رئيس التحرير: عادل صبري 06:30 مساءً | الأربعاء 21 نوفمبر 2018 م | 12 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

قضاء تونس.. بين السياسة والاستقلال

قضاء تونس.. بين السياسة والاستقلال

العرب والعالم

القضاء التونسي

قضاء تونس.. بين السياسة والاستقلال

تونس- محمد أمان الله 02 مايو 2014 13:39

يتواصل الحديث عن واقع القضاء والعدالة في تونس بعد الثورة، وبرغم الخطوات المقطوعة على مستوى تركيز عدد من الهيئات والمجالس القضائيّة التي تتناغم مع مبادئ استقلاليّة القطاع عن باقي السلطات التنفيذية والتشريعيّة وفق ما نصّ عليه الدستور الجديد فإنّ الاتهامات لا تزال تُلاحق القضاء بخدمة الأجندات السياسيّة والحزبيّة.

 كغيرها من مؤسّسات الدولة، كالأمن والمخابرات والإدارة والجيش، تلقّت مؤسّسة القضاء صدمة مُوجعة وعنيفة بقيام الثورة وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، حيث تمّ استهداف عدد من المحاكم بالحرق والتخريب وعدد من القُضاة بخدمة منظومة القمع والاستبداد، وبلغت تلك الصدمة حدّتها بعد صدور أحكام ملف شهداء وجرحى الثورة حيثُ سارعت العديد من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والحقوقي الى اتهام القضاء العسكري بخدمة الثورة المضادّة وتبرئة رموز وأركان النظام السابق من جرائم القتل على وجه الخصوص.

 

طيلة ثلاث سنوات تحرّكت الهياكل النقابية والمهنية الممثلة لمختلف أسلاك القضاء بحثًا عن موقع آمن لمنظوريها من القضاة وحكام التحقيق ومساعديهم ردّا على حملات استهداف وتشكيك في سلامة القطاع، وعلى مدار سنوات الثورة الأولى كان مطلب تطهير القضاء من الفاسدين والمورطين مع النظام السابق وغير المدافعين عن استقلاليّة القضاء شعارًا مركزيّا في برامج مختلف الأحزاب والجمعيات المنظمات وخاصة منها ذات الصلة بالحريات وحقوق الإنسان ومقاومة الفساد والرشوة والمحسوبيّة.

 

لكن أكّدت مختلف الوقائع والأحداث ارتهان القضاء إلى التجاذبات السياسيّة والحزبيّة التي عاشتها ولا تزال البلاد منذ انهيار منظومة حكم الرئيس بن علي، حيث عملت مختلف القوى واللوبيات على محاولة السيطرة على القضاء لخدمة أهدافها وأجنداتها في استهداف الخصوم وأيضاً في مساعي استمالة المناصرين والناخبين.

 

وبالعودة إلى ما جرى بعد الثورة فقد اختلفت الآراء حول أداء المؤسّسة القضائيّة وكانت حتّى الإصلاحات وإجراءات ما يُسمّى بتطهير القضاء من الفاسدين محل استقطاب وتجاذب حيث واجه وزير العدل في أوّل حكومة بعد انتخابات 23 اكتوبر 2011 نور الدين البحيري موجة انتقاد حادّة بعد قراره عزل حوالي ثمانين قاضيا على خلفيات ملفات فساد ورشوة.

 

 حيث اتّهم الوزير بخدمة حزبه، النهضة، وتصفية قضاة على خلفية سياسيّة على الرغم من تمسّك الوزير حينها بوجود ملفات تؤكّد فساد القضاة المعزولين بمجال لا يدعو للتشكيك، ولاحقا تمّ استهداف الوزير نذير بن عمّو وهو شخصية قانونيّة دولية مرموقة على خلفية محاولة تدخّله في سير المرفق القضائي وإصدار تعليمات للقُضاة على الرغم من تأكيدات الوزير حينها بأنّه يشتغل في إطار احترام استقلاليّة القضاء والضوابط القانونيّة المنصوص عليها في القانون المنظم للسلط العمومية الذي تمّت المصادقة عليه اثر تولي السلطة الجديدة المنبثقة عن المجلس الوطني التأسيسي مهام حكم البلاد.

 

بل إنّ الوزير الحالي في حكومة الكفاءات حافظ بن صالح وزير العدل وحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، قد واجه عاصفة من الانتقاد والاتهام على الرغم من أنّه من أبرز الوجوه القانونية والحقوقية والأكاديمية في تونس.

 

حسابات ضيّقة

 

وكانت للهجمة الأخيرة على مؤسسة القضاء العسكري الدليل على ما تحتكمُ إليه الأحزاب التونسيّة من نظرات مصلحيّة ضيّقة وحسابات لغايات انتخابيّة صرفة تعتمدُ منهج الانتهازية والتوظيف السياسوي والشعارات الشعبويّة بما فيها استغلال مأساة شهداء الثورة وجرحاها والتلاعب بحقوق عائلاتهم وأسرهم، ومن الأدلّة على ذلك:

 

١- كان القضاء المدني هو المكلّف بالنظر في ملفات شهداء الثورة وجرحاها الى وقت قريب، ولكنّ الأحزاب وعبر ممثليها في المجلس الوطني التأسيسي طالبت بترحيل تلك الملفات الى القضاء العسكري وهو ما تمّت الاستجابة له لاحقا.

 

٢- كانت كلّ الأحزاب السياسية، وأيضاً الرأي العام، تنظر إلى الجيش التونسي كمنارة للثورة وحام للمسار الانتقالي الديمقراطي، وبتغيّر المعطيات السياسية بعد نجاح مبادرة الوفاق والحوار الوطنيين غيّرت هذه الأحزاب استراتيجيتها في اتجاه تلطيخ صورة الجيش واتهامها بعقد صفقة مع المؤسّسة الأمنيّة (أي وزارة الداخلية) عبر الأحكام الصادرة في حق عدد من قياداتها زمن حكم الرئيس بن علي.

 

٣- سقوط الأحزاب في التعمية وسياسة المغالطة، فالأحكام العسكرية لم تُبرّئ المتهمين بل كانت أحكاما مُخفّفة كما أنّ مسار التقاضي لم ينته إذ هناك درجة تعقيبية للأحكام كما أنّ التونسيين ينتظرون تفعيل منظومة العدالة الانتقالية التي ستنظر بالتأكيد في ملف شهداء الثورة وجرحاها إضافة إلى المقترحات الموجودة بإدراج دوائر خاصة في القضاء المدني حسبما ينصّ عليه الدستور الجديد بما يُتيح امكانية فتح تلك الملفات مرّة أخرى.

 

٤- هناك الكثير من الغموض الذي يلفّ ملف شهداء الثورة ، ومن أكبر الأسئلة المطروحة أنّ غالبية الشهداء والجرحى سقطوا بعد هروب الرئيس بن علي فمن جملة أكثر من ثلاث مائة من الشهداء لم يتم استهداف سوى سبعين منهم قبل 14 يناير 2011 ، كما أنّ ملفات القضايا تؤكّد أنّ الأمنيين من شرطة وفرق تدخل وحرس لم تُطلق أي رصاصة أملا في إعادة الرئيس المخلوع بل على العكس من ذلك انخرطت المؤسّسة الامنيّة في السياق الثوري وتمّ عزل العديد من المورطين في جرائم التعذيب والفساد والرشوة وأعلنت النقابات الأمنيّة التي تأسّست بعد الثورة عن ولائها للوطن وعن تبرئها من جرائم العهد السابق.

 

لا اختلاف في تونس في أنّ أحكام القضاء العسكري كانت مُخفّفة ولم تُنصف الشهداء والجرحى ولم تشف غليل أسرهم وعائلاتهم ، ولكن هناك رأي عام مُساند للمؤسّسة العسكريّة التي تبقى الحصانة للثورة والحامية لمسار الانتقال الديمقراطي وهي اليوم الحصن في وجه مكافحة الارهاب وقد سقط العديد من العسكريين ، والأمنيين أيضاً، في معارك مع المجموعات المتشدّدة خاصة على تخوم جبل الشعانبي حيث تتمركز هذه الجماعات ، ولا ينسى التونسيون الصور البشعة والجريمة النكراء التي تعرّضت لها فرقة عسكرية خلال شهر رمضان الفارط عندما قامت مجموعة تكفيرية مسلحة بمهاجمتها وقتل أفرادها وذبحهم لاحقا بل والتنكيل بجثثهم.

 

- قضاء مرحلة الانتقال الديمقراطي

 

أي دور للقضاء خلال المرحلة الانتقالية وما هي أبرز الإشكاليات التّي يواجهها هذا القطاع وما مدى تأثيرها على سير الأحداث وعلى مسار الانتقال الديمقراطي؟.

هذا هو السؤال الابرز في تونس اليوم ، كيف لهذا القضاء أن يُحقّق استقلاليته ويستعيد هيبته ؟

العديدون يرون أنّ تخليص القضاء من التجاذب السياسي والحزبي هو الاولويّة المطلقة حتى يتخلّص القضاة ومساعديهم من كل الضغوطات والاكراهات ويعملون على تنفيذ القوانين وتطبيقها بعيدا عن كلّ التأويلات والقراءات الخاطئة أو الملغومة بتوظيفات لفائدة الاحزاب والأطراف السياسيّة.

 

صحيح أنّ من أهمّ  الصعوبات التّي واجهها القضاء في تونس بعد الثورة هي عدم الشروع الفعلي في إصلاح المؤسسة القضائية بسبب غياب الإرادة السياسية  وعدم محاسبة من كان في خدمة منظومة الفساد نتيجة غلبة الصراع والتجاذب الحزبي ، ذلك أنّ القضاء لا يمكن أن يكون قادرا على القيام بدوره وفاعلا ومستقلا ومحايدا دون دعم من السلطة السياسية ومن المجتمع ودون أن تتوفر له الضمانات الكافية لهذه الاستقلالية.

 

ولكن يرى آخرون أنّ القضاء يحتاجُ أيضاً الى ثورة هذا ما أفاد به القاضي كمال العياري خلال ندوة بحثت أحوال القضاء بعد الثورة في تونس والذي أشار الى أنه يجب خوض معركة القضاء المستقل حتى تتأسّس مفاهيم الديمقراطية وحقوق الانسان متطرّقا الى بعض الأرقام التي توضح هشاشة الوضع القضائي في تونس مقارنة بالدول الغربية من ذلك ارتفاع عدد القضايا ففي تونس 1400 قضية عن 100 ألف ساكن وفي بعض الدول الأوروبية لا تتجاوز 4500 قضية عن نفس عدد السكان إضافة الى ضعف الميزانية التي تخصصها الدولة التونسية للجهاز القضائي التي بلغت 16٪ في حين أنّها في دول أوروبيّة حوالي 16٪.

 

ومن أبرز مكاسب القضاء التونسي بعد الثورة: "الهيئة الوقتيّة للقضاء العدلي" جيث صادق المجلس الوطني التأسيسي يوم 24 أبريل 2013 على القانون الأساسي للهيئة الوقتية للقضاء العدلي الذي صادق عليه المجلس الوطني التأسيسي يوم 24 أبريل الجاري الذي اعتبرته نقابة القضاة وجمعية القضاة  مكسبا نوعيا للقضاء والبلاد عموما وتتويجا للنضالات من أجل استقلالية القضاء ويتوفر على نقاط هامة جدا وتتوافق مع المعايير الدولية لاستقلال القضاء.

 

 والهيئة الوقتية للقضاء العدلي هيئة خاصة بالقضاء لا يشرف عليها رئيس جمهورية أو وزير وتتمتع باستقلالية مالية ومعنوية وبسلطة قرار ، وقد حطّم تركيزها عديد الأصنام التي كانت تتحكم في المنظومة القضائية وتستعمل لتخويف القضاة وتوجيههم او الضغط عليه عبر الإملاءات والتعليمات، كما ستُساهم في تعديل وتطهير ذاتي لكل الخروقات والتجاوزات والنقائص التي يعيشها القضاء التونسي منذ الاستقلال وتدخّل في استقلاليته ونزاهته واحترامه لقداسة القانون والتشريعات.

 

وثاني هذة المكاسب "الهيئة الوقتيّة لمراقبة دستوريّة القوانين" والتي تتركّب من ستة أعضاء كما ورد في الفقرة 7 من الفصل 148 من الدستور، 3 أعضاء بصفتهم: الرئيس الأوّل لمحكمة التّعقيب رئيسا والرّئيس الأوّل للمحكمة الإداريّة عضوا والرّئيس الأوّل لدائرة المحاسبات عضوا،وأما الثلاثة الآخرين فهم من الحقوقيين أو كما نص الدستور بصريح العبارة من ذوي الاختصاص القانوني يعينهم تباعا وبالتساوي بينهم كل من رئيس المجلس الوطني التأسيسي ورئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة ، وتم بموجب قرار جمهوري صدر نهاية الاسبوع المنقضي استكمال تركيبة الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين.

 

على عكس ما يراه البعض فإنّ القضاء التونسي بصدد تركيز مؤسساته المستقلة وهو بصدد معالجة نقاط ضعفه المتأتية من عهد القمع والاستبداد والتعليمات والخضوع للسلطة السياسية والتنفيذية والمتأتية أيضاً من الصراع السياسي الحاد بين مختلف القوى السياسية بعد الثورة، وبقدر ما سيتناقص الضغط السياسي على القضاء بقدر ما سيكون هذا القضاء قادرا على التحرّك باريحية واستقلالية.

 

لقد رمت الاحزاب السياسية مختلف خلافاتها وجعلت القضاء مطبا ومسرحا لتنازعها حول العديد من القضايا والملفات ومنها ملف شهداء الثورة وجرحاها وملف رجال الاعمال الممنوعين من السفر بتهمة خدمة منظومة الفساد السابقة وملف جمعيات المتجمع المدني التي ظهرت للوجود مباشرة اثر الثورة ومنها بالخصوص روابط حماية الثورة التي يُناصرها طيف سياسي في حين تضغط أطياف أخرى من أجل استصدار حكم قضائي بحلّها وإيقاف نشاطها.

 

ان القضاء العادل والمستقل لا يخضع للضغوطات او التعليمات ولا يخضع ايضا للاعتبارات السياسية والحزبية وهذا ما بدأ يترسّخ في تونس الثورة خطوة بخطوة وبتدرّج قد يكون بطيئا ولكنّه هام ومفيد للثورة وللوطن وللشعب حتى تتحقّق العدالة في أبهى صورها.

 

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان