رئيس التحرير: عادل صبري 09:37 صباحاً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

المهدى: عام 2014 ملىء بالاحتمالات الصعبة

المهدى: عام 2014 ملىء بالاحتمالات الصعبة

المرأة والأسرة

أ.د. محمد المهدى

المهدى: عام 2014 ملىء بالاحتمالات الصعبة

سمية الجوهرى 29 ديسمبر 2013 08:40

سنة كبيسة مرت على مصر.. أشلاء جثث.. أنين جرحى.. دموع وألم رسمت ملامح عام 2013، وسط ترقب لعام جديد، وتساؤلات عن طبيعة التحديات، وكيف يستعيد المصريون لياقتهم وعافيتهم النفسية لمواجهة مصاعب 20147.

 

 

"مصر العربية" التقت أ.د. محمد المهدى الاستشارى النفسى وأستاذ الطب النفسى بجامعة الأزهر ليجيبنا على كل ما يخص نفسية المصرى فى 2013 وكيف نتخطاها لنستقبل بنفسية سليمة 2014. فكونوا معنا..

 

* فى البداية د. محمد.. كيف ترى 2013 من وجهة نظرك؟

 

كانت سنة كبيسة بالمعنى النفسى للكلمة حيث احتوت أحداثا ساخنة وتحولات هائلة ستستمر آثارها لعشرات السنين القادمة ، وأخطر ما حدث فى هذه السنة فى رأيى هو حالة الانقسام الراهنة التى نتج عنها شروخ نفسية ربما تحتاج لسنوات طويلة حتى تلتئم. لقد مر الشعب المصرى بمحن وأزمات كثيرة وكان يواجهها وهو نسيج واحد متماسك ، أما هذه المرة فقد وصلت الخلافات حتى إلى داخل البيوت وفى محيط الأسر وبين الزوج وزوجته والأب وبعض أبنائه ، وعلى مواقع الانترنت وصفحات التواصل الاجتماعى وفى الشوارع والجامعات وأماكن العمل. كان المصريون فى 25 يناير يحلمون بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ، وإذا بهم بعد أحداث جسام يبحثون عن مجرد البقاء على وجه الحياة بأى ثمن.

 

* وهل للشخصية المصرية تعريف جديد من تلك الأحداث؟

 

نستطيع أن نصفها الآن بأنها "الشخصية المحبطة الخائفة" ، فهى قامت بما يجب أن تفعله وثارت ودفعت الثمن ولم تتلق أى عائد إيجابى حتى الآن ، دائما تختطف جهودها وتسرق أحلامها من هذا ومن ذاك ، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل تجد الشخصية المصرية نفسها مهددة بالفناء وأنها مجرد وقود لصراع القوى السياسية المختلفة ، ودائما ما يكون الضحية هو الفقراء والمعدمين بينما يظل الكبار فى حراسة تابعيهم وأموالهم ، لهذا تعيش الشخصية المصرية حالة من الخوف الدائم ، الخوف من هذا الفصيل أو تلك السلطة ، الخوف من المستقبل ، الخوف على الأبناء ، الخوف من الفقر ، الخوف من الضياع ، الخوف من الحرب الأهلية ، الخوف من السجن أو الاعتقال ، الخوف على الثورة ،..... ، الخوف... ، الخوف..... ، الخوف......

 

* تعتقد أن المصرى مدرب لتحمل كل تلك الآلام.. وكيف؟

 

نعم المصرى معروف بقدرته الفائقة على التحمل ومحاولة التكيف مع الظروف الصعبة ، إذ كانت حياته دائما مليئة بالصعوبات والنكبات والإبتلاءات ، وهو يحاول أن يصل إلى نقطة توازن من خلال السخرية والنكته ، والتكافل الاجتماعى ، وأحيانا الانكار واللامبالاة والرضا بالقليل والصبر الجميل وانتظار الفرج. ولكن هذه المرة يبدو أن قدرته على التوازن قد إختلت لذلك رأينا تحولا نوعيا فى سلوك المصرى حيث أصبح أكثر غضبا وأكثر عصبية وإنفعالا وأقل صبرا وأعلى صوتا وأسرع اشتباكا بمن يخالفه فى الرأي.

 

* إذن كيف نتخطى 2013؟

 

بأن لا يتحول إلى ذكريات كربلائية نجترها طول الوقت ونغرق بسببها فى أحزاننا وأوجاعنا وبأن لا نستمر فى سياسة الصراع والاقتتال طول الوقت ، وأن نبدأ التفكير من الآن وفورا فى سياسة حل الصراع وإيجاد مخارج للأزمة بطرق جديدة وغير تقليدية كى نتجاوز حالة التثبيت والتشبث والعناد التى وصل إليها الجميع وأدت إلى موجات من التصادم المميت بين التيارات المتصارعة مما استنزف قوى الجميع وصبغ الحياة المصرية بالدم والدخان والقلق والخوف. يجب أن ندفع بالحكماء والعقلاء لكى يوقفوا نزيف الدم ويداووا جراح الناس والوطن بعيدا عن تشنجات المتشنجين ودعوات العنصريين التصادميين العدائيين من هنا أو هناك.

 

* متى نحتاج الدعم النفسى؟

 

حين تفشل وسائل تكيفنا فى التعامل مع الأحداث ونفقد قدرتنا على ممارسة أنشطة الحياة المعتادة مثل الدراسة أو العمل أو العبادة أو الهوايات والإهتمامات والعلاقات ، وأيضا حين نفقد قدرتنا على الحب بمعناه الشامل ونجد نفوسنا مليئة بالكراهية والحقد والغضب ، وحين تعجز وسائل الدعم الأسرى والمجتمعى فى تخفيف كل ذلك.

 

* وكيف يقدم هذا الدعم؟

 

على أيدى متخصصين فى العلوم النفسية والاجتماعية ، وقد يكون فى شكل جلسات فردية ، أو جلسات جماعية ، أو حلقات نقاش. وقد تشكل الحلول السياسية قاعدة لنجاح هذا الدعم حيث تزيل أسباب التوتر وتعيد للمجتمع توازنه ولأفراده قدرتهم على التكيف. ولا ننسى الدور المهم للدعم الدينى والروحى يقدمه القادة الدينيون والروحيون لأتباعهم ومريديهم انطلاقا من قاعدة إيمانية يتميز بها الشعب المصرى ويتأثر بها كثيرا فى مواجهة المحن والأزمات.

 

* ولا شك أن نفسية الصغار تختلف عن نفسية الكبار فهل لهم دعم خاص؟

 

صحيح فالطفل يعانى فى صمت ولا يستطيع التعبير عن معاناته فى كلمات ، ولهذا تتحول معاناة الأطفال إلى اضطرابات فى السلوك فتظهر فى صورة اضطرابات فى النوم والأكل والنوم ، وانسحاب وانتطوائية وعزلة ، وسرعة استثارة أو سلوك عدوانى أو سرقة أو كذب أو قضم فى الأظافر أو تبول لا إرادي... الخ.

والطفل شديد الحساسية للأحداث حيث تصله رسالة بعدم الأمان على نفسه وعلى والديه ومن يحب ، لذلك يحتاج لدعم نفسى يعيد إليه حالة الأمان والطمأنينة والحب ، وهذا لا يأتى مالم يشعر ذويه هم أنفسهم بتلك المشاعر.

 

* بالنسبة لعائلات الشهداء والمعتقلين والمصابيين.. كيف يمكنهم تخطى الصدمات التى جرحتهم ونالت من صبرهم الكثير؟

 

بعضهم سيداوى جراحه بالصبر والاحتساب ويتجاوز الأزمة بنجاح ، وبعضهم سيحتاج بجانب ذلك للدعم الأسرى والعائلى والمجتمعى من الدائرة المحيطة بهم والمتعاطفة معهم ، وبعضهم سيفشل فى الوصول إلى حالة توازن نفسى وربما يعانى من اضطرابات نفسية تحتاج للمساعدة المتخصصة. وهناك فريق للأسف سيجتر المرارة والحزن والغضب بلا نهاية وتكون هذه المشاعر وقودا للرغبة فى الثأر والانتقام وربما للتورط فى أعمال عنيفة بهدف الثأر.

 

* عام 2014.. كيف تراه؟

 

أراه مشحونا بالكثير مما حدث فى 2013م حيث بقيت آثار هائلة واستحقاقات عديدة من العام المنصرم تنتظر حسمها فى 2014 م لهذا سيتحمل 2014م الكثير من أعباء الماضى القريب ، وسيتوقف الحال فيه على طريقة إدارة الأحداث من أطراف الصراع ، فإذا استمرت حالة العناد والمكايدة والإصرار على المواجهات والتصعيد فنحن أمام عام ملئ بالإحتمالات الصعبة ، أما لو وصلت الأطراف إلى قناعات بأن العنف لا يجدى والمكايدة ورفض الآخر تدمر الجميع فربما يعود العقل ويقف الجميع على ارضية مشتركة أو متقاربة بحثا عن مخرج أمن للجميع من هذه الأزمة الطاحنة. وبشكل عام هناك الكثير من الشواهد تدعو للقلق والتوجس ، ونسأل الله أن يلطف بمصر وأهلها ويعيد إلى ساستها وقادتها وزعمائها الرشد والصواب.

 

* إذن كيف نستقبل العام الجديد بنفسية مختلفه عن العام القديم (الأسوأ)؟

 

أن نستقبله بعقلية غير تلك التى كنا عليها فى 2013م ، أقصد عقلية الصراع والمواجهات والتصفيات والإقصاءات والمكايدات وصناعة النكبات والأزمات. سيتغير 2014م حين تتحول العقلية المصرية إلى برنامج حل الصراع والتوافق والبناء والتعاون على البر والتقوى وإقامة العدل المفقود والتعاون على البر والتقوى ومداواة جراحات الماضى بنية صادقة وقلوب مفتوحة. ولن يقود هذا المتشددين والمتطرفين والموتورين والمحرضين والمشعلين لنيران الصراع ، وإنما يقوده الحكماء والعقلاء والعلماء والنبلاء.

 

* وماذا يفعل من لم يستطع القيام بذلك؟

 

يستعين بالله أولا ويستعين بمن يستطيع القيام بذلك كما أسلفنا ، ويحاول عبور الأزمة بتجاوزها وتجاوز جراحاتها سعيا للبناء بعد تفويض الأمر لله أولا فى مسألة الأرواح والدماء والخسائر المادية والمعنوية ، مع سلوك كل الطرق والوسائل القانونية للحصول على تلك الحقوق كلما أمكن.

 

* وأخيرا بماذ تنصحنا د. محمد المهدى من أجل حياة نفسية أفضل نستطيع من خلالها استقبال عام جديد ما بين سقطات وثورات الوطن العربى؟

 

أن نتوجه نحو العمل الجاد والبناء وأن نتوجه لعمران الارض سعيا لوجه الله الكريم بنوايا صادقة ، وأن نتخلى عن أنانيتنا وعن أطماعنا ، وأن نتجاوز شحناء نفوسنا ونتسامى فوقها ، وأن نعلى قيم العدل والمساواة والحرية ، وأن نتحمل وجود مخالفين لنا فى الرأى السياسى والفقهى والعقيدى ، وأن نتحلى بالقيم الدينية والإنسانية النبيلة حتى فى قمة الخلاف أو الصراع ، وأن نسعى بجدية لاستعادة اللحمة المجتمعية ، وأن نحذر كل دعاوى الطائفية والعنصرية والإقصاء ، ونتوجه إلى الله بالدعاء أن ينزع الغل والشحناء من صدور الجميع.

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان