رئيس التحرير: عادل صبري 01:49 مساءً | الثلاثاء 14 أغسطس 2018 م | 02 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° غائم جزئياً غائم جزئياً

الخرطوم وجوبا.. 5 سنوات من النزعة العدائية

الخرطوم وجوبا.. 5 سنوات من النزعة العدائية

العرب والعالم

قوات الجيش في جنوب السودان

الخرطوم وجوبا.. 5 سنوات من النزعة العدائية

وكالات 18 مارس 2016 11:15

رغم مرور 5 أعوام على انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم، إلا أن النزعة العدائية الموروثة من حقبة الحرب الأهلية لا تزال تسيطر على سياسات أي بلد تجاه الآخر.

 

وعلى نحو مباغت، هددت الخرطوم، أمس الخميس، بإغلاق حدودها مع جوبا وقررت تقييد حركة الرعايا الجنوبيين على أراضيها، رداً على ما اعتبرته استمرار دعم جارتها للمتمردين ضدها.

 

وانفصل جنوب السودان في يوليو 2011 بموجب استفتاء شعبي أقره اتفاق سلام أُبرم عام 2005، لينهي واحدة من أطول وأشرس الحروب الأهلية في أفريقيا خلفت أكثر من مليوني قتيل.
 

وكانت الخرطوم أول من اعترف بالدولة الوليدة، وشارك الرئيس عمر البشير، في حفل إعلانها الرسمي، لكن سرعان ما ظهرت خلافاتهما الحادة حول القضايا المترتبة على تقسيم البلاد.
 

فأبرز تلك الخلافات كان نزاعهما على تبعية 5 مناطق على الأقل، تمثل نحو 20 % من الشريط الحدودي الذي يقارب ألفي كيلومتر، علاوة على اقتسام عائدات النفط.


عندما انفصل الجنوب الذي لا يملك منفذاً بحرياً، كان قد استحوذ على 75 % من حقول النفط، وبالمقابل استحوذت الخرطوم على البنية التحتية اللازمة لعمليات النقل والتكرير والتصدير.
 

لكن البلدين لم يتفقا على الرسوم التي يتوجب على جوبا دفعها للخرطوم، نظير نقل وتكرير وتصدير نفطها عبر المنشآت والموانئ السودانية، وهو ما دفع جنوب السودان إلى وقف إنتاجها النفطي مطلع العام 2012.
 

تسببت الخطوة مع عوامل أخرى في اندلاع اشتباكات عسكرية متقطعة على الحدود بلغت ذروتها في أبريل 2012، عندما احتل جيش جنوب السودان منطقة "هجليج" التي توجد فيها أهم الحقول والمنشآت النفطية السودانية.
 

ووسط ضغوط دولية على جنوب السودان، استرد الجيش السوداني المنطقة بعد معارك طاحنة دفعت مجلس الأمن الدولي إلى إصدار قراره 2046 في مايو من ذات العام، والذي كُلف بموجبه رئيس جنوب أفريقيا السابق ثابو أمبيكي، بالتوسط لتسوية النزاع.
 

وشمل التفويض الأممي أيضاً، تسوية النزاع بين الخرطوم ومتمردي "الحركة الشعبية قطاع الشمال" الذين يحاربون الجيش السوداني في ولايتي جنوب كردفان، والنيل الأزرق، المتاخمتين لجنوب السودان التي تتهمها الخرطوم بدعمهم.
 

وتتشكل الحركة من مقاتلين انحازوا للجنوب إبان الحرب الأهلية، رغم تبعيتهم جغرافيا إلى الشمال، وعادوا للتمرد مرة أخرى بالتزامن مع انفصال البلدين، متهمين الحكومة السودانية بالتنصل عن امتيازات منحتها اتفاقية السلام لمناطقهم.
 

لكن جوبا درجت على نفي دعمها لهم، والتأكيد على أنها قطعت علاقتها التنظيمية بهم عشية الانفصال.
 

وبعد سلسلة من محادثات السلام، نجح أمبيكي في دفع البلدين لتوقيع برتكول تعاون من تسع اتفاقيات في سبتمبر 2012، كان أبرزها اتفاق أمني يمنع أي طرف من دعم المتمردين على الآخر، وإنشاء منطقة عازلة بعمق 10 كيلومترات في حدود أي بلد.
 

وشملت الاتفاقيات أيضاً، اتفاق نفطي حدد الرسوم التي يتوجب على جوبا دفعها للخرطوم، مقابل نقل وتصدير النفط الجنوبي عبر منشآتها وموانئيها.
 

لكن تنفيذ الاتفاقيات تأخر لنحو 5 أشهر بسبب اشتراط الخرطوم تنفيذ الاتفاق الأمني أولاً، ومن ثم تنفيذ بقية الاتفاقيات، بينما كانت جوبا تعطي الأولوية للاتفاق النفطي حيث يمثل النفط 98 % من إيرادات الدولة الوليدة.
 

تركز الخلاف حول تفسير بعض بنود الاتفاق الأمني الذي كانت الخرطوم تقول إنه يُلزم جوبا بتجريد مقاتلي "الحركة الشعبية قطاع الشمال" من سلاحهم بينما تُجادل جوبا بأنها لا يمكن أن تتدخل عسكرياً في دولة أخرى.
 

وفي مارس 2013 تدارك الوسيط الأفريقي خلافات البلدين، باتفاق نص على تشكيل لجنة أمنية مشتركة مهمتها التحقق من عدم دعم أي طرف للمتمردين على الآخر، ولها صلاحية التحرك ميدانياً بعمق 50 كيلومتر في حدود أي طرف.
 

 بعدها بدأت علاقات البلدين في التحسن، وتبادل الرئيسان الزيارات، وتوثقت علاقتهما أكثر عندما أقدم رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت، على حل حكومته في يوليو 2013، وتشكيل أخرى جديدة، رأت الخرطوم أنها "خالية من الوجوه المعادية لها".
 

وشملت قرارات سلفاكير أيضاً، عزل عدد من الجنرالات معروف عنهم تشددهم في العلاقة مع الشمال، علاوة على نائبه رياك مشار الذي كان خلافاً لبقية المبعدين يتمتع بعلاقات ودية مع الخرطوم.
 

تسببت قرارات سلفاكير في اندلاع نزاع مسلح بينه وقوات موالية لمشار الذي يتمتع بنفوذ واسع، في ديسمبر 2013.
 

وبسبب هذا النزاع، لجأ رئيس جنوب السودان، لتوثيق علاقاته أكثر مع الخرطوم، لكن سرعان ما بدأ في اتهامها بدعم مشار، لاسيما بعدما استضافته الحكومة السودانية مرتين في العامين 2014 و2015 .
 

ورغم امتعاض حكومة سلفاكير من زيارتي مشار إلى السودان، إلا أن علاقة البلدين لم تصل مرحلة القطيعة الكاملة، حيث سمح جنوب السودان لجاره الشمالي بلعب دور محوري في عملية السلام، ضمن فريق الوساطة الثلاثي الذي شكلته منظمة "إيغاد" لتسوية الحرب الأهلية.
 

ووسط ضغوط دولية اضطر سلفاكير ومشار، إلى التوقيع بشكل منفصل على وثيقة سلام في أغسطس الماضي، رأى مراقبون أنها يمكن أن تسهم في تحسن العلاقة مع الخرطوم، لما ستحدثه من تغييرات في معادلة السلطة حيث مُنح الثاني بموجبها منصب النائب الأول للرئيس.
 

لكن ما عقّد الأمر، ليس تعثر تنفيذ الاتفاقية فحسب، بل ظهور خلافات جديدة بين الجارتين، إثر مطالبة جوبا تخفيض الرسوم التي تدفعها للخرطوم مقابل تصدير نفطها، جراء تدني الأسعار العالمية للخام.
 

وفيما كرر مسؤولون سودانيون رفضهم مطالب جوبا، هددت الأخيرة بوقف إنتاجها النفطي، بحجة أن نوعية خامها يباع بالسوق العالمي في حدود 20 دولاراً للبرميل، بينما تلزمها الاتفاقية بدفع 25 دولاراً للحكومة السودانية.
 

لكن في يناير الماضي، نزع الرئيس البشير فتيل الأزمة، عندما أمر بمراجعة الاتفاق النفطي، وهو ما امتدحه سلفاكير الذي أعلن من جانبه سحب كل قواته من الحدود، وأكد التزامه بتنفيذ كل الاتفاقيات المُبرمة بين الطرفين.
 

وبعدها بأيام أيضاً، قرر البشير فتح الحدود مع جنوب السودان أمام حركة التجارة والأفراد، لأول مرة منذ انفصال البلدين، لكن هذه الإجراءات التصالحية المتبادلة انتكست، أمس الخميس، عندما هددت الخرطوم بإغلاق الحدود مجدداً.
 

وقال مساعد الرئيس السوداني، إبراهيم محمود، في مؤتمر صحفي مشترك مع الوسيط  ثابو أمبيكي، عقب اجتماعهما مع الرئيس البشير في الخرطوم "ما لم تتوقف جوبا عن دعم المتمردين فإننا سنغلق الحدود".
 

وشملت تهديدات محمود أيضاً "معاملة اللاجئين الجنوبيين في السودان وفقاً للقانون الدولي، وليس معاملتهم كمواطنيين، كما وجه الرئيس البشير بعد إندلاع الحرب في جنوب السودان".
 

وبالفعل قرر مجلس الوزراء السوداني بعد ساعات، معاملة رعايا جنوب السودان المتواجدين على أراضيه بوصفهم "أجانب لدى تلقيهم لخدمات الصحة والتعليم"، وهو ما يحرم آلاف منهم من امتيازات المواطنة التي وفرتها لهم الخرطوم بعد إندلاع الحرب الأهلية في بلادهم.
 

وشملت قرارات المجلس التي اتخذها في اجتماعه الدوري برئاسة البشير "التحقق من هوية الجنوبيين المقيمين بالبلاد، واتخاذ الإجراءات القانونية حيال كل من لا يحمل جواز سفر وتأشيرة دخول رسمية خلال أسبوع (من صدور القرار".
 

وكان أكثر من 200 ألف قد لجأوا إلى السودان منذ اندلاع النزاع المسلح في جنوب السودان، وأمر البشير فور بدء توافدهم، معاملتهم كمواطنيين يتمتعون بكافة الخدمات، وليس معاملتهم كلاجئين.


ورجح أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، حاج حمد، في حديثه مع الأناضول، أن تكون دوافع الخرطوم لقراراتها "توفر معلومات استخباراتية حول دعم من جوبا لمتمردي الحركة الشعبية قطاع الشمال".
 

وربط حمد بين قرار الحكومة وما نشرته وسائل إعلام مقربة منها، الثلاثاء الماضي، حول اجتماع مسؤولين في قطاع الشمال مع آخرين في جوبا من بينهم وزير الدفاع لـ"توفير دعم عسكري للحركة".
 

ولم يستبعد أستاذ العلوم السياسية، أن يلجأ البلدان إلى "تصعيد عسكري"، لكنه يشير إلى أنه "ليس من مصلحة كلاهما حيث جرباه من قبل".
 

وأضاف "مؤكد سيبدأ الوسيط ثابو أمبيكي جولات مكوكية، للحيلولة دون تردي العلاقات، وبالطبع لا يريد البلدان ذلك".


اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان