رئيس التحرير: عادل صبري 07:52 مساءً | الأحد 23 سبتمبر 2018 م | 12 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

باحث تونسي: الحكم العسكري بمصر ثقافة.. والنهضة ليست "الإرشاد"

باحث تونسي: الحكم العسكري بمصر ثقافة.. والنهضة ليست الإرشاد

العرب والعالم

الأمين البوعزيزي، المفكر التونسي

في حوار لمصر العربية ..

باحث تونسي: الحكم العسكري بمصر ثقافة.. والنهضة ليست "الإرشاد"

أحمد درويش 23 نوفمبر 2015 19:46

 الإخوان في مصر تعاملوا مع الديمقراطية مجرد أداة للوصول للحكم

تونس ليست مصر ولن يحكمها عسكر وأزمتها في نخبها

تدخل الأطراف الإقليمية جعل النهضة يعدل عن فكرة الانفراد بالحكم

ثورة الياسمين لم تحقق كامل أهدافها.. فقط أطاحت بالرؤوس

الغضب الثوري مستمر في تونس لأن البلاد تدار بنفس الفكر القديم

 

الأمين البوعزيزي.. الباحث التونسي بالمعهد الوطني للتراث، قال  في حواره لموقع " مصر العربية " إن الحكم العسكري في مصر أصبح ثقافة سياسية تدافع عنها النخب".
 

 

واعتبر أن تونس ليست مصر أخرى ولن يحكمها العسكر لأن الجيش التونسي لا يتدخل في السياسة، مشيرا إلى أن حزب النهضة ليس جماعة الإخوان في مصر الذين اتخذوا الديمقراطية مجرد أداة توصلهم للحكم.


إلى نص الحوار : 

 

حول أزمة حزب تونس" target="_blank">نداء تونس، هل تتوقع أن يسفر الأمر عن تأسيس أحزاب منشقة، ما يؤثر سلبا عليه؟

في الحقيقة لا يمكن الحديث عن حزب اسمه " تونس" target="_blank">نداء تونس"، ومنتسبيه حتى الساعة لم يعقدوا مؤتمرا تأسيسيا بعد، كل مؤسساته مؤقتة لا شرعية ديمقراطية فيها، هذا شكلا.

أما مضمونا فنشأته تمت على قاعدة التصدّي للمشهد السياسي الذي أفرزته أول انتخابات في ظل المسار الثوري (الذي بدا تونسيا لكنه سرعان ما أصبح حالة عربية تدك عروش رباعي الترويع والتجويع والتبعية والتطبيع)، الذي لم يحسم ثوريا مع رموز النظام الذي قامت الثورة ضده، ضم في صفوفه كل الخائفين من جموح المسار الثوري الذي يروم الإطاحة بجوهر النظام الاستبدادي الفاسد. 

ظروف النشأة هذه، جعلته بتصدر المشهد السياسي في ثاني انتخابات جرت في البلاد، لكن انتقاله من صفوف المحارب للمشهد السياسي الذي أفرزته الثورة إلى صفوف الحكم، وحياد قائده السبسي عن جوهر البرنامج الذي قاد به حملة الإطاحة بخصومه، إذ التزم بتشريك حركة النهضة في الحكم (وان رمزيا)، وحضورها في المشهد السياسي، خيّب ظن من التحموا بالباجي قايد السبسي وفق انتظارات أنه سينهي الوجود السياسي لحزب النهضة ويحاكمها بجريرة حكم سنين ما سميت بـ "حكم الترويكا".

هذه الأطراف بدأت تتململ مدعومة من أطراف محلية وإقليمية غير راضية البتة عن احتفاظ تونس بمشهد سياسي مخالف لمسارات الدم في باقي بلدان الحلم المواطني .

انسحابات من كتلة النداء البرلمانية، ومعارك إعلامية على مدار الساعة، وعزل لبعض رموز المنسحبين غير الراضين بالتعايش النهضوي – الندائي، وتلويح بانشقاق حقيقي داخل الحزب الذي لم يعقد مؤتمره التأسيسي بعد، لكني لا اعتقد أن المغامرين بالاستقالة سيقدرون على بناء حزب في حجم الهالة التي بناها النداء لنفسه خلال سنين الحرب التي كان يخوضها ضد المشهد السياسي الذي أفرزته أول انتخابات في ظل المسار الثوري.

 

هل سبب الأزمة هو عدم تفرغ "الباجي قايد السبسي" للحزب، وهو الذي كان مجمعا لأطياف الحزب المختلفة بحنكته السياسية، أم تشكيلة النداء الداخلية عرضته للخلافات؟

نعم السبب المباشر للأزمة هو الابتعاد النسبي للباجي قايد السبسي عن الإشراف اليومي على الحزب، رغم أن الصلة لم تنقطع يوما بمكوناته، لكن جوهر الأزمة كما أسلفنا هو أن الظروف التي جمعت كل الفرقاء داخله من رأس مال فاسد و"إعلاميين" غير قادرين على التواجد في غير بيئة زبونية (ديكتاتورية) فاسدة، انتفت نسبيا بُعيد وصوله إلى سدة الحكم، والخلاف حول الموقف من حزب النهضة هل يكون شريكا في المشهد السياسي أم عدوا تتوجب محاربته، جوهر الخلاف هنا بين السبسي وأنصاره والمجموعة المناوئة له.

 

كيف ترى مستقبل السبسي في الحكم في ظل تلك الانشقاقات؟

أول إكراه أمام السبسي هو عامل العمر الذي لا يسمح بتحمل أعباء الحكم في بلد يموج بالمشاكل في محيط إقليمي ودولي متفجّر، لكنه غير عابئ بالمنشقين وهو العارف لحجمهم وطبيعتهم وكيفيات ترويضهم.

 

بعد مرور نحو خمس سنين من الثورة التونسية، إلى أيّ مدى ترى أنها حققت أهدافها؟

بالنسبة لي لا يمكن الحديث عن نجاحات الثورة قبل تشخيص طبيعة النظام الذي ثأر ضده ضحاياه، نظام بن علي ليس نظاما رأسماليا حتى نقول إن الثورة ما لم تبن الاشتراكية فهي ليست ثورة، كما هي السردية اليسارية الكلاسيكية، نظام بن علي كان مسخا سياسيا، نظام لصوصي بوليسي، الاقتصاد في يد العائلات المتصاهرة والسياسة مؤممة والبلد يُدار بوليسيا بالتعليمات، والمشهد السياسي والجمعياتي (مؤسسات المجتمع المدني) الحقيقي منه كان محاصرا والقانوني منه ديكوري معاضد.

الثورة أطاحت بهذا المشهد لصالح حالة ليبرالية تتعثر نسبيا، أكثر من مائة حزب، آلاف الجمعيات، حزبان كبيران يتقاسمان السلطة والبرلمان، تعددية نقابية، عشرات الصحف والإذاعات والتلفزات.

الغائب الوحيد حدّ (حتى) الساعة هو الجوهر الاجتماعي.. الثورة التي كان شعارها الأول، "التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق". وهذا الأمر هو الذي ترك الشبيبة (الشباب) وحوالي 50% من الناخبين خارج البناء السياسي الجديد، ويفقده الكثير الكثير من شرعيته ومشروعيته في نفوس من ثاروا.

 

 ألا يشعرك ـ كباحث ومواطن شارك في الثورة ـ أن وجود "السبسي" أحد أركان نظام "بن على" و"بورقيبه” على رأس النظام ومعه أعضاء حزب التجمع الحاكم وقت بن على،  أن الثورة حادت عن طريقها أو أنها لم تحقق سوى إزالة رأس النظام فقط؟

نعم وجود السبسي وأغلب رموز نظام بورقيبة – بن علي منذ الأيام الأولى التي أعقبت ترحيل بن علي، يشي أن الثورة لم تحسم مع من ثارت ضدهم، فقط وجب التوضيح أن ما جرى في تونس جرى على غير منوال الثورات والانقلابات العسكرية التي سمّيت ثورات، بدت انتفاضا مواطنيًا جوهره اجتماعي، انطلق أولا من داخل البلدات المهمّشة ليصل لاحقًا إلى كبرى المدن صفاقس وتونس العاصمة، وهو ما أسميه "المسار الثوري المثابر" الذي يقضم خصومه ببطء دونما حسم بالدم.
 

ما تغير في تونس منذ الأيام ترحيل بن علي، كان تغيرا في الأداء لا تغيرا في الجوهر والمضمون، وهذا جوهر الخلاف بين الثوريين الجذريين والإصلاحيين المراهنين على الصناديق الانتخابية. وهو ما يفسر تواصل الغضب الاجتماعي في صفوف المعطلين عن العمل والجهات الداخلية التي بادرت بالثورة .
 


ألا ترى أن حركة النهضة تفتقر إلى الكفاءات التي تمكنها من الانفراد بالحكم، (ربما لبعدهم فترة طويلة عن دوائر الحكم) أم أن الأمر راجع لإيمان الغنوشي وحزبه فعلا بالتشاركية؟
 

مسألة الانفراد بالحكم تتعارض جوهريا مع روح الثورة التي قامت ضد الاستبداد بالحكم سلطة وثروة، التونسيون لن يقبلوا بانتقال الحكم من حزب أوحد إلى حزب أوحد، أما مسألة التشاركية في الحكم، ففي بداية انتخابات 23 أكتوبر 2011 ساد غرور في صفوف أغلب النهضويين، وتم الحديث عن جماعات "الصفر فاصل" لدمج القوى اليسارية التي كانت نشيطة جدا أثناء الثورة لكن حصادها الانتخابي كان ضعيفا جدا لأسباب يطول شرحها لعل أهمها أن الانتخابات مال سياسي أولا.
 

لكن بعد انفلاق المشهد السياسي ودخول أطراف إقليمية لتدمير المشهد السياسي الوليد في تونس بدأت تحصل قناعة لدى النهضويين أن تونس بالذات لا يمكن أبدا أن تكون لهم فيها اليد الطولى وإن حصلوا على أغلبية أصوات الناخبين، لعوامل تاريخية طويلة تخص النخبة التونسية، فجرى تفعيل خيار التوافق خيارا استراتيجيا لا تكتيكيا، لدى الأطراف الفاعلة في الحركة رغما عن معارضة الكثير الكثير من قيادتها وقواعدها، لكن مسألة الانضباط التنظيمي هو ما يحسم الأمر دائما في صفوف هذا الحزب.

 

من المعروف عن تونس أنها الأقل في نسبة الأمية عند العرب، ما يدفع في طريق تحضر المجتمع، ولكن هل الاستقطاب السياسي الحاد يؤثر سلبا في وحدة المكون التونسي ومسار الثورة، ولأي حد يحدث هذا؟
نعم بقدر انسجام المجتمع مذهبيًا وإثنيًا ومناطقيًا مما يحول دون أي تشتعل حروب أهلية وصراعات قبلية أو دينية أو عرقية، لكن الحرب الأهلية تجري في تونس كلاميا في صفوف النخبة، والعبارة للمؤرخ الكبير هشام جعيط.


وشخصيا اعتبر أن الفشل الحاصل في مسار الثورة مردّه هذا الانحراف في طبيعة المعركة، أي أنه جرى تزييف أيديولوجي وقح لشعارات ومطالب وأهداف الثورة، نخب حداثوية مغتربة في المكان في مواجهة جماعات أصولية مغتربة في الزمان، يصرون على خوض معارك هووية مسقطة إسقاطا على شعب معتز بعروبته وإسلامه وانتمائه في نفس الوقت إلى العصر وقيمه، وتمسكه بخيار المواطنة في إدارة الشأن العام والعدالة في إدارة الثروة .

 

هل ترى أن أطرافا خارجية ربما تعمل على إعاقة مسار الثورة، أولا في حدوث اغتيالات فيما مضى، وإحداث فوضى، وحاليا بانشقاقات داخل دوائر الحكم؟
نعم الثورة التونسية أولا فالعربية لاحقا تجري في مناخ إقليمي ودولي معاديا مطلقا لجوهرها الاجتماعي خصوصًا، المحيط الإقليمي النفطي مرعوب من انتقال عدوى "الشعب يريد إسقاط النظام" إلى ممالكه وإماراته، لذلك أنفقوا واستثمروا في وأد الثورة وتدميرها في المهد.. وهم المتعهدون الرسميون بتدمير أيّ مشهد سياسي أو حزب سياسي يتعارض وما يرسمون ويخططون .


 

وماذا عن تصدّر الإسلاميين للسلطة بعد ثورات الربيع العربي، هل تراه سببا في عدم تقبّل الغرب لتلك الثورات في (مصر ـ ليبيا ـ سوريا ـ تونس

الموقف من الإسلاميين في الحكم بعد الثورات العربية، يتنازعه موقفان، أولهما يقوده الحزب الديمقراطي في أمريكا مفاده أن الإسلام السياسي شريكا أفضل بكثير من الإسلام السياسي خصمًا، وقد جرى تنظير كبير لهذه الأطروحة بُعيد زلزال البرجين في 11 سبتمبر 2001.


وقد كانت الثورات السلمية فرصتهم المواتية لمباركة هذا السيناريو، لكن الجمهوريون في أمريكا والفرنسيون عمومًا لهم رؤية أخرى في حفظ  مصالحهم قوامها "نشر قيمنا يحمي أمننا"، لذلك يرون في الإسلام السياسي خصمًا وعدوًا لدودا باعتبار أن مرجعياته تختلف عن اللائكية الفرنسية المعادية للدين حد (لدرجة) التحول إلى دين وضعي.


أما الجمهوريون في أمريكا فتقودهم قناعة العرب مجتمع متخلف وأصولي ولا تنفع معه إلا النظم الدموية، لذلك تراهم لا يكترثون كثيرا بمسألة الاستبداد وانعدام الحريات وإذلال الإنسان في منطقة عربية يرونها مجرّد حقل نفطي بخس الثمن.



بعد وصول لمصر لمسارات ديمقراطية بانتخاب برلمان ثم رئيس ثم دستور، انقلبت الموازين رأسا على عقب عام 2013، هل في تونس الأمر مرشح لتكرار السيناريو المصري؟

الانقلاب على الحلم الديمقراطي في مصر، رغم عظمة ملحمة 25 يناير 2011، مرده منزلة العسكر في المشهد السياسي، الحكم العسكري في مصر تحول إلى ثقافة سياسية، إذ نجد أغلب النخب المسماة حداثية أو عروبية لا ترى مشكلا في حكم العسكر، مضافًا لها العقلية السياسية الإخوانية التي تعاملت مع الديمقراطية تعاملا أداتيًا، باعتبارها أسلوبا في الوصول إلى الحكم، وتعاملها الساذج مع بعض ضباط المؤسسة العسكرية، واستهتارها بالقوى الشبابية التي كانت فاعلة بشكل كبير في الثورة، كل ذلك سهل عملية الانقلاب الدموي على الثورة والديمقراطية الوليدة .

 

لكن هذا السيناريو غير مرشح للتكرار في تونس لطبيعة المؤسسة العسكرية التي لم تحكم يوما، (فتونس دومًا في قبضة البوليس)، مضافًا لها طبيعة حزب النهضة في تونس المختلف بشكل كبير جدًا عن الإخوان من ناحية البراغماتية السياسية.


أخيرًا، رؤيتك لمستقبل الرئيس السيسي في مصر، في ظل انحسار التعامل الدولي الذي فُرض على مصر بعد حادث الطائرة، بعد أن طبّع النظام العالمي لعزل الرئيس محمد مرسي من قبل؟

السيسي كأي دكتاتور يستفيد كثيرا من نازلة الحرب على الإرهاب، التي تجعل كل القوى الدولية تتنازل عن إمكانية دعم القوى الديمقراطية في المنطقة العربية لصالح نظم دموية تحت شعار استعدادها لمحاربة الإرهاب ولو أدى الأمر إلى محاربة شعوبها واستعبادها.


 

 

يشار إلى أن الأمين البوعزيزي باحث سياسي تونسي شاب، بالمعهد الوطني للتراث، متخصص في الأنثروبولوجيا الثقافية. نشط سياسيًا قبل ثورة الياسمين وبعدها، واتخذ موقفا معارضا من الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة. معروف عنه معارضته لنظام الرئيس الباجي قايد السبسي ويشن هجوما دائما على الحزب الحاكم والذي يصفه بأنهم مجرد مجموعة من النفعيين وأعداء الثورة.



اقرأ أيضًا:
استقرار تونس بين انشقاق النداء وتشاركية النهضة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان