رئيس التحرير: عادل صبري 04:07 صباحاً | الاثنين 24 سبتمبر 2018 م | 13 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

المالكي وحده يتحمّل مسؤولية الأزمة في العراق

المالكي وحده يتحمّل مسؤولية الأزمة في العراق

العرب والعالم

السيد نوري المالكي

المالكي وحده يتحمّل مسؤولية الأزمة في العراق

زيد العلي 10 يوليو 2014 14:06

بُعيد خلع الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس التونسي زين العابدين بن علي بداية عام 2011، دعت أعداد كبيرة من الشباب العراقي إلى تظاهرات ضد الطبقة السياسية الفاسدة في العراق، فشعر نوري المالكي، وكان في مطلع ولايته الثانية رئيساً للوزراء على الرغم من عدم فوزه في انتخابات آذار (مارس) 2010، بخطر جلي ووعد بألا يسعى لولاية ثالثة. وبعد ثلاث سنوات، وقبيل انتخابات نيسان (أبريل) البرلمانية، بدا المالكي مجدداً غير واثق من حظوظه وأعلن عدم إصراره على ولاية ثالثة قائلاً في محاولة منه للظهور بمظهر المتواضع أمام ملايين العراقيين الفقراء: «لم تلدني والدتي لأكون رئيساً للوزراء».

وعلى الرغم من ذلك، مضى المالكي ليتفوق على جميع منافسيه بفارق كبير في انتخابات نيسان. فقد حصل تحالف دولة القانون الذي ينتمي إليه على 24 بالمئة من أصوات الناخبين و92 مقعداً في البرلمان. وفاز المالكي شخصياً بأصوات 720000 ناخب، فيما نال أقرب منافسيه نحو ثلث هذه الأصوات. لكن هذا الانتصار الانتخابي تحقق قبل أن يفقد المالكي السيطرة على نحو ثلث أراضي العراق لمصلحة «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، أو «داعش»، وهي تنظيم متطرف، وقبل أن يتلاشى ببساطة الجيش الذي دأب المالكي لسنوات على إدارة شؤونه التفصيلية. وعلى الرغم من إعراب عدة مراقبين خارجيين عن صدمتهم إزاء هذه التطورات، فإن كل من قرأ أي تحليل جاد للحالة الراهنة في العراق، بما في ذلك ما ورد في كتابي «الصراع من أجل مستقبل العراق»، لن يُصاب بالدهشة. والآن، ومع وجود كارثة تحدق به -وساهم هو فيها بوضوح-، فإن المالكي لا يزال مصراً على ولاية ثالثة.

يتمتع المالكي في هذه الخطوة بدعم عدد كبير من المحللين العراقيين والأجانب الذين يؤكدون بأن عدم عودة المالكي رئيساً للوزراء سيكون بمثابة إسقاط لنتائج الانتخابات. ولكن هناك مشكلات مهمة في هذا التوجه.

مشكلة أن نتائج الانتخابات ليست دليلاً واضحاً على شعبية المالكي كما يحاول البعض إقناعنا، بل هي مثال واضح على مدى فوائد تولي المناصب في المنطقة العربية، فالفوائد حسيّة وطويلة الأمد أيضاً، إذ شغل كل من إياد علاوي وإبراهيم الجعفري منصب رئيس الوزراء في عامي 2004 و2005 على التوالي، وظلا على الرغم من أدائهما الرديء في الحكومة يستقطبان مئات آلاف الأصوات في الانتخابات المتعاقبة (حتى بعد 10 سنوات).

علاوة على ذلك، يسمح منصب رئيس الوزراء بالتلاعب في نتائج الانتخابات بسهولة، ففي نيسان 2014، استغرب عدة مراقبين عندما حقق المالكي فوزاً غير متوقع بأغلبية الأصوات في عدة مناطق على أطراف بغداد كانت قد تحملت العبء الأكبر لهجماته العسكرية. إضافة إلى ذلك، يعتبر تفشّي المحسوبيات الذي نشهده الآن نتيجة مباشرة لغياب الرقابة القوية. وحتى عندما تُستثمر أموال الدولة في مجالات معينة، يُصوّر الأمر للمواطنين وكأن الأموال تأتي من رئيس الوزراء شخصياً. بل وأسوأ من ذلك، انتشرت مقاطع فيديو تُظهر حلفاء المالكي (وأقاربه) وهم يَعِدون بهدايا للمواطنين (مثل سندات ملكية للأراضي) مقابل الحصول على دعمهم. وأخيراً، استفاد المالكي من سيطرة شاملة على الإعلام الرسمي، سمحت له بوضع الخطاب الوطني في إطار صورة الرجل القوي.

وهناك مشكلة أن نظام الحكم في العراق برلماني وليس رئاسياً. والشعبية الشخصية لأفراد معينين لا تمت في الواقع بصلة لمسألة من يجب أن يصبح رئيساً للوزراء، فالمعيار الشرعي الوحيد في الأنظمة البرلمانية في الحقيقة هو القدرة على نيل ثقة البرلمان. وبعبارة أخرى، ينبغي أن يكون للبرلمان والنظام السياسي بأكمله ثقة كافية برئيس الوزراء قبل السماح له بالتفاوض وتقديم التنازلات. ودون خزان الثقة هذا، لا يمكن أي نظام برلماني أن يعمل بشكل سليم.

وبناء على ذلك المعيار (وهو الوحيد القابل للتطبيق)، يمكن اعتبار المالكي أسوأ مرشح لمنصب رئيس الوزراء، لأنه لن يكون قادراً على التفاوض بنجاح بشأن أي اتفاقية أخرى أو إقناع أي شخص بحسن نيته. وهو الوحيد الذي يتحمل هذه المسؤولية، ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2010، وقّع المالكي على اتفاقية أربيل التي سمحت له ببدء ولاية جديدة مقابل عدد من التنازلات والإصلاحات، لكنه لم ينفذ أياً منها. وقد حولته هذه السلسلة الطويلة من الوعود المنكوثة إلى بطة عرجاء عاجزة عن إقناع أي شخص بحسن نواياها، حتى عند تقديم وعود صادقة بالإصلاح. والعداوة التي خلفها في صفوف معارضيه ستفاقم من عجزه في قيادة بلد في إشد الحاجة لزعامة وطنية فعالة وحكيمة.

من الملاحظ في الأنظمة البرلمانية في أنحاء العالم عدم اختيار رئيس الوزراء من الكتلة الأكبر في البرلمان أو عدم السماح لها بالسيطرة على الحكومات. وتُظهر بيانات مقارنة جمعتها سونا غولدر من جامعة ولاية بنسلفانيا وغاريت غلاسكو من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا، أثناء إعداد كِتابهما المقبل عن التشكيلات الحكومية، بأن أكبر كتلة برلمانية في الديموقراطيات البرلمانية الأوروبية لم تحصل على منصب رئيس الوزراء في 29 بالمئة من الحالات بين عامي 1945 و2012.

ويتعين على أنصار المالكي التنبّه إلى أن الشرعية الديموقراطية لا تعتمد على الشعبية الشخصية (في النظم الرئاسية) أو على الدعم البرلماني (كما في العراق) فحسب، بل وعلى القدرة على الحكم وفق معايير ديموقراطية مقبولة (بما في ذلك ضمان معاملة قوات الأمن للجميع بعدل). وقد أثبت المالكي عجزه عن تحقيق ذلك، وعليه التنحي لهذا السبب، حتى إذا لم يوجد أي سبب آخر.

وبالإضافة إلى الحالة الانتخابية والقانونية والسياسية المبينة، جرى طرح عدد من الحجج السلبية لدعم الولاية الثالثة. فعلى سبيل المثال، قال البعض إنه لا يمكن أو لا يجوز خلع المالكي لأن ذلك سيؤدي إلى تغيير كبير في أداء الدولة في أوقات كهذه تمرّ فيها البلاد بأزمة وطنية. ورداً على ذلك، أقول إن دوائر النفوذ التي خلقها المالكي داخل الأجهزة الأمنية هي بوضوح غير قادرة على الدفاع عن البلاد. ولا يمكن السماح باستمرار تلك الديناميات، أولاً لأنها تمثل تهديداً طويل الأجل لاستقرار البلاد، وثانياً بسبب الخطر قصير الأجل الذي خلقته داعش. وبعبارة أخرى، إذا بقينا على هذا المسار مع القيادة السياسية الحالية، فسوف نغرق جميعاً في هذا المستنقع.

وقال آخرون إن قوات الأمن موالية جداً للمالكي وأي محاولة لإزاحته قد تفرز ردود فعل عنيفة من قبل بعض الضباط أو الوحدات. وهنا أيضاً تُعتبر هذه الحجة ساقطة من أساسها، فإذا كان الولاء الشخصي لرئيس الوزراء مصدر قلق حقيقي، فيجب اتخاذ إجراءات فورية لإنقاذ البلد ووحدته، وإلا أقررنا بأن العراق ليس ديموقراطية وسلّمنا مصيرنا لإرادة فرد واحد.

ويرى البعض أنه نظراً لضرورة أن يكون أي رئيس وزراء في المستقبل شيعياً (على الأقل في المستقبل المنظور) لن يشكل استبدال المالكي تغييراً حقيقيا لأن سُنّة العراق سيواصلون رفض أي قيادة شيعية. ولكن هذه الحجة في الواقع تغفل الديناميات الحالية في محافظات كالموصل وصلاح الدين والأنبار، فإذا قيض للمرء وقت كافٍ للجلوس مع أسر تعيش في هذا المحافظات، وهو أمر ما كانت لتهتم به سوى قلة من الناس، فإن الغالبية العظمى من المناقشات تدور حول سنوات الاعتقال التعسفي والانتهاكات المروعة في السجن. ومن المضلل والخطير القول إن الطائفية تمثل بحد ذاتها عقبة أمام المصالحة أكثر مما تمثله سنوات سوء المعاملة في ظل حكم المالكي.

وأجرى آخرون مقارنات مع عزل الجيش المصري لمحمد مرسي في تموز (يوليو) 2013، مشيرين إلى أن أنصار المالكي سيخرجون إلى الشوارع ويوقعون الفوضى على غرار جماعة الإخوان المسلمين إذا لم يستعد رجُلهم منصبه. لكن المالكي ليس لديه هذا النوع من المكانة، فهو ليس شخصية دينية، ومع أن حزبه ديني بطبيعته فإن استقطاب أنصاره يتم للأسباب المبينة أعلاه لا بسبب جاذبيته الروحانية. والواقع أن المالكي، عندما خرج المتظاهرون إلى الشوارع في بداية الربيع العربي، وعد بأن مؤيديه سينظمون تظاهرات مضادة، ولكن لم يظهر سوى بضع مئات منهم (وصفهم مقتدى الصدر أحد منتقديه الرئيسيين مازحاً بأنهم «مأجورون»).

والحجة الأخيرة التي تُقدَّم لمصلحة المالكي هي عدم وجود أحد غيره يستطيع حكم البلاد. ولكن يبدو أن هناك إجماعاً متزايداً في العراق على وجود مرشحين يستطيعون القيام بعمل أفضل بكثير منه، بيد أن المأساة تكمن في استمرار بحث القوى السياسية الرئيسية في البلاد كافة داخل صفوفها في التفكير بمن يمكنه الحلول محله. ولذلك، لا بد من طرح فكرة جديدة على الفور في العراق والخروج من النموذج العرقي الطائفي. ولا ضرورة لاختيار الوزراء من المجموعة الحالية للنخب السياسية الفاسدة التي تدفع بالبلاد إلى الحضيض منذ عام 2005.

إذا أدركت الأطراف عمق الأزمة الوجودية في العراق، فعليها أن تفهم أيضاً أن اللوم يقع عليها جميعاً. والمطلوب اليوم، إضافة إلى مواجهة تهديد داعش العسكري الحالي، هو وجود قائد يمكنه البدء بتنظيف السياسة العراقية ويعيد بناء التفاهم والثقة بين الطوائف. وهذا يتطلب مدراء يتمتعون بالنزاهة و والكفاءة. وليس من الصعب العثور عليهم لأن المالكي على مر السنين استهدف أو قتل أو طرد كل شخص نزيه وقف في طريقه. وهؤلاء هم من ينبغي الاعتماد عليهم إذا أردنا قلب الأمور وإصلاح الدولة والمجتمع. ومن دون مشاركتهم، سنواصل على الأرجح الغرق، حتى لو تفادينا خطر داعش.


نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان