رئيس التحرير: عادل صبري 02:25 مساءً | الأحد 23 سبتمبر 2018 م | 12 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية
في جنون إسرائيل...

العرب والعالم

نهلة الشهال

في جنون إسرائيل...

نهلة الشهال 27 يوليو 2014 09:46

... والجنون هنا لا يَرِد كشتيمة. هناك شتائم مقذعة يمكن إطلاقها على إسرائيل، وهي جميعها مستحَقة، ولكن آداب النشر تمنعني من إيرادها، عدا عن أنها لا تقدّم ولا تؤخر،

ولست بصدد تنفيس غضبي. كذلك، فصفة الجنون لا ترد هنا بمعناها النبيل، كما حينما تدل على عجز عن التأقلم مع الدنيا التي تحمل في طياتها ما لا يمكن التأقلم معه إلا بالتخلي عن صفات عليا حميدة، أو حين تدل على تفرد يخرج بصاحبه عن «القطيعية» هكذا يُجن شعراء وفنانون (وبنسب أقل بكثير مثقفون، لأن معظم هؤلاء «مشتغلون» بالثقافة، بوعي ووظيفية ولأغراض شتى) أو يوصفون بالجنون في الوقت الذي يرون هم فيه هذا العالم لا يُطاق. وبالطبع، وعبر التاريخ والأمكنة، جرت «شيطنة» الجنون من قبل المتنفذين بشتى أشكالهم، ودخل إلى الوعي العام الخوف من الجنون والمجانين، واستخدم الأمر للضبط والقمع والإخضاع، وللعقاب، عزلاً وتعذيباً وقتلاً، للدفاع عن «النظام» (من لم يقرأ فوكو!؟)

جنون إسرائيل لا يدخل في أيٍ من هذه المعاني. إنه التعبير الأوضح عن مآل هذا المشروع. عن اصطدامه بحدوده، واستحالته بمعنى الديمومة والوصول إلى «العادية». وللحق، فمساره إلى ذلك لم يأخذ وقتاً طويلاً، منذ ولدت بذرته قبل مئة عام ونيف، ثم تحقق منذ ستة وستين عاماً. هناك معترضون على الصفة يقولون بأن سلوك إسرائيل استعماري فاشي والسلام، ولا دخل للجنون بالأمر. بل يذهبون إلى أن هذا النعت يخفف القسوة المطلوبة في تقدير المسلك الإسرائيلي. في كتاب صادر له عام 2004 بعنوان «قبر مفتوح: أزمة المجتمع الإسرائيلي»، قال ميشال فارشافسكي، وهو كاتب ومناضل يهودي مناهض للصهيونية ولإسرائيل، قرر من هذا الموقع العيش والعمل في القدس، بأن «هذا المجتمع (الإسرائيلي) لم يعد يعترف بأي حدود جغرافية أو أخلاقية»، ويرى أنه مهووس بصورته، ويجاهد للحفاظ على تفوقه العرقي بأي ثمن (ويقارنه بألمانيا النازية)، ما يجعله يرى في كل مقاومة لهذا التفوق تهديداً وجودياً، و «إهانة». وحين تجيب الدولة الإسرائيلية على أي حدث مهما كان بسيطاً بردود فعل قوية إلى حد الاختلال، فذلك لا يحدث بسبب الضرورة وإنما «للتأكد من قوتها الذاتية». ويرى في ذلك تصاعداً في حالة الرهاب، يوصل في شكل يسير إلى الانتحار.

لا يكفي لتفسير حالة إسرائيل التذكير باستنادها التأسيسي، من بين أساطير أخرى، إلى صورة «مسعدة» أو «القلعة المحاصرة»، المعروفة في الميثولوجيا اليهودية والمستثمرة بقوة في البروباغندا الصهيونية، لا سيما أن نهاية هذه الأخيرة، أي الانتحار الجماعي بمواجهة فكرة الاستسلام، بائسة، حتى حينما يوظِّف الفكر الصهيوني الجزء الأول من الأسطورة (عن التماسك الجماعي والشجاعة والإيمان) في سياق صناعته لـ «اليهودي الجديد»، فيقول إن إسرائيل جاءت تحديداً لتغيّر تلك النهاية، وتخلص اليهود منها وتحررهم من مصير مأسوي ظل يلاحقهم. كما لا يكفي اعتبار إسرائيل استعماراً استيطانياً ولا حتى إضافة الملامح الفاشية إليه. فإنْ كان أمام الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر أن ينكفئ إلى فرنسا، «الوطن الأم»، فهذا ما لا يتوافر في حالة إسرائيل. وإن أمكن حمل المستعمرين البيض في جنوب إفريقيا (الافريكانر)، على القبول بتسوية أزالت نظامهم السياسي القائم على سطوتهم بفضل بنية الفصل العنصري الاستعبادية التي استندوا إليها، فقد تحقق ذلك في ظل سياقات عدة قد لا تكون متوافرة في الحالة الإسرائيلية، ومنها أن المستعمرين الأوائل، الهولنديين والانكليز وسواهم، وصلوا إلى تلك البلاد في القرن السابع عشر، أي منذ زمن قديم في شكل كافٍ ليروا فيها بلدهم، وأنهم، بخلاف الصهاينة، لم يحيطوا وجودهم ويغلفوه بهذا الكم المذهل من النظريات والأساطير عن «الوعد الإلهي» و «العودة» (ما يسميه الإسرائيليون رسمياً «العليا» Aliyah أو الصعود الى «أرض إسرائيل» Eretz Yisrael، أي إلى مكان لهم فيه «حق تاريخي»)، مما جعل التسوية العقلانية مع الأفريكانر ممكنة، فيما يبدو أنه، هنا، لا بد من هزيمة تلك المنظومة.

ما الذي يمكن استخدامه، غير الجنون لوصف القتل العمد للأطفال الأربعة على شاطئ غزة، منذ أسبوع ونيف، والذي جالت صوره على العالم لمصادفة وجود صحافيين أجانب على ذلك الشاطئ في تلك اللحظة، وتصويرهم الأطفال يلهون ثم يقتلون بتلك الطريقة الباردة. ما الذي يمكن استخدامه، غير الجنون، لوصف قصف ملجأ الأمم المتحدة منذ يومين (مدرسة بيت حانون التابعة للأنروا والتي لجأ إليها الفلسطينيون بعدما أعطتهم إسرائيل أوامر بإخلاء بيوتهم). ثم كيف يخطر ببال أي سلطة، مهما بلغت من العنت، أن تعطي أوامر لمئة ألف إنسان! بترك بيوتهم خلال عشر دقائق؟ وكما علق كثيرون: أين يذهبون؟ والقطاع بأكمله يُقصف، وهو الأعلى اكتظاظاً بالسكان في العالم. هناك أمثلة لا حد لها، عنفية ميدانية أو سياسية، وهي لا تقتصر على وقائع هذه المعركة الجارية، وتحمل كلها دلالات مشابهة. وهذه الحال باتت تثير حنق أقرب أصدقاء إسرائيل، في السر على الأقل، مما لا يمكن تفادي تسريبه أحياناً.

تصطدم إسرائيل بالواقع: لن يزول الفلسطينيون من الوجود بضربة ساحر (ولا بضربات الطيران والمدفعية)، وهم لن «يأتوا زاحفين على بطونهم» كما اشتهى وزير إسرائيلي في بداية هذه المعركة. ولن تُنسَ فلسطين التي تحولت إلى رمز نضالي يخاطب كل المضطهدين في العالم، وكل المدافعين عن قيم إنسانية شاملة... فيضطر الصحافيون الفرنسيون، على رغم كل محاولات التشويه والتعمية وخلط الأوراق (وهذه تستحق أطروحة دكتوراه!) للإشارة إلى أن تحرك شباب الضواحي في تظاهرات التأييد لفلسطين وإدانة إسرائيل إنما يحدث أيضاً لأنه يخاطب إحساسهم الخاص بالظلم، المتعلق بأوضاعهم في فرنسا.

خسرت إسرائيل معركة الأفكار البالغة الأهمية (عن «واحة الديموقراطية»، و «البلد المتحضر»، ونموذج الكيبوتز «المساواتي» الخ، وكذلك فكرة أنها «تعويض» لليهود عن اضطهاد تاريخي يدعو الغرب للشعور بالذنب...)، وخسرت معها معركة الصورة، صورتها هي. فماذا بقي؟ القوة العارية المنفلتة من كل عقال. ولأنه في كل مرة يُكتشف أنها «لم تكفِ»، يظهر مزيد من القوة العارية. ذلك هو تجسيد «استحالة المحو والإخضاع» التي كلما اتضحت، زاد منسوب الجنون.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان