رئيس التحرير: عادل صبري 06:13 مساءً | الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م | 12 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

السودان... من الحوار إلى الاستقطاب

السودان... من الحوار إلى الاستقطاب

العرب والعالم

عمر البشير

السودان... من الحوار إلى الاستقطاب

حيدر إبراهيم علي 01 أكتوبر 2014 18:48

استبشر السودانيون خيراً، عندما أعلن عمر البشير، رئيس الجمهورية، في نهاية كانون الثاني (يناير) 2014، نية حكومته فتح حوار شامل وقومي لكل القوى السياسية. وظن الكثيرون أن النظام ثاب لرشده وأدرك عمق الأزمات التي تحيط بالبلاد.

 

ورأى البعض في ذلك الخطاب خطوة محمودة على طريق النقد الذاتي والإصلاح، ثم الخروج من الأزمة سلمياً. ولكن السياسة لدى الإسلامويين السودانيين لها دلالات ومفهومات تختلف كثيرا عما هو سائد ومتعارف عليه، فالكلام لا يعني نفس المقاصد التي يتداولها الناس عادة، إذ تُترك دائما مساحات كبيرة للتأويل وللتراجع وسوء الفهم. فمن المعروف أنه حين يعلن طرف ما دعوة للحوار، فهذا يعني أنه قرر إعادة النظر في قضايا خلافية ذات أولوية، باعدت بينه وبين الآخر. ولنجاح الحوار لا بد من بناء الثقة وتهيئة الأجواء ليكون الحوار صريحا بلا خوف ومعوقات. وفي الحالتين يظل مطلب الحريات والتحول الديموقراطي استراتيجيا في أي حوار، خاصة أنه يمثل الموضوع والآلية معا.

 

استهل النظام من البداية دعوته للحوار بلعبته التي يجيدها، وهي هدر الوقت وإضاعته في جدل عقيم بقصد إنهاك الخصم وتعطيله عن المعارضة الحقيقية الجادة. فقد ظلت البلاد خلال تسعة أشهر تنوس حول الكلام عن الحوار من دون ممارسته. كما أن النظام رفض مطلقا طلب تهيئة أجواء الحوار، باعتبار أنها شروط مسبقة على رغم أنها آلية بديهية في أي حوار جاد. ودخل النظام في مونولوغ ممجوم مع نفسه، ومع رفاق درب فرقهم الدهر حتى ظنوا ألاّ تلاقياً. فقد تفتق ذهن منظريه على ما سمّوه «آلية 7+ 7» وهي شكلياً تعني 7 أشخاص من الحكومة مقابل 7 أفراد يمثلون أحزاب المعارضة، علماً بأن النظام لديه معارضته التي يشركها في الحوار. فقد كونها مثلما كوّن حكومة الوحدة الوطنية والتي يدعي أنها تشتمل على أكثر من 15 حزبا مواليا. وعقدت الآلية التي تضم أحزاب الحكومة والمعارضة الموافقة على الحوار اجتماعاً افتتاحياً، قررت فيه استمرار الحوار «بمن حضر»، وذلك على رغم مقاطعة 21 حزباً معارضاً يمثّلون تحالف المعارضة، الى جانب حزب «الأمة»، وقد كان الصادق المهدي من أكثر دعاة الحوار حماساً، إضافة لكل الحركات التي تحمل السلاح ضد النظام في الخرطوم. وتنفي هذا التركيبة الحزبية التي شاركت والتي قاطعت، أي صفة قومية أو إجماع، عن الحوار المعلن. والاقصائية واضحة، حين يعتبر «من حضر» هم الممثل لكل الشعب ولهم الحق في التحدث باسمه. تحول الحوار سريعاً إلي مونولوغ يخاطب النظام فيه نفسه ورفاقه القدامى، بالاتفاق علي ما سُمّي «خارطة طريق»، والتي احتوت بلا مواربة على أجندة النظام للمرحلة القادمة، وقد تمثل ذلك في طرح «التشريعات والاجراءات الضرورية لإجراء انتخابات عادلة تحت إشراف مفوضية مستقلة سياسياً وإدارياً»، علما بأن النظام عيّن مفوضية للإنتخابات من دون مشاورة المعارضة. وسارعت المفوضية المعينة فى الاجراءات التي ستحدد مقدما نتائج الانتخابات التي ستجرى في نيسان (أبريل) 2015. ومن الواضح أن النظام سوف يشغل المعارضة بوهم الحوار، بينما يستعد هو للإنتخابات. وبعد ذلك، يأتي حزب المؤتمر الوطني للحكم في دورة انتخابية جديدة يعيد فيها إنتاج الأزمات المتفاقمة حتى تصل دولته الفاشلة، في وقت قياسي، الى مرحلة الإنهيار الكامل بتفكيك ما تبقى من الوطن، بحسب مؤشرات دارفور وجبال النوبة.

 

لقد تحولت خدعة الحوار وسيلة لتحقيق أهداف بعيدة المدى في تقوية وتمكين الإسلامويين. ويتمثل الهدف الأول في إشعال مزيد من الخلافات بين صفوف المعارضة، وهذا ما نجح فيه النظام. فقد عارضت بشدة بعض أحزاب «قوى الإجماع الوطني» المعارض، فكرة الحوار من دون تهيئة الأجواء. وكانت النتيجة خروج حزبي الأمة القومي، والمؤتمر الشعبي، من التحالف المعارض. وكانت هذه اول الاستقطابات التي نتجت عن دعوة الحوار بينما يفترض في أي حوار أن يقرب ويوحد الأطراف في إطار قومي متجاوز.

 

يبدو أن الهدف الاستراتيجي المحوري الآخر لدعوة الحوار هو توحيد الصف الإسلاموي الذي تأثر كثيرا بالمفاصلة عام 1999، وبدرجة أقل بخروج غازي صلاح الدين ومجموعته. فقد بدأ الإسلامويون السودانيون يستشعرون أخطار تراجع الحركة الإسلاموية في دول الجوار خاصة مصر وليبيا. وسرت في المنطقة موجة التضييق والعداء للإخوان المسلمين الذين فقدوا ظهيرا تاريخيا في الجزيرة العربية والخليج، بالإضافة الى تكتل العالم الأخير ضد تطرف جماعات تكفيرية، تحت مظلة محاربة الإرهاب. ومن مخاطر هذه الحملة التعميم الممكن الذي قد يمارسه الغرب في تصنيف جماعات الإسلام السياسي، والتعامل مع كل جماعات الإسلام الحركي والنشط سياسيا، ككتلة واحدة، علما بأن صفات الاعتدال والوسطية المستخدمة بيننا قد لا تكون لها نفس الدلالات في العقل الغربي المشتبك مع المسلمين على مستويات عدة، بدءا من الهجرة والصراع الثقافي. ومن الواضح أن الإسلامويين السودانيين في حيرة شديدة من التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة نتيجة انتشار نفوذ «داعش». وسيكون خيارهم الأول العاجل أن يتوحدوا، ليس بسبب الأزمة السودانية فقط، إذ أضيفت اليها تحديات إقليمية ودولية هائلة. ولم تعد حركات الإسلام السياسي عموما في أفضل حالاتها، كما أوحت ظروف ما سمي بـ»الربيع العربي» قبل ثلاث سنوات.

تسبب تقارب فصائل الإسلامويين السودانيين المختلفة ظاهرياً من الاستقطاب الى درجة أبعدت عنهم أكثر السياسيين حماساً للحوار، وقرباً فكرياً منهم، وهو الصادق المهدي. وفي محاولة لاستباق أي عزلة محتملة، وقع المهدي إعلان باريس مع «الجبهة الثورية» التي كان يناصبها العداء، وفصل أبرز قياديه (نصرالدين الهادي) بسبب تعاونه معها. وتشكلت الآن خريطة سياسية جديدة ثنائية القطب، بحيث يضم المعسكر الأول الإسلام الرسمي الحاكم بكل أطرافه، بعد عودة المتمردين التائهين، الى الحاضنة الأم: السلطة. وتقف في المعسكر المقابل كل قوى المعارضة، والتي تجاوزت خلافاتها على مستوى البيانات والتصريحات. ففي البداية هاجمت بعض قيادات «قوى الإجماع الوطني» توقيع المهدي على إعلان باريس، ووصفته بالمناورة وعدم الثبات على المبادئ.

ولكنها تراجعت عن ذلك الموقف، وأكدت أن الإعلان خطوة مهمة على طريق وحدة قوى المعارضة. وهو بالفعل يمكن أن يكون كذلك، شرط أن يتحول من مجرد شعارات إلى عمل جماهيري يومي، وأن ينُزَل به إلى الشارع. فالنظام وأد حواره بالتسويف، والمماطلة، وباستمرار تقييد الحريات. ولذلك يهرول الآن نحو الرئيس الجنوب أفريقي الأسبق، مبيكي، ودول الجوار الإفريقي، لإخراجه من المأزق. فقد تعود السودانيون على ترحيل مشاكلهم الى الخارج، والبحث عن الحلول خارج حدودهم عند الآخرين. وفي كل الأحوال فإنها الفرصة الأخيرة للسودان المعروف باهدار الفرص، كما أنها إختبار نهائي لجدية المعارضة السودانية.

 

 

* كاتب سوداني

 

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان