة هؤلاء الأطفال بإذن الله.

 

دور الأسرة والمجتمع

وتتفق فى الرأي، نورا منير، أخصائية التخاطب وتنمية المهارات، وتقول: غالبية الإعاقات تنتج عن زواج الأقارب أو عوامل وراثية، وعند علم الزوجين بهذه الاحتمالات قبل الزواج يتم استدراكها لأنهم يستشعرون الخوف والرهبة من إنجاب طفل معاق، ولهذا يقدمون على عمل التحاليل اللازمة واستشارة الطبيب، وفى حالة حدوث حمل يتم المتابعة الدقيقة للجنين.

 

وتتابع: أما إذا رزق الله الزوجين بطفل معاق، تصاب الأم بصدمة وخوف من المواجهة وتتساءل: كيف سأتعامل معه؟ وهنا عليها أن تتأقلم مع الوضع الجديد لأن عدم تأقلمها سيزيد الموضوع صعوبة ويأتى بنتائج سلبية عليها وعلى طفلها.

 

وعن استقبال الأم للطفل المعاق تقول: بداية لابد من الرضا بأمر الله، أى لابد أن تعرف أن هذا قدر من الله وامتحان، وعليها اجتيازه والرضا بمشيئته وتعترف بأن طفلها ليس له يد فى إعاقته حتى لا يعود ذلك بالسلب على تعاملها معه وتحميله مسئولية إعاقته وكأنه هو من اختارها، وكذلك عليها ألا تلوم نفسها وترى فى طفلها عقابا لها على جريمة ارتكبتها، وعلى الزوج فى هذه المرحلة أن يكون جنبا إلى جنب مع الزوجة ويساعدها فى تخطى هذه المرحلة لأن الدور الأكبر فى مساعدة الطفل سيقع على عاتقها، وينبغى أن تكون العلاقة بين الوالدين علاقة يسودها المودة والمحبة لصالح الطفل.

 

وتكمل: وهنا يأتى دور المرحلة التالية، وعليها أن تتحدث مع الطبيب المعالج وتتعرف على طبيعة إعاقة طفلها وطريقة التعامل معه، وعلى الطبيب أن يعلمها بالأسباب الصريحة لحدوث هذه الإعاقة حتى تكون على علم وتتجنب حدوثها إذا فكرت فى الإنجاب ثانية.

 

وعلى الأم أن تعلم أيضا أن العلاج ودورات التأهيل للطفل كلما كانت فى جو من الحب والمرح والتفاؤل وتقبل الأهل للطفل كانت استجابته للعلاج بشكل أسرع وأحسن والعكس صحيح، فكلما كان تأهيل الطفل المعاق تحت وطأة من ضغط الأسرة وكرهها وعدم تقبلها لهذا الطفل، يكون لذلك أثر سلبى على مدى استجابة الطفل للعلاج والتأهيل، وهنا أعيب على الكثير من الآباء الذين لا يتحملون أعباء طفلهم المعاق، ففى مراكز التأهيل غالبا ما تأتى الأم بطفلها دون الأب، وعندما نسأل عن الأب تكون الإجابة صريحة بأنه لا يرغب فيه.

 

وتختم منير بنصيحة لكل أم رزقها الله بطفل معاق أن تعامله معاملة جيدة بعيدة عن القسوة أو الخجل منه أمام المجتمع وفى نفس الوقت ألا تلجأ للتدليل الزائد حتى يواجه المجتمع بشكل طبيعي، وكذلك على إخوته ألا يسيئوا إليه ويتفاعلوا معه دون أن يشعروه بإعاقته وضعفه، ودون استخدام أى من الكلمات المسيئة إليه.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان