رئيس التحرير: عادل صبري 05:04 صباحاً | الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م | 02 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

"وائل أبو هندي" يكشف طرق علاج الوسواس القهري

"وائل أبو هندي" يكشف طرق علاج الوسواس القهري

سمية الجوهري 06 يناير 2014 11:00

في حياة كل منا مجموعة من المشاعر والمعتقدات والأفكار التي تلازمه في مسار حياته.. يعمل بها وربما تؤثر عليه ليجعلها مصدر أفعاله وسلوكه، ومنها مشاعر القلق والخوف، الحب والكره والاعتقادات المرتبطة بالتفاؤل والتشاؤم..

وإلى الآن فهي معتقدات ومشاعر عادية في حياة كل منا.. لكن إذا أصبحت تلك المعتقدات والسلوك والمشاعر زائدة عن الحد كأن تستغرق سيدة في تنظيف بيتها طوال الليل والنهار وكلما تنتهي تعيد تنظيفه من البداية أو يستغرق شخص ما في الوضوء ساعات وساعات رغم أنه توضأ وأنهى وضوءه أكثر من مرة، فعندئذ يشخص الأطباء تلك الحالة على أنها وسواس قهري، ففي مرض الوسواس القهري، يبدو وكأن العقل قد التصق بفكرة معينة أو دافع ما وأن العقل لا يريد أن يترك هذه الفكرة أو هذا الدافع.

 

"مصر العربية" تحاور أ.د وائل أبو هندي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الزقازيق ورئيس شعبة اضطرابات نطاق الوسواس القهري باتحاد الأطباء النفسانيين العرب ومؤسس موقع "مجانين دوت كوم"، ليجيبنا عن كل ما يخص اضطرابات الوسواس القهري ومسبباته وكيف يتعرف الشخص على أعراضه وطرق علاجه.

 

في البداية ما الوسواس القهري؟

اضطـراب الوسواس القهري هو أحد أنواع اضطرابات القلق النفسي، ويتميز بتسلط فكرة (أو صورة أو اندفاعة أو رغبة أو شعور) معينة على العقل (مثل الشك في عدم نظافة اليدين) ويصاحب ذلك تكرار فعل معين بدون داع (مثل تكرار غسل اليدين لعدة مرات متتالية) مع أن المريض يدرك تماماً ما يفعله بل أحيانًا يحس بأنه لا لزوم لتكرار هذا الفعل ولكنه يجد نفسه مدفوعًا لتكراره.

 

ويتكون الاضطراب من جزئين رئيسيين:

الأحداث العقلية التسلطية (الوساوس) Obsessions:

وتتميز بأربعة أشياء :

 

         محتوى عقلي معين (فكرة، صورة، اندفاعة، رغبة) يسيطر على التفكير.

         هذه المحتويات لا تكون لها صلة بالمشاكل الحياتية التي يتعرض لها المريض.

         يعي المريض تماماً أن هذه المحتويات نابعة منه هو وليس لأي شخص آخر دخلٌ بها.

         محاولة مجاهدة النفس لتجاهل هذه المحتويات العقلية ونسيانها وعدم تكرار الفعل مما يشكل ضغطًا نفسيًا عليه.

2.         الفعل القهري (الإجباري)


- تكرار هذا الفعل لعدة مرات على الرغم من رغبة المريض بإيقاف هذا الفعل إلا أن الرغبة لتكرار الفعل أقوى منه مثل تكرار غسيل اليدين عدة مرات على الرغم من نظافتها أو تكرار عد رقم معين وإعادته في العقل لمرات عديدة دون ضرورة لذلك.


- يحاول المريض أن يتخلص من المحتوى العقلي التسلطي بصفة مستمرة بأداء فعل ما، وكلما أجبر نفسه على إيقاف هذا الفعل يتعرض لضغط نفسي عنيف مما يؤدى به إلى معاودة الفعل مرة أخرى.


* (وهنا لابد من التنبيه إلى أن كثيرين في مجتمعاتنا ينسبونها إلى الشيطان وهو ما لا يطعن في التشخيص لأن هناك فرقا بين وسوسة الشيطان وغيرها من الوسوسة، وليس مطلوبا من الرجل العادي أن يدرك ذلك).

 

** (حيث يدرك مريض الوسواس أن هذه المحتويات لا أساس لها من الصحة بعكس المريض الذهاني الذي يعتقد بصحة محتويات عقله)

هل هو مرض طبي أم مرض نفسي؟

لا يوجد فرق الآن بين المرض الطبي والمرض النفسي من حيث تظنين بمعنى أن المسألة لم تعد مرضًا طبيًا أسبابه طبية عضوية في مقابل مرض نفسي أسبابه نفسية، في كل الأمراض هناك تغيرات عضوية وكيميائية وتغيرات نفسية إلا أن التغيرات النفسية فيما يصنف كمرض عضوي تقليدي تبدو ثانوية لأعراض أو أمراض عضوية أسبابها واضحة معروفة مثلا القلق والاكتئاب يكاد يصاحب كافة الأمراض العضوية المزمنة كالضغط والسكر والقلب إلخ، بينما فيما يصنف كمرض نفسي تقليدي نجد التغيرات النفسية أمامنا ولا نعرف سببا لها أوليًا، أي أن الأعراض النفسية لا تبدو ثانوية لسبب نعرفه، ولهذا وغيره من الأسباب أهمل الطب الحديث هذه الثنائية طبي عضوي مقابل طبي نفسي، لكن الأهم من ذلك هو أن كون مرض ما عضويا لا ينفي إمكانية العلاج أو التحسن بوسائل غير عضوية كما أن كون مرض ما نفسيا لا ينفي إمكانية تحسنه بوسائل عضوية، ..... المشكلة هي في النظرة الأحادية التي تصر على رؤية الأشياء كلها راجعة للمادة.      

 

ما الفرق بينه وبين الأمراض العقلية؟

أخشى أن هناك خلطًا بين ثنائيتين إحداهما هي طبي عضوي مقابل طبي نفسي والأخرى هي مرض نفسي ومرض عقلي على أساس أن النفسي يقوم بعلاجه غير الأطباء بينما العقلي يقوم بعلاجه الأطباء .. هذا خلط وابتعاد عن الواقع، وطبيا انتهت كل هذه التصنيفات ولم يعد هناك شيء في الأمراض النفسية اسمه عقلي وشيء اسمه نفسي إنما كلها اضطرابات نفسية، ويشترك في علاجها الطبيب النفساني والأخصائي النفسي والاجتماعي وأحيانا رجل الدين.

 

هل هناك مصادر للوسواس وما هي وما أسبابه؟

هناك نظريات عديدة تحاول شرح الكيفية التي تتحول به فكرة عادية كالتي تطرأ على بال أي إنسان إلى فكرة تسلطية (وسواسية) وأفضل هذه المحاولات هي النظرية المعرفية السلوكية التي تشير إلى أن الفكرة تتحول إلى فكرة تسلطية لأن الشخص يوليها أهمية مفرطة وينزعج منها بشدة محاولا التخلص منها فتكون النتيجة زيادة شدتها وإلحاحها... إلا أنه لا يوجد أي نظرية علمية حاولت الرد على سؤال ما هو المصدر الأولي للفكرة الوسواسية... الإجابة توجد فقط في الأديان السماوية التي ترد ذلك إلى الشيطان.   

 

ما أعراض الوسواس القهري؟

باختصار شديد للوسواس القهري نوعان أساسيان من الأعراض الأول هو الأحداث العقلية التسلطية أو الوساوس وهي أي محتوى عقلي مزعج للشخص أو منافٍ لمبادئه أو غير صحيح أو مبالغ فيه بشدة يتميز بأنه يقتحم الوعي ولا يمكن التخلص منه كما يستطيع الإنسان مع أي محتوى عقلي غير مرغوب فيه ويتميز أيضًا بأنه يسبب مستوى عال من القلق والتوتر للشخص مع نزوع لفعل ما يقلل ذلك القلق، والنوع الثاني من الأعراض هو ما نسميه بالأفعال القهرية أو القهورات وهي الأفعال العقلية (كتصور شيء ما أو تلاوة آية ما أو العد... إلخ) أو الأفعال الحركية التي قد تتمثل في التحقق أو التكرار أو التحاشي (التجنب أو التلافي لكل ما من شأنه أن يفجر الوسواس أو يزيد من احتمالات حدوثه مثل ارتداء القفاز قبل لمس مقابض الأبواب)..إلخ، والتي تؤدي إلى تقليل القلق الناتج عن الوسوسة أو تقليل حدوث الوساوس نفسها.

 

كيف نعلم أننا نعاني من وسواس قهري؟

عندما نجد أننا نضطر لفعل الشيء ثم تكرار فعله أو نجد أننا نقلق أكثر من اللازم أو نسأل أكثر من اللازم أو نجد صورًا عقلية معينة أو أفكارًا معينة مرفوضة من جانبنا لكنها تفرض نفسها علينا، أو نجد أننا لا نشعر بالراحة المطلوبة عند اكتمال فعلنا لشيء معين ونجد لدينا الرغبة في التأكيد على الفعل أو الاستمرار فيه إلى حين الشعور بالراحة ...إلخ. الجوهر هو الشعور بالقهر على نشاط عقلي أو حركي معين سواء كان ذلك يزيد القلق في حالة كونه وسواسًا أو يقلله مرحليًا في حالة كونه فعلاً قهريًا.

 

هل يجب ارتباط الوسواس بالأفعال القهرية؟

نستطيعُ تقسيم مرضى اضطراب الوسواس القهري على أساس نوعية الأعراض من ناحية كونها أفكارًا تسلطيةٌ فقط أو أفعالاً قهريةٌ فقط أو الاثنين معًا وذلك حسب الدراسات الغربية إلى:

 

1- مرضى يعانون من أفكار تسلطية فقط وتبلغ نسبتهم............................ 9 %.

2- مرضى يعانون من أفعالٍ قهرية فقط وتبلغ نسبتهم........................... 1 %.

3- مرضى يعانون من أفكار تسلطية وأفعال قهرية وتبلغ نسبتهم................ 90 %.

 

إذن فالغالبِيَّـةَ العظمى أكثر من90% - 95% من حالات الأفعال القهرية تكونُ مصحوبَةً بأحداثٍ عقلية تسلطية والعكس أيضا صحيح ففعلُ غسلِ الأيدي مثلا يكون مصاحبا لأفكارٍ أو أحداثٍ عقلية تسلطيةٍ متعلقةٍ بالنظافة أو التلوث ويكون غسل الأيدي المتكرر هو السبيل الوحيد ليستريح المريض ولو قليلاً من تلك الأفكار، وأفعالُ إعادةِ التأكُّـدِ "التحقق" القهرية تكونُ مصاحِبَةً لأفكارِ وشكوك تتعلقُ بإتمام فعل ما على أتمِّ وجه!، وإعادةُ التأكُّدِ أو التحقق هنا هي أيضا السبيل الوحيد للتقليل من حدة وإلحاح الشكوك على وعي المريض.

 

ولكنَّ الرَابطَةَ بينَ الفعل القهريِّ والأحداث العقلية التسلطية لا تكون دائمًا متسمًـةً بشيء من المنطق، وإن كانت منطقيةُ الرابطةِ مبالغًا فيها، بل يحدثُ أحيانًـا ألا يكون هناك أي نوع من الربط المنطقي بين الظاهرتين كأنَّ يجد المريض نفسهُ مضطَـرًا إلى البقاء واقفًا على أطراف أصابعِ رجليه طوال الليل لكي لا تغرق السفينة التي يسافر فيها أولاده في ظلام البحر! وكذلك هناك حالات تكون الأفعالُ القهرية فيها غير مصحوبة بأفكار تسلطية ولا يكون لدى المريض تفسيرٌ لأفعاله إلا أنها تعطيه شيئًـا من الراحة.

 

مرض الاكتئاب هل له علاقة أيضًا بالوسواس؟

هناك حوالي 60% أو أكثر مرضى اضطراب الوسواس القهري من يعانون من فترات اعتلال مزاجي كالاكتئاب يبدو حدوثها مستقلاً عن أعراض الوسواس القهري لأنه لا يرتبطُ بفترات زيادة الأعراض القهرية، وهكذا لا نستطيع في مثل هذه الحالات أن نرجع سبب أعراض الاكتئاب إلى رد فعل المريض على أعراضه القهرية، ويثور التساؤل حول ماهية هذه الأعراض الاكتئابية هل هيَ جزءٌ من اضطراب الوسواس القهري؟ أم هيَ أعراض أضطراب اكتئابٍ جسيم قائم بذاته في نفس المريض باضطراب الوسواس القهري؟



العلاقةُ بينَ الاكتئاب والوسواس القهري قديمةٌ فأولَ منْ نبهَ إلى وجود علاقة بين الوسواس القهري والإكتئاب كانَ حجة الطب الإسلامي أبو بكر الرازي (854 –932 م) في القرن التاسع/العاشر، كما أطلق الرازي على إضطراب الإكتئاب الجسيم أسم الوسواس السوداوي وهو بذلك سبق كل الغرب في الإنتباه إلى هذه العلاقة، ولكن العلاقة جديدةٌ أيضًـا لأن النظرَ إلى نوعية الأدوية التي تعالجهُ يجعلنا نفكرُ مرةً أخرى في هذه العلاقة، فكلُّ العقَّـاقير التي تعالجُ إضطراب الوسواس القهري إنما هيَ عقاقير تعالجُ الإكتئاب أصلا بغض النظر عن وجود أعراض وسواس قهري أو عدم وجودها في المريض، لكنَّ العكس غيرُ صحيح فليست كل العقَّـاقير التي تعالجُ إضطراب الإكتئاب الجسيم تصلحُ في علاج إضطراب الوسواس القهري إذ لابد من أن تكونَ لها مفعولُ زيادة الناقل العصبي السيروتونين في مشابك الإلتقاء العصبي.
 

ما نسبة الإصابة بالوسواس عندنا؟ وما مدى هذه النسبة؟

تبدو النسبة مرتفعة عندنا عنها في الغرب حيث ينتشر اضطراب الوسواس القهري في حوالي (2 إلى 3٪ ) من السكان وقد أظهرت بعض الدراسات الغربية أن انتشار هذا الاضطراب في المرضي النفسيين بنسبة (10٪)  وتظهر هذه النسب أن الوسواس القهري هو رابع الأمراض النفسية شيوعا بعد الخوف المرضي والاضطرابات التي تعزى إلى إساءة استعمال مادة مخدرة والاكتئاب الجسيم.

 

لو قارنا بنسبته بين الرجال والنساء فمن أكثر عرضة له؟

يتأثر الرجال والنساء الراشدون باضطراب الوسواس القهري بنسبة متساوية بينما في المراهقين فإن الذكور يتأثرون بشكل أكبر، وعموما فإن السن التي يبدأ فيها الاضطراب هي العشرين ولكن البداية في الذكور تكون في عمر أقل قليلا (19 عاما) من النساء ( 22عاما).

 

هل للوسواس علاج ؟ وما هو؟

نعم للوسواس علاج عقاري وعلاج معرفي سلوكي الأول يعطي راحة مرتبطة نوعًا بالبقاء على العقار وأما الثاني فإن من يكمله يبرأ بالفعل من الوسواس وفي بلادنا من الأفضل الجمع بين النوعين من العلاج مراعاة للبعد الاقتصادي حيث يكون العلاج المعرفي السلوكي في غياب العقاقير أكثر كلفة.

 

هل نستطيع أن نقول إن الوسواس القهري له علاقة بالوراثة؟

بعض الأشخاص يكون لديهم الاستعداد الوراثي لمرض الوسواس القهري. ولكن مثل هذا الاستعداد لا يعبر عن نفسه دائما. أي لا يؤدي إلى ظهور المرض. وفي بعض الأحيان يتم ظهور أعراض الوسواس القهري بسبب حادثة أو وجود توتر نفسي شديد، ولكن لابد أن يكون للشخص ميل مسبق لمرض الوسواس القهري ليصاب به... ويلعب العامل الوراثي دوراً مهماً فـي نشأة الوسواس القهري, فقد وجد أن بعض أبناء المرضى بالوسواس يعانون من نفس المرض, وكذلك الإخوة والأخوات, هذا غير باقي أفراد الأسرة الذين يعانون من الشخصية القسرية (الوسواسية)... وأما الدراسات التي أجريت على التوائم فبينت أن التوائم المتماثلة (التي تنتج من تلقيح حيوان منوي واحد) يكون نسبة الإصابة بها حوالي 65٪ (أي أذا كان احد التوائم مصاباً بالوسواس القهري فإن نسبة إصابة الآخر هي 65٪) وهذه نسبة عالية تدل على الدور الكبير الذي تلعبه الوراثة في انتقال هذا المرض. وكذلك وجدت الدراسات أن أقارب مرضى الوسواس القهري تكون لديهم أعراض وسواسيه وقهرية أكثر من الأشخاص العاديين.

 

في النهاية ما أهم نصائحك لتجنب الوسواس القهري؟

لا توجد طريقة معينة ولا مدروسة للوقاية من الوسواس القهري باعتباره مرضًا في الأغلب ذي أساس وراثي ... إلا أنه بناء على خبرتي الإكلينيكية من المهم مثلا للمريض بالوسواس ألا يتزوج من مريضة بالوسواس ويفضل ألا يتزوج من قريباته، كما أنه من المهم أثناء تربية الطفل في أسرة ينتقل فيها الوسواس أن ننتبه إلى مفاهيم معينة محاولين تربية الطفل على غيرها منها الكمالية والمثالية وفرط النظافة فمثلا يمكننا ترك هذا الطفل يأكل قطعة خبز أو حلوى بعد سقوطها على الأرض ويمكننا كذلك حثه على عدم الاهتمام بالتناسق أو التناظر أو فرط الترتيب، كما يجب عدم الإفراط في تحميله المسئولية ويجب كذلك الانتباه إلى أي مفهوم نزرعه فيه لله عز وجل فكثيرون تبدأ مآسيهم بسبب أب أو أم يفرطون في إخافة الطفل من عقاب الله ويهملون تعليمه الاستغفار والتوبة ... وليست أي طريقة من هذه مثبتة علميا لأنه حتى الآن لا توجد دراسات.   

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان