رئيس التحرير: عادل صبري 11:02 مساءً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

في حمص المحاصرة الأعشاب وجبة الطعام الرئيسية

في حمص المحاصرة الأعشاب وجبة الطعام الرئيسية

العرب والعالم

الدمار فى حمص

في حمص المحاصرة الأعشاب وجبة الطعام الرئيسية

06 مايو 2014 12:54

قرابة العامين... هو ليس عمر طفل وُلد وسط مدينة مدمرة، ولا ذكرى استشهاد خيرة شباب بلد طالب بالحرية... عامان هما عمر حصار أذاق أهل حمص ويلات حرب لم يقرأوا عنها أو يشاهدوها في كتب وأفلام الحروب التي مرت على البشرية.

«أبو بحر» كما يحب أن يلقب، هو فصل من فصول هذه المأساة، سنوات الجوع والموت أخفت معالم عمره الذي لم يتجاوز الرابعة والعشرين، حتى بت تقابل روحاً مسنّة لكثرة ما مر بها من مآس... الجوع والدخان والتخاذل هي التي ستسقط حمص... بهذه الكلمات كانت بداية حديثه عن رحلة عمرها ثلاثة أعوام.

 

من جبلة إلى حمص

الظروف التي كانت تحيط بـ «أبو بحر» ابن مدينة جبلة الساحلية هي التي خلقت في داخله كرهاً للنظام السوري، الأمر الذي جعله أول المشاركين بالتظاهرات التي اندلعت في «جبلة»، ولم يكن الأمر كافياً بالنسبة اليه لأنها لم تكن بالوتيرة التي يتمناها، وهنا قرر حزم أمتعته منذ أكثر من ثلاثة أعوام والسفر إلى حمص ليشارك بالثورة في أي مجال كان. «شعرت برعب لا يوصف ما إن وصلت الى حمص» يقول «أبو بحر» لـ «الحياة» ويتابع: «كان أول مشهد بالنسبة الي داخل حمص هو رؤية عسكري يحمل رشاشاً ويقوم بإطلاق النار بشكل عشوائي على المحال وهو أمر جديد علينا ومخيف، حاولت الاختباء والهرب لأجد نفسي في نهاية الأمر في البياضة».

على رغم مرور سنوات طويلة على رحيله، إلا أنّ حديثه لم يخلُ من تفاصيل ذلك اليوم عبر ذكره للساعة والتاريخ وأسماء الأحياء بالتفصيل، فمنذ تلك اللحظة «أعلن انتماءه لمدينة حمص» على حدّ قوله، ولم تقف هويته الشخصية المدّون عليها مواليده من مدينة «جبلة» عائقاً أمام انخراطه في العمل العسكري هناك.

انخرط «أبو بحر» مباشرة بالعمل المسلّح وذلك بانضمامه إلى مجموعة لم يتجاوز عدد عناصرها العشرة، قتل جميعهم على مرّ السنوات الثلاث الماضية عداه وشخص آخر، شارك في أحداث البياضة ورابط على جبهات الخالدية، وكان شاهداً على سقوطها وساهم في القبض على المخبر الذي كان سبباً في خسارتهم الخالدية، وتعرّف الى أنواع مختلفة من السلاح كان يتعامل معها للمرة الأولى كحال كثيرين غيره.

مواقف إنسانية مختلفة عاشها «أبو بحر» إحداها في حيّ الخالدية. يقول لـ «الحياة» إنه وأصدقاءه كانوا يضطرون لقطع مسافة عبر مجارير المياه لا تقل عن سبع ساعات مشياً من الخالدية حتى «الحصوية» وهي منطقة في ريف حمص حيث استفادوا من هذا المجرور بنقل الطعام والمازوت والذخيرة ولكن سرعان ما اكتشف النظام هذا المعبر وأغلقه بوضع أسلاك حديدية وإسمنتية.

يتكرر ذكرى «الخالدية» كثيراً في حديث «أبو بحر» فخسارته كانت سبباً في حصار «حمص القديمة» حيث لم يقدّر الثوار في بادئ الأمر صعوبة هذا الحصار لتوافر الطعام والذخيرة التي كانوا يحصلون عليهما عبر منطقة الغوطة.

عائلات كثيرة هربت من المنطقة قبل الحصار الذي بدأ في الشهر السادس من عام 2012، ومن بقي غادر في ما بعد بوساطة من الأمم المتحدة لتصبح المنطقة المحررة عسكرية بامتياز عدا عن عائلات قليلة جداً بقيت رغبة منها في الوقوف إلى جانب أبنائها وآبائهم ممن يقاتلون مع الثوار.

أما في ما يتعلق بالطعام فتمّ إدخال كميات قليلة من قبل الـ UN، وعنها يقول «أبو بحر» :«كان نصيب كل شخص منا نصف كأس رز، ونصف كأس برغل، ونصف كأس عدس، وعلبة فول يتقاسمها ثلاثة أشخاص، وحزمة معكرونة يتقاسمها أربعة أشخاص، وكانت هذه المرة الوحيدة التي تستلمنا فيها طعاماً من خارج الحصار».

 

طبق الأعشاب بالتوابل

«أصبحنا خبراء في أنواع الأعشاب نضيف إليها بعد سلقها في الماء زيتاً وكل أنواع البهارات، فالجوع كافر» بهذه الكلمات وصف «أبو بحر» حالة الجوع التي كانوا يعانون منها والتي اضطرتهم في كثير من الأحيان الى طبخ الأعشاب الأمر الذي أوقعهم في مشاكل كثيرة، فمنهم من مات تسمماً بسبب تناول أنواع سامة، ومنهم من كان يتعرّض لنوبات هلوسة تدوم أربعاً وعشرين ساعة يتخيلون فيها أشياء وأشخاصاً لا وجود لهم.

لم تشترك جميع الكتائب بوجبات العشب هذه، وذلك لتوافر الطعام والحبوب لدى بعضها ولكن كل كتيـــبة كانت تحتكر ما تمتلكه لأفرادها بغض النظر عن وضع المقاتلين الآخرين وهذا الأمر كما ذكر «أبو بحر» كان «سبباً في خلق الكراهية بين الكتائب وعدم دعم بعضها بعضاً في العمليات المسلحة».

أسعار خيالية ذكرها «أبو بحر» عن ثمن التبغ في المدينة المحاصرة حيث وصل سعر كيلو التبغ العربي (الفرط) إلى ثلاثة ملايين ليرة سورية، أما في ما يتعلق بالسيجارة فكان يتم فرطها وتوزيع محتواها على سيجارتين يبلغ سعر الواحدة منها عشرة آلاف ليرة سورية، وأضاف: «الدخان أهم من الدولار فالسؤال الذي كان يتردد على مسامعنا يومياً كم سعر غرام الدخان اليوم هل ارتفع أم هبط؟!».

 

لا داعش... فقط جبهة النصرة

تشكلت جبهة النصرة في حمص بعد الحصار بدافع ديني لدى بعضهم ولكنها لم تضمّ مهاجرين على عكس المناطق الأخرى في سورية، وبدأ الأمر بقيام مجموعة من المقاتلين من أهل مدينة حمص بتشكيل كتيبة تحمل اسم جبهة النصرة إعجاباً منهم بما قامت به من عمليات قوية في مختلف المناطق السورية، ولكنهم لم يحصلوا على أي تمويل أو دعم منها على حدّ قول «أبو بحر» الذي أضاف: «لم يقوموا بأي تصرفات تحت اسم الدين كفرض النقاب أو منع الدخان».

أن تكون محاصراً بلا طعام وبذخيرة قليلة ليس بالأمر السهل، فالموت يحيط بك في كلّ مكان، ولكن على رغم كلّ ذلك صمد المقاتلون أكثر من عامين بوجه كلّ ذلك، فوفق «أبو بحر» «نستمدّ قوّتنا كوننا أكثر خبرة من النظام بالأحياء وتفاصيلها، ومن الدافع الديني لدى الكثيرين نصرة لرسالة حملوها إما النصر أو الشهادة».

 

تذكرة الخروج

من حمص المحاصرة بـ 75 ألفاً

«أبو بحر» الذي قضى السنوات الثلاث الأخيرة في حمص كان من الصعب عليه اتخاذ قرار الرحيل، لكن تدهور حالته الصحية اضطره للرحيل. ولم يكن الخروج من حمص المحاصرة بالأمر الصعب اذ دفع مبلغ 75 ألف ليرة سورية لضابط في جيش النظام أمّن له خروجه.

رحلة السفر إلى تركيا استغرقت قرابة الأسبوعين مرّ خلالها بمنطقة الغوطة وريف حمص وصولاً إلى الميادين في مدينة دير الزور. وهنا شعر «أبو بحر» بالرعب الحقيقي خوفاً من حواجز داعش التي لمجرّد تدقيقها بهويته الشخصية ستقوم بذبحه كونه من مدينة جبلة المعروفة بوجود طائفة علوية فيها.

حواجز نظام الأسد وحواجز الدولة الإسلامية وأخيراً حواجز الأكراد كانت العناصر الأساسية في رحلة الرحيل إلى تركيا التي انتهت بوصوله إلى برّ الأمان.

نقلا عن الحياة اللندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان