رئيس التحرير: عادل صبري 10:16 مساءً | الخميس 20 سبتمبر 2018 م | 09 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

الأخضر الإبراهيمي أمين صندوق الأسرار الكبيرة

الأخضر الإبراهيمي أمين صندوق الأسرار الكبيرة

العرب والعالم

الاخضر الابراهيمي

الأخضر الإبراهيمي أمين صندوق الأسرار الكبيرة

عزت صافي 10 يوليو 2014 14:11

في حلقات ثلاث نشرتها «الحياة» بين 25 و27 حزيران (يونيو) الفائت، روى المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي لرئيس التحرير غسان شربل قصة «المهمة المستحيلة» التي قام بها في سورية نزولاً عند طلب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.

لولا إلحاح الأمين العام، ولولا شعور الإبراهيمي بضغط الواجب، مع ضميره العربي والإنساني، لما كان وافق على الاضطلاع بتلك المهمة التي استرهنته حوالى سنتين، وهو لا ينكر أنه كان قد شجع بان كي مون على القيام بمبادرة تجاه سورية تحت مظلة الأمم المتحدة.

ولعل الإبراهيمي تمهّل وحاول في البداية إبعاد الكأس السورية عن متناول يده، فرفع شروطه لقبول المهمة، إذ هو طلب من بان كي مون إعفاءه من صفة «الوسيط»، أو «الموفد»، لأنه ليس غريباً عن سورية وشعبها، ثم اقترح إعطاءه صفة «مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية». ولم يتردد بان كي مون بقبول الاقتراح، لكن الإبراهيمي عاد وطلب أن يكون مكتبه مجاوراً لمكتب الأمين العام في المبنى الدولي في نيويورك، وقد وافق الأمين العام فوراً.

هكذا، وجد الإبراهيمي نفسه، بالتكليف، أو بالواجب، بين نارين، بل بين ثلاث نيران: نار نظام مدجج بأسلحة الفتك والتدمير، ومنها السلاح الكيماوي، ونار معارضة وطنية مدنية وعسكرية مقيمة ومجاورة خارج الحدود، ونار إرهاب منظم، وحاقد، وقوي، وموزع على أكثر من جبهة وقيادة في الداخل، وفي دول أخرى قريبة وبعيدة.

هل ارتكب الإبراهيمي «الخطيئة» بحق نفسه، وبحق القضية التي تطوع لها؟ وهل ساهم من دون أن يدري أو يقصد، بمد أمد محنة الشعب السوري حتى وصل إلى الجدار المسدود، فكان أن توقف ليطلب إعفاءه من المهمة، مع الإصرار إلى حد الترجي؟

الأرجح أن هذا هو الذي حصل. وقد كان للإبراهيمي مقدار كبير من الشجاعة ليجيب عن السؤال الصعب: نعم، لقد فشلت...

والواقع أن الإبراهيمي فشل معذوراً ومشكوراً، أما الفشل الكبير، والمفجع، فهو فشل ما يسمى «المجتمع الدولي». وأما المسؤولية حصرياً فإنها تقع على الولايات المتحدة الأميركية برئاسة باراك أوباما، وعلى روسيا بزعامة فلاديمير بوتين.

لا أحد يشكّ في نيّة الإبراهيمي، وفي إخلاصه للقضايا العربية، وهي قضايا، وإن كان يصحّ القول «إنما الأعمال بالنيّات»، فالقول الصحيح أيضاً هو أن الأعمال بخواتيمها.

ربما كانت طبيعة المهمة الشاقة قد فرضت على الإبراهيمي التستّر بالحياد وعدم الانحياز، إلا إلى الحقيقة وإلى القوانين الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وكان عليه أن يصبر على مضض، لكنه صبر أكثر بكثير من طاقة الشعب السوري على تحمّل الفظائع التي ترتكب ضده على أرضه.

لم يكفر السوري وحده بمؤسسة المجتمع الدولي، بل إن العرب، بمعظمهم، هم الآن، شعباً شعباً، وفرداً فرداً، يتألمون ويتأملون في حاضرهم، ويتخوفون من مستقبلهم. والأفظع من ذلك هو أن كل عربي بات يفكر كيف السبيل إلى الالتحاق بقطيعه.

يمكن القول إن الإبراهيمي أدمن المهمات المستحيلة التي تكلّفه بها، أو تختاره لها، الأمانة العامة للأمم المتحدة. هو الشاهد القريب، الواسع الرؤية، المطل على مصائب الشعوب المنكوبة، من أفغانستان، إلى لبنان، إلى العراق، إلى سورية.

ولم يكن تكليفه يأتي بناء على رأي المرجعية الدولية وحدها، بل كان يسبقه شبه إجماع عليه بعد طواف استشاري على مراكز القرار السياسي في العالم، ومنها المراكز التي تفتعل الأزمات وتتحمل مسؤولية انفجارها، ثم استثمار نتائجها.

ولاؤه عربي فرنكوفوني – أنغلوسكسوني في اللغات، كما في الديبلوماسية، فإن الإبراهيمي لا يهاب الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب في أشد الأزمات تعقيداً، وهو لا يتردد في مواجهة الأسئلة الصعبة من نوع الأسئلة التي واجهها مع «الحياة». فلديه مرونة هائلة للتخلّص من الأسئلة المحرجة التي تمس مسؤوليته الشخصية المباشرة عن تمديد بعض الأزمات وتشطير مراحلها، كأنه يعتمد على الوقت لتسهيل الحلول التي يسعى إليها، وإن بمقدار ضئيل من الثقة والأمل بالنجاح.

ولا يخفى أن الإبراهيمي كان يعلق أملاً كبيراً على توافق أميركي - روسي للتوصل إلى حلّ سياسيّ لمحنة سورية. وهو حين نجح في فتح الطريق أمام «مؤتمر جنيف» شعر بأنه فتح الباب أمام الحل، كما لو أنه لم يعد ممكناً إقفال ذلك الباب، على الأقل، مهما تباعد الوقت بين جلسة وأخرى. فالمهم، كان في نظره، أن قضية سورية قد «تدوّلت» وأن مجرّد وقوفها تحت لافتة الأمم المتحدة يكفي للجم جموح النظام السوري في شوط التدمير والقتل والتهجير، من ناحية، ومن ناحية أخرى ثني هذا النظام عن ترشحه لدورة رئاسية ثالثة.

ثم إن الإبراهيمي الذكي، والبارع، والمرن، والصبور، كان يدرك في أعماق وعيه وفهمه لسياسات الدول وقادتها أنه في خضم أزمة خطيرة، وخطرها يكمن في أنها أزمة محبوكة بخيوط إيرانية – روسية على خريطة المنطقة الممتدة من بلاد فارس عبر العراق، إلى سورية، إلى لبنان، حتى الخيط الأزرق الفاصل مع فلسطين المحتلة، أي إسرائيل.

وهنا تعود بي الذاكرة الصحافية إلى خلاصة حديث مع ديبلوماسي روسي سابق خدم في بيروت خلال المرحلة الأخيرة من عصر الاتحاد السوفياتي. إذ قال لي: إن الجهة التي تستطيع أن تملك ورقة حدود جنوب لبنان مع إسرائيل تملك ورقة التحكم بمستقبل منطقة الشرق الأوسط.

يحفظ الإبراهيمي جيداً تاريخ هذه المنطقة المكتوب بالدم، وبالنزاعات الطائفية والمذهبية، وهو يعرف تفاصيل جغرافيتها الحبلى، حتى الأعماق، بالأحقاد، كما بثروات النفط، والغاز، والثمار، والغلال مذ كانت المعبر المسمى «طريق التحرير» أمام الغرب الاستعماري إلى الهند، وسائر بلاد آسيا الصغرى والكبرى.

ولم يكن يخفى على الإبراهيمي الجرح العميق الذي أصيب به «الدب الروسي» في خدعة الحرب الأميركية - الأوروبية التي أطاحت نظام الطاغية معمر القذافي في ليبيا التي تقطعت أوصالها القبلية، فتطاحنت على آبار الثروات ليكتشف رجل «الكي جي بي» الأول في الكرملين أنه ممنوع عليه لحس إصبعه من خيرات ليبيا، ومن ينابيع عقود إعادة بنائها وفق مشروع «النهر العظيم» الذي وضعه القذافي على الورق وأنفق مئات المليارات على اسمه، ليتبيّن في النهاية أنه «نهر» من الضباب والسراب.

اكتشف الأخضر الإبراهيمي متأخراً أنه أخطأ حين راهن على اتفاق أميركي - روسي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سورية التي كانت وطناً، وشعباً، وجيشاً، وكياناً إقليمياً له حساب كبير في قضايا الدول العربية، وسائر أقطار الشرق الأوسط.

لكن حنكة الإبراهيمي لها حدود، ولعله كان وربما لا يزال، يراقب صاحب الميزان الجالس في طهران، وهو يقوم بعملية قسم قالب الجبنة في كفتي الميزان بين العراق، وسورية، ومعها لبنان، فلا تتعادل كفتا الميزان إلا بعد أن تفرغا من قطعتي الجبنة اللتين يقضمهما ناصب الميزان نفسه.

لقد صبر الإبراهيمي طويلاً، أكثر من عشر سنوات، ليقول ما أدركه خلال مهـــماته المتـــعددة، والعــسيرة، وهو «أن أميركا أهدت العراق لإيران على طبق من ذهب عام 2004».. لكن المحنة السورية تفرعت أخيراً وامتدت إلى العراق. وإذ ينظّم الأكراد دولتهم في كيانهم القومي، يستمر الشعب السوري في عذابه، وصبره، وتشبثه بوحدة كيانه، وأرضه، كامل أرضه، من الجولان المحتل إلى كل حبة تراب، وذرّة رمل، حتى حدوده المترامية على حدود لبنان، والأردن، والعراق، وتركيا.

إنها الأمانة في عنق الشعب السوري، لا في عنق أحد سواه، الموالي للنظام، والمعارض في الداخــل، كــما في الخارج. وقد ارتكبت معارضة الـــداخل والخارج ما يكفي من الأخطاء المميـــتة، ولــعلّ أفظع أخطائها أنها لم تستطع أن تنشئ قيادة ســـياسية موحدة، وقيادة عسكـــرية موحدة، لتشــكل جبهة مشتركة وموثوقة بجميع أعضائها.

ومن أعظم أخطاء المعارضة السورية في الداخل والخارج، أنها خلطت بين معارضة وطنية طالعة من آلام الشعب السوري، ومن نضاله، كما من طموحه المزمن، إلى حياة حرّة وديموقراطية، وبين «معارضة» أخرى غريبة، مستوردة، ومشحونة بكل الغرائز القبلية والمذهبية، ومستعدة للموت تحت تأثير وهم مناقض لكل عقيدة وإيمان.

ولأن كل مصيبة عربية تستدرج ذكرى مصيبة أخرى، يطفو على سطح الذاكرة الصحافية حديث مع الأخضر الإبراهيمي يعود تاريخه إلى شهر شباط (فبراير) 1992، أي إلى ما قبل اثنتين وعشرين سنة، حين أجريت حديثاً معه في العاصمة الجزائرية، وكان وزيراً للخارجية في الحكومة التي تشكلّت بعد إطاحة الرئيس السابق الراحل الشاذلي بن جديد. يومها قلت للإبراهيمي في ديوانه المجاور لقصر الرئاسة في منطقة «المرادية» في أعالي العاصمة: «لو طلبتُ منك ترتيب الأسباب التي أدت إلى انفجار الوضع في الجزائر، كيف ترتب تلك الأسباب؟».

أجاب الإبراهيمي: والله من الصعب ذلك. لقد قلت لك إنها أخطاء ارتكبناها نحن (الجزائريين) جميعاً، وإلا لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه.

وسألته: ألا يمكن ذكر بعض تلك الأخطاء؟ قال: ليس الآن، ولست أنا الذي يتكلم عن تلك الأخطاء. لكن المهم أننا نعترف بأنه ليس الإمبريالية العالمية، ولا جيراننا، ولا أعداؤنا، ولا كانت هناك مؤامرة أو شيء من هذا وراء ما حدث. هذا ما نحن عملناه في أنفسنا»...

وهذا ما فعله النظام السوري، وما فعلته المعارضة الوطنية المشتتة بين داخل وخارج.

... وهذا ما فعله، ويفعله النظام السوري.

وهذا ما فعله، وتفعله «معارضة» تنافس النظام وتتفوق عليه بالقتل وبالفظائع وانعدام الرحمة.

لكن المعارضة الوطنية السورية الديموقراطية تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية غير المباشرة عما وصلت إليه بلادها وشعبها، وعما وصلت إليه فصائلها المشتتة بين عسكر، وسياسة، وإدارة تنظيمية ومالية.

ويبقى الأخضر الإبراهيمي الشاهد الأكبر على العصر العربي المنكوب برؤساء وقادة مرضى بداء الغرور والمكابرة والتسلط...

ويبقى الإبراهيمي أمين صندوق الأسرار الكبيرة التي يحفظها، ولا يعرف أحد سواه متى يفتح خزنتها وينشرها على الورق وعلى الهواء.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان