رئيس التحرير: عادل صبري 04:59 مساءً | الأحد 23 سبتمبر 2018 م | 12 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

عبدالرحمن المهدي.. ابن الخصم ومساعد الحكم في السودان

عبدالرحمن المهدي.. ابن الخصم ومساعد الحكم في السودان

الأناضول 01 أكتوبر 2014 09:49

من مفارقات السياسة في السودان، أن العقيد عبدالرحمن، نجل أبرز خصوم حزب المؤتمر الوطني الحاكم، الصادق المهدي يشغل منصب مساعد الرئيس عمر البشير، ليس هذا فحسب، بل أن نجله الثاني "البشرى"، الذي التحق بوالده في منفاه "الاختياري" عقب توقيعه اتفاق مع حركات مسلحة في أغسطس الماضي، ضابط رفيع في جهاز الأمن والمخابرات السوداني.

نجل المهدي، عبدالرحمن (48 عاماً)، الذي يشغل منصب مساعد الرئيس السوداني عمر البشير، كان من أشد خصوم حكومته في الماضي، لدرجة أنه خطط إبان مشاركته في العمل المسلح الذي قاده والده ضد الحكومة في الفترة من (1996 – 1999)، للقيام بتفجيرات في العاصمة الخرطوم، لكن مع مرور الأيام توصل الى قناعة راسخة بأن نظام البشير لايمكن اقتلاعه بالقوة، فغير سياسته المناهضة الى التقارب مع الحزب الحاكم.

 

عبدالرحمن من أبرز مهندسي اتفاق (جيبوتي) الذي وقعه المهدي والبشير في نهاية عام 1999، وكان الحدث مثار فرح في الخرطوم، حتى أن البشير وصفه بأنه أشبه باتفاق التعايش السلمي بين الحزبين، وأمر بتوفير حماية لحزب الأمة بعد الرفض والتنديد اللذين قوبل بهما الاتفاق من جانب المعارضة، وأفضى الاتفاق الى عودة المهدي الى الخرطوم وتسريح جيشه (جيش الأمة) بعد نحو 4 سنوات من العمل المسلح.
 

عبدالرحمن الذي أبصر النور، في أم درمان في 11 مارس 1966، درس كل مراحله الدراسية الأولية بالسودان، والتحق بالكلية العسكرية الملكية الأردنية (عمان) العام (1987م) الدفعة 24، وعقب التخرج التحق بالدفعة 35 بقوات الشعب المسلحة السودانية، برتبة الملازم.
 

وعقب انقلاب البشير على والده في عام 1989 تم إعفائه من الجيش السوداني، لكنه سرعان ما التحق بالعمل السياسي السري لحزب الأمة القومي، وكان عضوا بالمكتب الخاص الذي يقود عمل الحزب بالداخل، ومسؤولا عن تأمين العمل السري.

تم اعتقاله أربع مرات ومنعه من التنقل خارج العاصمة الخرطوم وحظره من السفر للخارج في الفترة من 1989-1996م، بيد أنه خطط ونفذ بنجاح عملية "تهتدون" التي اقتضت تهريب والده الصادق للخارج سرا عبر الحدود الأرترية في 12 ديسمبر 1996، وتقلد قيادة جيش الأمة للتحرير (الجناح العسكري لحزب الأمة) وخاض معارك ضد حكومة البشير شرقي السودان.
 

بعد عودة قيادات حزب الأمة من الخارج عقب توقيع اتفاق "جيبوتي" بين الأمة والحزب الحاكم، في نوفمبر 2000 تقلد عددا من المناصب في حزب الأمة أبرزها: رئيس لجنة الأمن والدفاع بالمكتب السياسي، وعضو مكتب التنسيق الأعلى، ومساعد والده للأزمات.
 

منذ عودته الى الداخل استبدل نجل المهدي، معارضته لنظام البشير، الى التقارب معه، وعمل على تقريب وجهات النظر بين الحزبين، ورتب أكثر من مرة لقاءات لوالده مع قيادات رفيعة في الحزب الحاكم، سعياً لإشراك حزبه في الحكومة، لكن مواقفه تلك ووجهت بمعارضة شديدة من قيادات بحزب الأمة القومي، وفي العام 2010 أعيد الى الخدمة في صفوف الجيش السودان برتبة العقيد، واستقال حينها  من مناصبه الدستورية بحزب الأمة، لكنه ظل محتفظاً بعضوية الحزب.
 

ولم تفلح محاولات تيارات داخل حزب الأمة المعارض نزع عضوية نجل المهدي في الحزب، ورد عليهم والده المهدي أن "عضوية حزب الأمة مثل الجنسية لا تنتزع".
 

وبعد مرور عام، عين الرئيس البشير العقيد "عبد الرحمن" مساعداً له في العام 2011، وهو ما قابله الكثيرون بالذهول والحيرة والتأويلات الكثيرة، واتهم البعض والده بمباركة تعيين نجله عبر "اتفاق مبطن" بينه والبشير عقب لقاءات عديدة جرت بين الحزبين كان يقف وراءها عبدالرحمن، الأمر الذي أحدث زلزلة في صفوف حزب الأمة.
 

لكن المهدي سرعان ما نفى ذلك، وطفق يمجد نجله واصفاً إياه بانه "فارس سوداني خدم القوات المسلحة السودانية بإخلاص" وقال إن "قرار عزله من الجيش السوداني كان ظلماً".
 

وأشار إلى أن عبد الرحمن انقطعت علاقته بحزب الأمة منذ العام 2010، وقال إن تعيينه مساعداً للبشير لا يمثل حزب الأمة بأي شكل من الأشكال، ولا يتقاطع مع موقف الحزب المعارض.
 

وفي أول تصريح له عقب تعيينه مساعداً للبشير، أشار عبد الرحمن إلى أنه قبل المهمة من موقعه كضابط للقوات المسلحة، حرصاً على المصلحة الوطنية وأنه سيسعى  على تحقيق السلام الشامل والعادل والتحول الديمقراطي الكامل والنهج القومي ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
 

وأضاف أنه في موقعه الحالي (مساعد البشير) لا يمثل حزباً ولا حتى  والده، قائلا: "أنا أمثل شخصي وقناعاتي، ومجهودي، واجتهادي الذي أقدمه لوطني وأنا أطمع في الأجرين لو أصبت لي الأجر الواحد وإن أخطأت فلي شرف المحاولة".
 

هذه "الربكة" التي أحدثها تعيين عبد الرحمن في الحكومة وسعي والده وشخصه لنفي أي علاقة لهما ببعض من الناحية السياسية، وصفها القيادي بحزب الأمة القومي عبد الرحمن الدومة (عضو الهيئة المركزية بالحزب)، بأنه غير حقيقي، ورأى الدومة في حديثه للأناضول أن تعيين عبدالرحمن جاء وفق اتفاق بين المهدي والبشير.
 

تقلد عبدالرحمن، منصب مساعد البشير، أدخل أفراد أسرته خاصة شقيقاته "رباح" و"مريم" التي تشغل منصب نائبة والدها في الحزب، المعروفتان بمناهضتهن لنظام البشير، في موقف حرج، وساهمت في فتور العلاقة بينه وأسرته، وبات عبد الرحمن لا يتواصل بشكل دائم مع أسرته، وروى عبدالرحمن لمقربين منه، أنه بات في الفترة الماضية، يتواصل معهن عبر مجموعة خاصة بالأسرة على تطبيق التواصل الاجتماعي "واتس آب".
 

وفي العام 2013 كادت العلاقة بين عبد الرحمن وأسرته أن تصل إلى حد المقاطعة الاجتماعية، عندما منعت السلطات السودانية "مريم"، نائبة والدها في الحزب من السفر الى جنيف، وحينها ناشدت مريم، شقيقها عبد الرحمن باتخاذ موقف واضح من السلطة وأردفت في تصريحات صحفية: "إذا كان لا يريد عبد الرحمن اتخاذ موقف واضح من الحكومة، ينبغي علينا ان نتخذ قراراً بمقاطعته اجتماعيا".
 

فمريم التي تقاسم أخوها عبد الرحمن الحب الأخوي، إلا أنها مضطرة أن تقاسمه العداء في مقبل الأيام وهي التي تسعى إلى إسقاط النظام الذي يعمل فيه أخوها عبد الرحمن مساعداً للرئيس.
 

وإن كانت السياسة فرقت السودانيين الى صفوف مختلفة، فأجبرت عبد الرحمن على السكن بعيدا عن عائلته بمدينة أم درمان واختيار السكن في حي آخر، ورغم مغازلة عبد الرحمن للسلطة ردحا من الزمان إلا أن غالبية أنصار حزب الأمة يراهنون ان المهدي يعمل على تجهيز نجله "عبد الرحمن " لتولي رئاسة الحزب خلفا له، ويرى استاذ العلوم السياسية بجامعة النيلين أسامة زين العابدين أن أسرة (المهدي) ظلت تتقاسم الأدوار وتوزيع أبنائهما في المعارضة والحكومة، واستشهد زين العابدين في حديثه للوكالة الأناضول، بوجود عبدالرحمن في الحكومة وشقيقاته مريم ورباح في المعارضة.
 

لكن "رباح" ابنة والسكرتير الخاص لرئيس حزب الأمة الصادق المهدي، رفضت بقوة وصف ما يجري في بيت المهدي بأنه تمثيلية لتقسيم الأدوار بين المعارضة والحكومة.
 

وأشارت في تصريحات صحفية سابقة، إلى أن ما يجري داخل الأسرة اختلاف حقيقي في التقديرات السياسية بينهم، وأضافت "كل الأسرة أخطرت عبد الرحمن رفضهم لمشاركته في الحكومة، وأن تقديره غير جيد في ذلك".  إلا أنها لا تعتبر أن هذا الأمر سيتطور إلى أن يكون قطعية من الناحية الاجتماعية وأضافت "لا قطيعة بيننا".
 

وموقف رباح هذا ليس بعيداً عن موقف والدها الصادق الذي قال إنه يحترم خيارات أبنائه ويعطيهم حريتهم في ما يريدون رافضاً أن يستخدم سلطته الأبوية لفرض موقفه على أبنائه.
 

وهذه ليست المرة الأولى التي تتوتر فيه العلاقة بين عبدالرحمن المهدي وأسرته، فإبان اعتقال والده في مايو الماضي، واجه هجمة شرسة من أسرته وعضوية حزب الأمة القومي، وطالبوه بتقديم استقالته من منصبه، لكن عبدالرحمن، تجاهل دعوات أسرته، ومضى غير آبه في منصبه.
 

غير أن عبدالرحمن واجه ضغوطاً نفسية حادة عند اعتقال والده، مما جعله يتردد عليه في محبسه بسجن كوبر العتيق، بشكل يومي، وكشفت تسريبات صحفية، عن عزوف نجل المهدي عن مباشرة مهامه فى القصر الرئاسى لنحو أيام، ودخل في حالة شبيهة بالعزلة، لم يخرج منها إلا عقب إطلاق سراح والده بعد نحو شهر، ولم يجد عبد الرحمن مفرا من إرضاء والده عندما أفرج عنه سوي الترجل من سيارته إلى باب السجن ومعانقة والده والذهاب معه إلى منزل الأسرة بضاحية الملازمين بأم درمان غربي الخرطوم، لمشاركتهم فرحة إطلاق والدهم.
 

واعتقلت السلطات السودانية المهدي، في مايو الماضي بسبب انتقادات قاسية وجهها لقوات الدعم السريع التابعة لجهاز الأمن والمخابرات وتساند الجيش في حربه ضد المتمردين بدارفور، قبل الإفراج عنه بعد نحو شهر .

ومرة اخرى سيجد عبد الرحمن نفسه في موقف لايحسد عليه على خلفية تصريحات للرئيس عمر البشير السبت الماضي، حيث اشترط عودة المهدي إلى السودان بالتبرؤ من اتفاق وقعه مع حركات مسلحة في أغسطس الماضي، بعد مداولات استمرت يومين في باريس وضعا فيه شروطا مشتركة لقبول دعوة الحوار.
 

ومنذ التوقيع على الاتفاق، لا يزال المهدي خارج البلاد، وبعد ساعات من دعوة الرئيس السوداني الصادق المهدي إلى "التبرؤ" من اتفاقه مع المتمردين، أعلن جهاز الأمن والمخابرات السوداني اعتزامه مقاضاة المهدي، بشأن مشاركته في "أنشطة ضد البلاد".
 

شرط البشير، وإعلان الأمن اعتزامه مقاضاة المهدي، تجعل من عودة المهدي إلى الخرطوم خياراً صعباً.
 

ويرى مراقبون أن المهدي رفض العودة إلى الخرطوم لتخوفه من الاعتقال، فما هو مصير عبدالرحمن في السلطة عقب الشروط التي وضعها البشير لوالده، هل سيتقدم باستقالته استجابة لدعوات أسرته، أم سيتجاهل الدعوات المطالبة إياه بالترجل عن منصبه ويستمر في موقعه مساعداً للبشير.
 

القيادي الشاب بحزب الأمة القومي فتحي حسن مادبو (عضو الهيئة المركزية بالحزب)، يرى أن عبدالرحمن المهدي قدم نموذجاً سيئاً للأجيال فى السودان "حين يعلي من شأن المنصب بانتهازية صارخة على اعتبارات أسرته".
 

ومضى قائلاً للأناضول إن "كان والده يقوم بتقسيم الأدوار بينه وبين نجله، فهو أمر مربك ويضرب بقوة فى مصداقية الأسرة المهدوية فليس من المستساغ والمقبول ان تكون جهة منها تمارس النضال (والده وشقيقاته) وجهة أخرى فى سدة السلطة تمارس البطش (عبدالرحمن)".
 

وتوقع مادبو عدة سيناريوهات حول مستقبل عبدالرحمن، من بينها "صدرو قرار رئاسي بإقالته، أو إجباره على الإستقالة عبر تهميشه، أو الإستقالة من تلقاء نفسه لإعتبارات تخص والده".

 

اقرأ أيضا 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان