رئيس التحرير: عادل صبري 09:18 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

محاولة لفهم التركيبة النفسية للمتحرش

محاولة لفهم التركيبة النفسية للمتحرش

سمية الجوهرى 30 ديسمبر 2013 12:34

أتذكر تلك اللحظة جيدا ولم يغب عن بالى ذلك المشهد من وقت حدوثه ..سيدة فى الخمسين من عمرها ترتدى جلابية سوداء اللون وتضع  طرحة سمراء مهدولة على رأسها بطريقة عشوائية وفى يديها أكياس ثقيلة وفوق رأسها شنطة أثقل مما فى يدها، ومن ملامحها للوهلة الأولى تعلم وبدون عناء فى التفكير أنها بائعة تشترى مستلزمات تجارتها الصغيرة وفى طريقها للعودة إلى بيتها ..ومازلت تقف أمام باب الميكروباص وبجانبها شاب وسيم فى وسط العشرينات يرتدى بدلة أنيقة ويحمل شنطة لاب توب سوداء فتعلم أيضا دون جهد أنه شاب خريج جامعة وميسور الحال وفى طريقه للعودة من العمل أيضا .

الحوار بينهم

الحاجة: اتفضل يابنى أنا هاركب على الطرف عشان معايا شنط

 

الشاب: لا ياحاجة اتفضلى انتى لأنى نازل قبليكى ومش عايز أنزلك كل شوية

 

الحاجة: طيب شكرا يابنى ممكن تساعدنى إنى ادخل الشنط

 

الشاب: طبعا ياحاجة وتحبى أى مساعدة تانية

 

الحاجة: إزازة ميه لو تسمح

 

الشاب: بكل سرور

 

حتى انبهر جميع الركاب من كرم أخلاقه وذوقه وأدبه وتحرك الميكروباص فى طريقه وسند كل منهما ظهره على كرسيه من التعب بعد يوم شاق من العمل والزحمة والأحداث الساخنة فإذ بنا ننتبه لصوت متذمر بدأت صيحاته تعلو كلمة تلو الأخرى فنجد أنه صوت السيدة العجوز موجهة كلامها للشاب الذى بجانبها قائلة

 

الحاجة: لو ماتعدلتش هاديك قلم يفوقك

 

الشاب: أنا جيت جمبك

 

الحاجة: يابنى عيب عليك ده أنا أصغر عيل من عيالى أكبر منك

 

الركاب: فى إيه ياحاجة بس حصل حاجة

 

الشاب: على جمب ياسطى نزلنى هنا (فى وسط الطريق)

 

السواق: فى إيه ماينفعش اقف كده فجأة

 

الركاب: استنى يابنى أنت عملت إيه وإيه اللى حصل

 

فقبل أن تنطق السيدة بأى كلمة أخرى فتح الشاب الباب وقفز مسرعا من الميكروباص قبل أن يكتشف الركاب فعلته

 

الركاب: فى إيه ياحاجة إيه اللى حصل عشان الولد ده ينط من العربية كده

 

الحاجة  كل شوية يحط ايده على رجلى وأشلها يحطها تانى وأنا اللى مفكراه مؤدب

 

فاتكأ كل من الركاب مرة أخرى على كرسيه ولكن تلك المرة فى حالة ذهول من تصرف ذلك الشاب ..فماذا يريد شاب فى ذلك العمر من سيدة أزال الزمن ما تبقى منها من معالم للأنوثة والجمال، ماذا يريد شاب صغير ووسيم من لمسة خاطفة من تلك العجوز الذى أفقدها السن معالم الإثارة فى جسدها ..لماذا يضع ذلك المتحرش نفسه فى تلك المواقف مقابل لمسة لا حول لها ولا قوة، فما سيكولوجية ذلك المتحرش، ولأن هذا السؤال طرح نفسه وبشدة على أذهاننا جميعا كان علينا تقديم الإجابة لمحاولة فهم شخصية المتحرش وتركيبته النفسية التى تجعله أسير تلك الأفعال القبيحة والخادشة للحياء

 

سيكولوجية المتحرش وأنواعه

يقول الدكتور محمد المهدى الاستشارى النفسى، فى جزء من مقاله (كيف تقى نفسك من التحرش) إن التركيبة النفسية للمتحرش قد تكون وفقا للمحاور الآتية:

 

1 –  قد يكون المتحرش من النوع السادي: الذي لا يستمتع بالعلاقات الجنسية العادية وإنما يسعده أن يأخذ ما يريده من الطرف الآخر بقدر من العنف والإجبار والقهر

 

2- أو يكون من النوع الاستعرائي الذي يجد متعته في استعراض أعضائه التناسلية أمام الضحية ويستمتع بنظرة الدهشة والاستغراب والخوف على وجه من يراه وكثير منهم تحدث له النشوة ويقذف لمجرد حدوث هذه الأشياء.

 

3- وهناك النوع التحككي الذي يجد متعته في الالتصاق بالضحية في الزحام والتحكك بها حتى يصل إلى حالة النشوة والقذف.

 

4- أما النوع الهستيري فيغلب وجوده في النساء حيث تتحرش المرأة الهستيرية بالإغواء والإغراء للرجل الضحية لفظيا وجسديا حتى إذا تحرك نحوها صرخت واستغاثت بمن حولها لإنقاذها من هذا الحيوان الذي يريد اغتصابها، والشخصية الهستيرية تفتقد للثقة بنفسها لذلك تسعى للإغواء والإيقاع بالضحية لكي تطمئن على قدرتها على ذلك ثم تتعمد توسيع الدائرة لكي يعلم عدد من الناس كم هي مرغوبة ومطلوبة وكم هي جذابة لدرجة تخرج الناس عن طورهم.

 

 نماذج مرضية

كل النماذج السابقة تعتبر نماذج مرضية مضطربة، والتحرش لا يقتصر على تلك النماذج بل يمكن أن يحدث من أشخاص عاديين في ظروف تشجعهم على ذلك، وهذا ما نسميه "التحرش العرضي" أو "التحرش الموقفي"، بمعنى أنه سلوك عارض في حياة الشخص أو سلوك ارتبط بموقف معين وليس بالضرورة أن يتكرر، على عكس التحرش المرضي الذي سبق وفصلناه ففيه الفرصة للتكرار لأن وراءه دوافع متجددة تدفع الشخص للتورط فيه من آن لآخر، وكون التحرش مدفوع باضطرابات مرضية لا يعفي صاحبه من المسئولية كما قد يظن البعض أو يتخوف، وإنما ربما يفسر لنا ما يحدث وينبهنا لإمكانية تكرار حدوثه، وربما فقط يخفف العقوبة في بعض الظروف

 

طرق الوقاية من التحرش

ويضيف المهدى قائلا: هناك استراتيجيتان للتعامل مع حالات التحرش:

 

1 _ التفادي: وتعني تجنب الأماكن والمواقف التي يتوقع فيها التحرش مثل الأماكن المعزولة أو المغلقة التي يسهل الانفراد فيها بالضحية، أو الأماكن المزدحمة، أو التواجد مع أشخاص بعينهم يتوقع منهم هذا السلوك، وتتعلم الفتاة بشكل خاص أن تتجنب المواصلات المزدحمة، وأن تستفيد من وجود العربات المخصصة للنساء في الترام، وإذا ركبت تاكسي أن لا تركب بجوار السائق في الكرسي الأمامي وأن لا تتبسط إليه في الحديث بدون داعٍ، وإذا ذهبت إلى عيادة الطبيب أن لا تذهب وحدها، وأن تعرف الأسرة ظروف وأماكن الدروس الخصوصية لبناتها وأبنائها........ إلخ، واستراتيجية التفادي قد تمنع حوالي 75% من حالات التحرش ومواقفه دون مشكلات تذكر.

 

2 – المواجهة: وفيها تواجه المتحرش بها الشخص المتحرش، إما بنظرة حازمة ومهددة، أو بكلمة رادعة ومقتضبة، أو بتغيير مكانها ووضعه، أو بتهديده وتحذيره بشكل مباشر، أو بالاستغاثة وطلب المساعدة ممن حوله، أو بضربه في بعض الأحيان، واستراتيجية المواجهة تحتاج لذكاء وحسن تقدير من الضحية،

 

وليس هناك سيناريو واحد يصلح لكل المواقف، وإنما يتشكل السيناريو حسب طبيعة الشخص وطبيعة الظروف، وهناك طرق قد تبدو طريفة في المواجهة تستخدمها بعض الفتيات مثلا في وسائل المواصلات فبعضهن يستخدمن دبوسا ضد من يحاول التحكك بهن، وهي وسيلة دفاع صامتة وقد تكون مؤثرة ورادعة،

 

وبعضهن يتعلمن وسائل الدفاع عن النفس مثل الكاراتيه والتايكوندو والكونغ فو لتتمكن من الدفاع عن نفسها دون الحاجة للمساعدة الخارجية، خاصة حين تضعف السلطات الأمنية أو تتغيب أو تنشغل بحماية أولى الأمر عن حماية الشعب أو تضعف النخوة والمروءة في المجتمع.. ويعيب استراتيجية المواجهة أنها ربما تحدث ضجة أو فضيحة لا تحبذها المرأة أو الفتاة في مجتمعاتنا المحافظة، على الرغم من أن فيها ردع قوي لكل من تسول له نفسه بالتحرش بأي فتاة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان