رئيس التحرير: عادل صبري 06:13 مساءً | الاثنين 19 نوفمبر 2018 م | 10 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

تنظيم "داعش" ورقعة الشطرنج الإقليمية

تنظيم داعش ورقعة الشطرنج الإقليمية

العرب والعالم

علي باكير

لابد وأن تثور علامات استفهام عندما نجد أن مسلحي داعش أطلقوا من سجون سوريا والعراق

تنظيم "داعش" ورقعة الشطرنج الإقليمية

"داعش" ورقعة الشطرنج الإقليمية

علي باكير 02 أكتوبر 2014 16:52

عندما يتعلق الأمر بالمجموعات المتطرفة سواءً أكانت تسمى "القاعدة" أو تنظيم "داعش" أو غيرها من الأسماء، فإننا نقرأ ونسمع الكثير من المعلومات المتضاربة والتناقضة حول "من هي الجهة الداعمة لهذه التنظيمات أو الجهة التي ساعدت على انشائها أو الجهة التي تستفيد منها"، وفي كثير من الأحيان تتقاطع مصالح الأطراف فيدعمها أكثر من طرف أو يستفيد منها أكثر من لاعب.

فيما يتعلق بتنظيم "داعش"، هناك من يتّهم السعودية ودول الخليج العربي بالوقوف وراءه، وهناك من يتّهم تركيا، وهناك من يتهم الولايات المتّحدة وإيران، وهذا دليل على أنّ ظاهرة الجماعات المسلّحة المتطرّفة ظاهرة معقّدة ومتداخلة ومتشابكة، لا يمكن النظر إليها من جانب واحد فقط.

وعندما يتعلّق الموضوع بـ "مكافحة الارهاب" يصبح الأمر أكثر تعقيدا. فحتى الآن ليس هناك تعريف محدد لـ"الإرهاب"، ولا نعرف لماذا يتم ملاحقة جماعة راديكالية مسلّحة معيّنة بينما تُترك جماعات أخرى لا تقل خطورة عنها كتلك التابعة لإيران في لبنان وسوريا والعراق واليمن والبحرين على سبيل المثال. ليس هذا فقط، بل أنّ عددا من الدول الإقليمية كمصر والسعودية أصبحت تعتبر أنّ جماعات سياسيّة لا تعتمد العنف منهجا لها كجماعة الإخوان المسلمين هي تنظيمات إرهابيّة تجب محاربتها.

وبشكل عام، فقد أصبح موضوع  "الإرهاب" و"مكافحة الإرهاب" منذ حوالي عقد من الزمان موضوعا مطّاطا، ويستخدم من أجل تحقيق أهداف سياسيّة. فبعض الدول توجده أو تستغله أو تدعمه ومن ثمّ تطرح خيار محاربته من أجل:  توسيع نفوذها الاقليمي، أو تبرير بقاء أنظمة غير شرعية أو غير ديمقراطية، أو من أجل السيطرة على مقدّرات المنطقة وتغيير واقعها، كلّ دولة بما يناسبها.

لكن وكباحثين، يجب علينا عندما تتوافر الوقائع والمعلومات ألا نترك الحقائق ونلجأ الى التخمينات والترجيحات. وبالعودة الى موضوع "داعش"، فإن الوقائع تقول أنّ النسبة الأكبر من مقاتلي هذا التنظيم إقليميا من تونس ودوليا من روسيا. كما أنّ النواة الصلبة لـ"داعش" أو "القاعدة" في سوريا والعراق اليوم هم من المسجونين السابقين الذين أطلق بشّار الأسد سراحهم، ومن الذين فروّا من سجون المالكي الأكثر تحصينا. فلماذا يطلق الأسد سراح هؤلاء بينما يقوم بقتل الناشطين السياسيين والحقوقيين في سجونه؟ وكيف يمكن أن يفرّ في يوم واحد فقط أكثر من 500 عنصر من أخطر المنتسبين لتنظيم القاعدة من أكثر سجون المالكي تحصينا في حين يقوم بإعدام من هم أقل خطرا منهم ويرفض إطلاق سراح المظلومين؟

أما عن التمويل، فهناك من يقول إنّ السعودية وعددا من دول الخليج هي من يموّل "داعش"، وفي حين قد يكون المقصود بذلك التبرعات التي قد تصل من قبل أثرياء أو متعاطفين مع الشعب السوري والعراقي إلى مثل هذه التنظيمات، فإن الوقائع مرة أخرى تقول إن من ابرز مصادر التمويل لدى "داعش" بيع النفط والكهرباء لـ"نظام الأسد"، بالإضافة إلى المال الذي نهبته داعش من بنك الموصل والمقدر بحوالي 450 مليون دولار، بالإضافة لأعمال أخرى منها التهريب والجمارك والفدية والتبرعات.

وبغض النظر عن كل ذلك، فإن "البقرة" التي تسمى "داعش" قد كبرت وسمنت وترعرعت وقويت تحت مرأى ومسمع العالم بأسره، ولم يتدخل أحد لفعل شيء عندما كانت "داعش" تقتل المعارضين السوريين وتسيطر على مناطقهم.


تحالف هش ضد "داعش"

وفيما يبدو الآن أن هناك إجماعا اليوم من مختلف الأطراف على مهاجمة "داعش"، إلا أنّ دوافع وغايات هؤلاء اللاعبين الإقليميين والدوليين مختلفة تماما عن بعضها البعض. ولنأخد السعودية وإيران والولايات المتّحدة على سبيل المثال.

ما يهم السعودية هو الحفاظ على نظامها السياسي، ولأنّ خطر داعش كان قد تضّخم مؤخرا، فإن السعودية خشيت أن ينتقل التهديد إليها خاصة وأنّ تنظيم "داعش" قد ينجح من خلال خطابه في اجتذاب شريحة واسعة من الشباب السعودي بشكل قد يهدد نظام الحكم، ولهذا فقد تحرّكت السعودية مباشرة لوقف هذا التهديد.

أما بالنسبة إلى إيران، فما يهمّها هو نفوذها الإقليمي وبرنامجها النووي. ويشكل "داعش" بالنسبة لها تحدّيا وفرصة في نفس الوقت. فقد كاد التنظيم أن يطيح بنفوذها في العراق بشكل كامل خلال الفترة الأخيرة من حكم المالكي، كما أنّ التنظيم الذي كان على توافق مع الأسد قد بدأ يشكّل خطرا عليه في المعارك الأخيرة التي جرت بينهما خاصة ما يعرف باسم معركة مطار الطبقة العسكري، وكذلك الأمر بالنسبة إلى خطر التنظيم على حزب الله في لبنان. وترى طهران التي هيّئت البيئة المناسبة لنشوء وتمدد هذا التنظيم أنّه قد يشكّل فرصة بالنسبة لها للمقايضة على الملف النووي.

أمّا الولايات المتّحدة، فهي تركّز على الجانب الأمني والعسكري، ولا يبدو أنّها تعالج الأسباب الحقيقيّة التي أدت وتؤدي إلى ظهور وتكاثر مثل هذه التنظيمات التي يحتاج التعامل معها النظر إلى ما هو أبعد من الخيار الأمني والعسكري. وحتى إذا إفترضنا أنّ لهذه الظاهرة عوامل دينية وأمنية، فكيف يمكن القضاء على التطرف الديني في في ظل السكوت عن الممارسات الطائفية وعمليات القتل والإرهاب التي تنشرها أيضا جماعات أخرى تابعة لطهران في أماكن الصراع الأساسيّة في الشرق الأوسط ، وكيف يمكن القضاء على التطرّف في الوقت الذي يتم فيه التغاضي عن عزل وقمع حلفاء الولايات المتّحدة للإسلاميين المعتدلين الذين يفوزون في الانتخابات في بلدانهم؟

من الواضح أنّ الجميع يحاول تجاهل الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى ولادة (داعش) والتهرب من مواجهتها بدلا من حلّها، مما سيؤدي في المستقبل إلى ولادة من هو أكثر تطرفا من "داعش". أضف الى ذلك أنّ التضارب في الأجندات والأهداف والغايات من محاربة "داعش" يعني أنّ التحالف لن يستمر طويلا وسرعان ما سيعود الصراع الجيوبوليتكي بين اللاعبين الإقليميين والدوليين.

وللأسف، فإن إشراك التحالف الدولي لإيران وميليشياتها في محاربة "داعش" سيغذّي الحريق الطائفي الذي كانت طهران قد أشعلته منذ سنوات عبر أدواتها في المنطقة، كحزب الله في لبنان والمالكي في العراق والأسد في سوريا والآن الحوثي في اليمن. وهي اليوم تطالب بمقايضة تعاونها في محاربة "داعش" بالملف النووي.


ما بعد المعركة ضد "داعش"

إن الازدواجية والتناقض في الموقف الإيراني من موضوع مكافحة الإرهاب وتأرجحه بين "الإنكار والإقرار" هو جزء من استراتيجية دأبت طهران على اتباعها منذ عقود. تسمح لها هذه الاستراتيجية بأن تبقي خياراتها مفتوحة، وأن تساوم، وأن تحاول أن تلعب على الطرفين، وأن تنتقل من ضفّة إلى أخرى وفقا لمعطيات المعركة والنتائج التي تؤول إليها، وبما يخدم مصالحها ونفوذها الإقليمي.

ولا شك في أنّ اللاعب الإيراني قد يكون في وضع أفضل لاستغلال وتوظيف الأحداث. فهو الأكثر قدرة على إدارة الوضع الإقليمي في ظل الفوضى؛ لما يمتلكه من خبرة ومن أدوات وأذرع إقليمية تخوله الصمود في مثل هذه الظروف التي طالما اعتادت العمل فيها، بل ومحاكاتها في كثير من الأحيان لاستدراج بعض القوى للتفاوض والحصول على تنازلات، وهو ما يؤدي للاعتراف بنفوذها ومصالحها الإستراتيجية والحيوية في المنطقة.

تدافع إيران عن نفسها تقليديا عبر خط دفاع تقيمه خارج حدودها. وعندما ينجلي الغبار؛ وإذا تمكن التحالف من إضعاف وتفكيك "داعش" بعد سنوات، ستكون إيران الدولة الوحيدة التي تمتلك على الأرض "رجالا مدججين بالسلاح" في المنطقة الممتدة من بيروت مرورا بدمشق وبغداد وصنعاء.

أما إذا لم ينجح التحالف في القضاء على "داعش"، فقد تتحوّل طهران في مرحلة من المراحل إلى دعمه في وجه الولايات المتّحدة والحلفاء الإقليميين. ولنا سابقة في  هذا المجال؛ عندما استضافت ووظّفت القياديين في تنظيم القاعدة على أراضيها رغم التعارض الأيديولوجي الظاهر بين الطرفين، والذي يخفي خلفه هذا النوع من التعاون أو الدعم.

للأسف فقد تبيّن أنّ الثورات العربيّة ليست على مقياس بعض الأنظمة. فقد كان النظام الإيراني - على سبيل المثال - من أوائل اللاعبين الإقليميين الذين يتصدّون لثورات الشعوب ويدعمون ما يسمى "الثورات المضادة"، وهو ما حصل في لبنان عام 2008 وطهران عام 2009 و العراق 2010 وسوريا 2011 واليمن.  وقد نجحت طهران في استبدال رئيس في العراق، وفي الإبقاء على رئيس في سوريا، وفي المفاوضة على رئيس في لبنان، وفي محاولة إسقاط رئيس في اليمن. وتدعم السعودية وبعض الدول الخليجية اليوم في المقابل انقلاب السيسي، وكذلك الثورة المضادة في ليبيا.

لكن الأكيد أنّ كل هذه الأنظمة لن تستطيع وقف التحوّل الجاري. كل ما تستطيع فعله هو إما تأخيره أو دفعه باتجاه التطرف والإرهاب، وسيكون لذلك بطبيعة الحال نتائج سلبية كبيرة من حيث ارتفاع الفاتورة التي ستدفها شعوب المنطقة، لكن لا شكّ في أنّ تداعيات كل ذلك ستصل عاجلا أم آجلا إلى الدول التي تقف في وجه الثورات، وهو الأمر الذي يجب أن تعيه وتدركه جيدا.

نقلا عن موقع نون بوست

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان