رئيس التحرير: عادل صبري 09:39 صباحاً | الاثنين 24 سبتمبر 2018 م | 13 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

الانتحار.. «غريزة الموت» تحوم في أذهان المجتمع المصري

الانتحار.. «غريزة الموت» تحوم في أذهان المجتمع المصري

رفيدة الصفتي 16 سبتمبر 2017 16:38

اسودّت في وجههِ الدنيا، لم ير من نورِها إلاّ ظلاما، ومن حلوها إلا سمًّا زعافًا، كلما يمّمَ وجهه تجاه صديقٍ أو حبيب ليجد عنده فرجا لمعضلته خذله، وربما زاد طين حياته بللاً.. فلما انسدت في وجهه الطرقات، نشطت في نفسه «غريزة الموت» وأراد أن يتعجل فتح باب المجهول لعله يكون أكثر رحمة من المعلوم الذي يواجهه، فألقى نفسه في بحر الانتحار.

 

وخلال السنوات الأخيرة ازدادت حالات الانتحار خاصة في أوساط الشباب، بل ظهرت أيضا زيادة في بعض حالات الأطفال، وفقا للدكتور محمد المهدي أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، وهو برأيه يعني أن «المجتمع أصبح قريبا من الانتحار" target="_blank">فكرة الانتحار».

 

وقال المهدي في مقطع مصور له: "احنا عندنا كبشر غريزتين مهمين جدا؛ غريزة الحياة وغريزة الموت"، لافتا إلى أن "غريزة الحياة بتخلينا نعمر، ونروح ونيجي، ونشتغل، ونتعلم، ونحب ونتجوز، ونربي أولادنا، ونستمتع بالحياة، ونترك فيها أثر كويس، كل ده تبع غريزة الحياة ومركز غريزة الحياة هو الحب".

 

وعن الغريزة الثانية، أوضح المهدي أنها "مقابلة ورابضة في أعماقنا، ومبنكونش دريانين بيها في أوقات كتير، وهي غريزة الموت؛ جوانا رغبة في أن نموت أو نصل لحالة سكون الموت وهدوء الحركة واختفاء الحركة بالموت".

 

وأضاف: "ودي احنا مش حاسين بيها، لكنها شغالة وبتبان في التصرفات بتاعتنا اللي ممكن تحطم حاجات في حياتنا، مثل التصرفات التدميرية، والسواقة بسرعة، وشرب المخدرات، والتدخين، وإهمال علاج الأمراض المختلفة"، مشيرا إلى أن "التصرف بتهور واندفاعية كل ده تبع غريزة الموت، وغريزة الموت المحور بتاعها الصراع، والتدمير، والكراهية، والحاجات دي بتخلي الإنسان يدور في فلك السلوكيات التدميرية".

 

وأكد المهدي أن اختلال التوازن ما بين غريزة الحياة وغريزة الموت، "تزداد قوة غريزة الموت جوا الإنسان ويميل ناحية الموت وبيتمنى أنه يموت، وفي حالة بيصل لها الإنسان وساعتها بياخد قرار الانتحار، وهي انعدام الأمل وقلة الحيلة، وبتهون عليه نفسه وبيبقى سهل عليه أنه يموت نفسه".

 

هل المنتحر مريض؟

 

قال أستاذ الطب النفسي أن الدراسات وجدت أن "الانتحار بنسبة 98% كان بسبب المرض إما نفسي أو عضوي، في حين أن 2% كان عندهم اضطراب عضوي في التفكير ولكن مش مريض بالمعنى الطبي سواء نفسي أو عضوي".

 

ولفت المهدي إلى أن "المرض النفسي بيحتل مساحة كبيرة جدا، في المجمل 5.5 من المرضى النفسيين كانوا بينتحروا، وده نسبة أعلى من متوسط النسبة العالمية اللي هي 12 شخص ينتحروا من كل 100000، وأن المرضى الجسمانيين اللي عندهم أمراض جسمانية عضوية كانت النسبة 0.6% برده أعلى من المتوسط العام عند الناس".

 

الاكتئاب في مقدمة الأمراض النفسية

 

وأفاد المهدي بأن الأمراض النفسية أكتر حاجة فيها كان الاكتئاب، ونسبة الانتحار لدى المكتئبين بتتراوح بين 15 لـ 18.9%، ويليها المدمنين ونسبة الانتحار في المدمنين حوالي 15%".

 

وتابع: "ووجد أن المدمنين اللي بينتحروا كانوا مصابين بالاكتئاب، أما نسبة الفصام كانت 10%، ووجد أن نسبة كبيرة منهم كانت بسبب الاكتئاب، فيبدو أن حالة الاكتئاب هي اللي بتقف ورا كتير من حالات الانتحار في كثير من الأمراض النفسية".

 

أسباب أخرى للانتحار

 

وأشار المهدي إلى أن هناك ما يعرف بالانتحار الوجودي، وهم "الناس اللي عندهم أفكار وجودية بيحسوا أنهم مسؤولين عن كل حاجة في حياتهم، وأنهم المفروض يسيطروا على كل حاجة في حياتهم، وأن هو لو مقدرش يحقق الانجازات اللي هو عايزها يبقى وجوده ملوش معنى وملوش لازمة، فبيلجؤوا إلى الانتحار وبيعتبروه قيمة".

 

واستطرد المهدي إلى أن هناك نوع ثان من الانتحار؛ "بيسموه تقليد سوتي في الهند، وده كانت الزوجة لما زوجها يموت يطلب منها المجتمع أو يفرض عليها أنها تحرق نفسها وتدفن معاه، أو عروس النيل عند قدماء المصريين ودي حاجة بيختلف فيها المؤرخين هل هي كانت فعلا حقيقة ولا لأ، ولكن على أي حال يقال أنه كان يطلب من أجمل البنات في مصر رمي نفسها في النيل حتى يزداد النيل فيضانا".

 

وقد يكون الانتحار بسبب فقد عزيز مات، فيفكر الشخص بالموت حتى يلحق بهذا العزيز، وقد يكون الانتحار بسبب الذكرى السنوية لأي مناسبة لها شحنة انفعالية قوية، بسبب زواج غير موفق، أو طلاق، أو موت شخص عزيز، ووجد أن 30% من حالات الانتحار عند البالغين كانت بسبب المشكلات العاطفية، وفق ما ذكره المهدي.

 

وعرج المهدي إلى نوع آخر، وهو الانتحار الإيثاري، وهو أن يدفع شخص نفسه للموت ليحمي بلده ووطنه أو يشعر أنه عالة على أهله، فينتحر ليخلصهم من هذا العبء، وهو ما يختلف عن الانتحار التقليدي الذي يقلد فيه الشخص شخصا آخر ويقوم بالانتحار.

 

المشاهير ينتحرون!

 

وقال المهدي من الوارد أن نسمع عن مشاهير انتحروا ونستغرب فعلهم، ولكن الحقيقة أن "المشاهير بيكون في التركيبة بتاعتهم تضخم، أو عندهم ميزة في القوة أو الجمال، فهاتان الميزتان في أي مجال من مجالات الحياة عند الشخص المشهور بتؤدي مع تراكم الوقت وإعجاب الناس به أو بها إلى حالة تضخم في الذات، وقد يصل تضخم الذات إلى حالة من النرجسية، ويبقى الشخص المشهور معجب جدا بنفسه وشايف نفسه حاجة كبيرة جدا وشايف ده في عيون الناس، فلما يفقد أحد هاتين الميزتين يشعر أن الحياة ليس لها قيمة، فيلجأ للانتحار لأنه لا يحتمل أن يعيش إنسانا عاديا".

 

وذكر المهدي نوع آخر، وهو الانتحار الجماعي، موضحا بمثال: "جيش ينهزم فينتحر القائد وأغلب الجيش، أو شيخ قبيلة ينتحر فينتحر معه أغلب أبناء القبيلة اتباعا له".

 

كيف نتعامل مع التفكير في الانتحار؟

 

ومن جانبه ذكر الدكتور جمال الفقي استشاري الطب النفسي عدة خطوات للتعامل مع حالات التفكير في الانتحار، ومنها توفر المعلومة الصحيحة، والتعرف على الأفكار الخاطئة المنتشرة عن الانتحار، والتخلص منها حتى نتمكن من التعامل مع الحالة بشكل علمي وآمن.

 

وأوضح الفقي أن الفكرة السلبية في المرض النفسي هي "عرض من أعراض المرض، تماما كما هي الحمى أو الكحة، أو الحكة في الأمراض البدنية، فهذه ما هي إلا أعراض مرضية لا إرادية لا تعبر عن الشخص المريض، لكنها فقط تعبر عن وجود المرض، وحدته، وشدته".

 

وعن الخطوة الثانية قال الفقي في مقال مطول له: "تحديد درجة الخطورة"، موضحا: "تبدأ الطريقة السليمة لمنع الانتحار بالتعرف على الأشخاص الأكثر عرضة لتلك الأفكار الانتحارية وتنفيذها".

 

وتشمل عوامل الخطر الشائعة للانتحار: "وجود مرض عقلي، والإدمان على الكحول أو تعاطي المخدرات، ومحاولات الانتحار السابقة، ووجود تاريخ عائلي للانتحار، أو التعرض لصدمة نفسية شديدة العنف، ووجود الأمراض البدنية التي لا علاج لها، أو معاناة المراحل الأخيرة من المرض المزمن، أو وجود الألم المزمن، وحدوث خسارة مادية فادحة في الآونة الأخيرة أو التعرض لحدث كارثي بشكل مباشرة، والعزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة، وفقدان الرغبة في أي مشاركات بشكل واضح".

 

وتأتي الخطوة الثالثة في رصد علامات وإشارات نية الانتحار، أما الخطوة الرابعة فتأتي في جدية التدخل وتحديد الهدف بمجرد رصد وجود علامات الخطر، ودفع المريض وإقناعه بالتوجه لأحد المتخصصين الذين لديهم القدرة على مساعدته، وفق ما ذكره استشاري الطب النفسي.

 

ونصح الفقي الشخص الذي يقوم بالتدخل لمواجهة المشكلة بأن يتحلى بالهدوء، والصبر، واظهار المشاعر الدافئة، والقدرة على تقديم العون والاستعداد للقيام به، وأخذ الأمور بمأخذ الجدية واليقين، وتجنب السخرية والانتقاد والجدل مع صاحب الأفكار الانتحارية، لافتا إلى أن الهدف من التدخل هو دفع المريض للتوجه للعلاج المتخصص، ولا يجب أن يشعر من يقوم بمساعدة المريض بالندم أو بالخجل إذا فشل في مهمته، فله الأجر والثواب على ما قام به من مجهود.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان