رئيس التحرير: عادل صبري 05:41 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

دراسة: التوافق بين السلطة والمعارضة إشكالية دستور الجزائر القادم

دراسة: التوافق بين السلطة والمعارضة إشكالية دستور الجزائر القادم

العرب والعالم

البرلمان الجزائرى - أرشيفية

حددت 4 ملاحظات لتفادي ثغرات الدساتير السابقة

دراسة: التوافق بين السلطة والمعارضة إشكالية دستور الجزائر القادم

وائل مجدي 18 ديسمبر 2014 14:59

كشفت ورقة بحثية صادرة عن مبادرة الإصلاح العربى أن إشكالية بناء الدستور الجزائرى لا يمكن بأى حال أن تمر دون وجود توافق حقيقى بين السلطة والمعارضة، فى ظل التراشق العنيف بين طرفى المعادلة السياسية.

وتحت عنوان "تعديل الدستور الجزائرى المقبل حكاية سياسوية أو عملية إصلاحية"، حدد الباحث بوجنية قوى فى دراسته 4 ملاحظات لتجنب ثغرات الدساتير الجزائرية السابقة.

وقالت الدراسة إن دساتير الجزائر ولد أغلبها فى فترات يمكن وصفها بالحالات القيصرية أو الدساتير التى أوجدتها ظروف جيوسياسية ترتبط فى أغلبها بالداخل المحلى، فدساتير الجزائر الأربعة 63 و76 و89 و96 ولدت فى حالات سياسية غذتها حمولات أيديولوجية وسياسية واقتصادية معينة.

إذ يمكن القول إن الدستور الأول والثانى ارتبطا بالبعد الأيديولوجى والدور التدخلى للدولة فى إطار مبطن بشخصنة الحياة السياسية، ممثلا فى تصورات الزعيمين التاريخيين بن بلة وهوارى بومدين، بينما جاء دستور 89 كنتيجة حتمتها الظروف الاقتصادية الضاغطة والفساد الذى عرفته الساحة السياسية التى كانت تحمل شعار اللون الواحد والحزب الواحد والشخص الواحد.

إذ شكلت أحداث 5 أكتوبر 1988 قطيعة دراماتيكية بين نظامين وحقلين تاريخيين، وقد سمح بموجب هذا الدستور بتشكيل الأحزاب وحرية تأسيس الجمعيات ومزيد من الديمقراطية.

غير أن دستور 1996 الذى عدل سنة 2008، فتح المجال واسعا للترشح لعهدات سياسية غير محددة للرئيس بوتفليقة، وهو الأمر الذى اعتبره خصومه، ومنهم رئيس الحكومة الأسبق سيد أحمد غزالي، بمثابة عودة إلى الأوليغارشية السياسية، على خلاف دستور 89، الذى دشن بموجبه الرئيس الأسبق الشاذلى بن جديد منهجا سياسيا وقطيعة حقيقية بين مرحلتين جوهرتين فى تاريخ الجزائر السياسى المعاصر.

وتابعت الدراسة، أن الدعوة إلى الحوار المجتمعى المعمق بعد نجاح الرئيس بوتفليقة فى افتكاك عهدة رابعة فى انتخابات رئاسية ميزها مرضه، دفعت محيط الرئيس لوضع مسألة تعديل الدستور على أجندة الأولويات باعتباره البند الأساسى الذى حملته شعارات الحملات الانتخابية والتسويقية للرئيس.

ولذلك يمكن الوقوف على الملاحظات التالية فى المرحلة الدستورية المقبلة، والتى ستهندس لدستور يفترض أن يتميز باستقرار كبير بشكل يتجاوز ثغرات الدساتير الجزائرية السابقة.

أولا: ينبغى الإشارة بداية وعند الحديث عن مسالة بناء الدساتير أنه لا يوجد نموذج سياسى ديمقراطى مهيمن ومثالى فى حالة الديمقراطيات الناشئة، فمن النظام الرئاسى فى البرازيل إلى الملكية البرلمانية فى إسبانيا ونموذج البرتغال النصف رئاسى يوجد هناك عدد كبير من التنوعات التى تناسب شروط التحول.

فقد اختارت تونس ومصر مثلا فى المرحلة الأولى من العملية الدستورية النظام نصف الرئاسى بينما يرى الخبراء أن دولا مثل مصر بحاجة أكثر إلى نظام رئاسى قادر على إيجاد حلول جذرية أكثر من حاجتها إلى إعادة إنتاج للنظام الرئاسى السابق.

وقد بينت التجربة الراهنة أن النظام البرلمانى قد فشل فشلا ذريعا فى الحالة الليبية التى تفترسها روح القبلية والجهوية الضيقة. بل إن النظام البرلمانى أضحى يشكل أداة حقيقية لإنهاء الدولة بعد نسف السلطة السياسية وإنهاك وإرباك العملية السياسية برمتها.

لذلك ترى السلطة السياسية فى الجزائر أنها بحاجة إلى دستور يحافظ على استمرارية النظام السياسى وآليات عمله وإضفاء نوع من الحركية تستجيب لمطالب شرائح واسعة دون إحداث قطيعة تقضى على معالم الحياة السياسية الراهنة.

وهى التى يرى القائمون عليها أنه فى حالة إنهائها فإن لعبة المصالح وتدوير العملية السياسية معرضة للخرق. وهذا العرف الذى دأبت عليه السلطة السياسية الجزائرية التى ترى أن أى تغير فى الخارطة السياسية يجب أن يكون بشكل سلس يراعى شخوص النظام السياسى الحالى ولا يستبعد أى مقاربة تعطى نفسا وحركية مستقبلية للعملية السياسية.

ثانيا: تختلف أوقات صياغة الدستور عن وضع السياسة العادية ليس فى مسألة دوافع الأطراف الفاعلة ولكن بسبب غياب القواعد والمؤسسات المستقرة. حيث غالبا ما تتم صياغة الدساتير فى الحالات التى تكون فيها المؤسسات السياسية القائمة قد انهارت، وهكذا قد تكون عملية صياغة الدستور نفسها تحديا لشرعية ما تبقى من مؤسسات. وهنا يمكن القول أن غياب وظيفة التواصل التى تقوم بها المؤسسات السياسية فى الأوقات العادية يمكن أن تجعل من لحظات صياغة الدستور خطرا ملحوظا. فيمكن للأحزاب التى يقودها أشخاص أقوياء أن تحقق غالبية مؤقتة لكى تعيد تشكيل النظام السياسى بطريقة لا تقود بأى حال إلى الديمقراطية التنافسية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن عملية المشاورات حول تعديل الدستور قادتها شخصية رئيس الحكومة الأسبق التى تصفها جميع الأوساط المعارضة بأنها شخصية ذات كاريزما غير توافقية، وعليه يصعب بل يستحيل أن يستحدث الأفكار السياسية الكفيلة بصياغة وبناء دستور توافقى، ومع ذلك فقد أشاد بيان رئاسة الجمهورية الجزائرية الصادر بالصحف الوطنية بتاريخ الخميس 10 يوليو بملاحظات تفيد بتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية والحزبية والسياسية بين وزير الدولة أويحيى أحمد ومختلف الفاعلين السياسيين.

وبعد الانتهاء من مرحلة اللقاءات، تكفل ديوان رئاسة الجمهورية إلى غاية نهاية شهر أغسطس، بعملية التلخيص والاستغلال الوافى للمساهمات التى تلقاها من جميع المشاركين فى الاستشارة حول مشروع تعديل الدستور. ومع ذلك فالمعارضة ترى أن هذه المشاورات تعتبر التفافا حقيقيا حول مسار الإصلاحات عبر تمييع العميلة السياسية بشكل ديكورى لا يهدف سوى إلى تجميل صورة النظام السياسى.

لذلك دعت إلى عقد جلسات تنسيقية للمعارضة وتشكيل قطب معارض يساهم فيه رؤساء حكومة سابقون وشخصيات عسكرية وسياسية سمى لاحقا بقطب التغيير والذى يرى فى العملية السياسية والانتخابات والعهدة الرابعة انتكاسة واضحة عن المسار الديمقراطى.

ثالثا: فى مناقشات تعديل الدستور الحالية تم طرح قضايا حساسة يرتبط جلها بالهواجس الأمنية التى تواجهها الجزائر، لكن مؤسسة الجيش بمختلف أقسامها ظلت بعيدة عن صلب أى نقاش حقيقى رغم الدور المحورى الذى تلعبه فى بناء الدولة والعمل السياسى والعسكرى فى الدولة المغاربية وتحديدا فى الجزائر، كما تبنى النقاش محاور عامة ترتبط بالحقوق والواجبات والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان فى الجزائر.

رابعا: لا يزال التراشق متبادلا بين السلطة والمعارضة، حيث تشير بعض المؤشرات أن التعديل الدستورى سيتم إقراره عبر الاستفتاء فى رسالة مفادها أن البرلمان الحالى غير مهيأ لتعديل الدستور. وقد يراهن بوتفليقة على الاستفتاء الشعبى بعد أن منحه الناخب الجزائرى صكا استحقاقيا على بياض وبنسبة تجاوزت 80 بالمائة، كما قد يختار الرئيس تمريره عبر البرلمان وفق ما تقره النصوص القانونية.

وبهذا الصدد تضاربت تصريحات السياسيين حيال كيفية اعتماد الدستور القادم فى انتظار فصل الرئيس فى المسألة، بين من يقول إن مشروع التعديل سيتم عبر البرلمان وبين من يؤكد أنه تلقى ضمانات بمرور المشروع على الاستفتاء الشعبى، مثلما ذكر عبد العزيز بلعيد المرشح السابق لرئاسة الجمهورية. فما رأى فقهاء القانون الدستورى فى المسألة قياسا إلى نوع المقترحات المقدمة فى إطار المشاورات؟

بهذا الإطار، قطع قيس شريف، أستاذ القانون الدستورى بجامعة تيزى أوزو، بحتمية المرور على استفتاء شعبى لاعتماد الدستور القادم نظرا لأن التعديلات ستكون جوهرية وليست طفيفة قياسا إلى الاقتراحات المقدمة من قبل الأحزاب والشخصيات خلال جلسات المشاورات مع مدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى.

كما رجح قيس شريف الذى شارك فى مشاورات الدستور بصفته كفاءة وطنية أن يتم المرور مباشرة إلى الاستفتاء الشعبى دون المرور على البرلمان مثلما جرى فى دستورى 1989 و1989، وحول إذا ما كان ذلك يستند إلى حجج قانونية، يقول الأستاذ شريف أن الدستور الحالى تضمن: "الشعب هو مصدر السلطات" ويخول أيضا للرئيس أن "يلجأ إلى الشعب فى قضية ذات مصلحة وطنية"، والدستور يدخل فى باب المصلحة الوطنية.

كما أفاد نصر الدين بوسماحة، أستاذ القانون الدستورى بجامعة وهران، أن "البرلمان بتركيبته الحالية فاقد للمشروعية التى تؤهله للتصويت على مشروع تعديل الدستور"، وأوضح أن "السلطة عليها أن تطرح هذا المشروع على الاستفتاء الشعبى، رغم ما لهذا الخيار من مخاطر، حتى تضمن على الأقل أن يكون الدستور القادم مستندا إلى أساس شعبى".

وعليه فإن إشكالية بناء الدستور الجزائرى لا يمكن بأى حال أن تمر دون وجود توافق حقيقى بين السلطة والمعارضة فى ظل تراشق عنيف بين طرفى المعادلة السياسية.

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان