رئيس التحرير: عادل صبري 04:17 مساءً | الثلاثاء 18 سبتمبر 2018 م | 07 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

مهمّشات... مدركات قيمة العمل في العيد

مهمّشات... مدركات قيمة العمل في العيد

القاهرة – أمينة خيري 01 مايو 2014 16:39

تسيّطر سماح على إشارة المرور الحيوية التي تقطع شارعي عماد الدين التاريخي ورمسيس الكارثي في وسط القاهرة. لم ينبع اختيارها من فراغ أو يُبنئ على خواء. العملية مدروسة والفكرة محبوكة. فهي إحدى أبرز الإشارات المزمنة حيث تمضي السيارات دقائق طويلة ثقيلة في انتظار إما إخضرار يؤذن بالمرور أو شرطي يحسم الموقف، أو تفعيل لإرادة فطرية حيث البقاء للأصلح وأولوية المرور للأقوى.

من جهة أخرى، فإن عوادم السيارات وتزاحم المركبات وتكدّس الناس في ذلك التقاطع الإستراتيجي يرفع درجة حرارة الجو بمعدّل لا يقل عن 3 وربما 4 درجات مئوية تترجم عرقاً غزيراً و «هباباً وفيراً».

أما السبب الثالث، فهو أن شارع رمسيس يعني «محطة مصر»، و «محطة مصر» تعني حركة ذهاب وإياب وهرج ومرج ووجبات سريعة ووجوب مسح الفم ودعك اليدين، وهو ما يعني عملاً كثيراً وخيراً وفيراً.

السبب الرابع الأخير هو أن الإشارة الحيوية والمنطقة الإستراتيجية بعيدة من مقر سكن سماح ومعقل أسرتها حيث بيع المناشف الورقية فضيحة، والوقوف أمام الإشارات مذلة، وعمل المرأة كارثة.

وعلى رغم ان الغالبية المطلقة من نساء منطقتها من قريبات وصديقات وجارات يعملن أعمالاً مشابهة، إلا أن كلاً منهن تخرج من بيتها بزعم إنها متوجهة إلى السوق، أو ذاهبة لزيارة أمها على الطرف الآخر من المدينة المتوحشة، أو سـ «تقضي مصلحة حكومية»، ما يعطيها المبرر للتأخّر حتى إنتهاء عملها حيث المهنة «المخزية» والوقفة «المحرجة» وطوق النجاة الوحيد المتاح لملء بطون أولادها.

أولاد سماح أربعة في مراحل تعليم مختلفة. منهم من ألحقته بالتعليم الفني بهدف سرعة الإنجاز حيث لا حاجة إلى تعليم جامعي، ومنهم من أصرّ على الجامعة أملاً في التوظيف، ومنهم من لا يزال يصارع من أجل البقاء في مدارس الحكومة، تارة بالدروس الخصوصية القاصمة لظهر سماح وطوراً بـ «مجموعات التقوية» (دروس خصوصية) التي لا تسمن أو تغني من تعثر دراسي.

وعلى رغم ذلك، تتحدث سماح بائعة المحارم الورقية عن أولادها باعتبارهم عباقرة هذا الزمان. ولم لا؟ وهي الوحيدة ضمن محيطها النسوي المشابه التي تمكّنت من إلحاق ابنائها بقطارات التعليم، وإن كانت متهاوية ومتهالكة.

ولا يمنع تهالك البنيان الإقتصادي سماح من الاهتمام بجوانب عدة أغفلتها نسبة ملحوظة من المصريات في السنوات الأخيرة. فالعابرون غير الدائمين للإشارة يتعجّبون من هذه البائعة الجوالة التي تزيّن وجهها بماكياج خفيف وترتدي ما تيسّر من حلي «مضروبة» مع عباءات سوداء تسللت إليها يد الحائكة (الخياطة) لتضييق منطقة الوسط بعض الشيء وكشكشة منطقة الصدر قليلاً وإضافة بعض التطريز والقليل من «الترتر» اللامع على الأكمام.

تقول إن «الست ست حتى وإن كانت تسرح في الإشارات»، وتضيف إلى ذلك تبريراً دفاعياً عن اهتمامها بمظهرها: «الشيء الوحيد الذي أفعله لنفسي هو شوية الأحمر (الماكياج) التي أضعها على وجهي. كثير عليّ؟!».

لكن هناك من يستكثر عليها «شوية الأحمر». فقد تجلّت عبقرية التطرّف الديني والتشوّه الثقافي في أن تجعل من المرأة الرقيقة الحال التي تهتم بمظهرها إما باحثة عن المتعة المحرّمة أو بائعة هوى أو قليلة الحياء.

 

«ست بمئة رجل»

سماح تدرك ذلك جيداً، لكنها نجحت في أن ترسي قواعد للتعامل وتؤسس قوانين للتفاهم مع زملاء العمل من باعة جوالين وعمال محلات محيطة وسائقي باصات عابرة في شكل دائم. الجميع يعرف إنها «ست بمئة رجل»، ولا يجرؤ أحد منهم لا على تعدّي حقوق الأدب أو محاولة تجاوز قواعد التعامل. صحيح أن كثيرين حاولوا قبل سنوات، لكن «النظام حلو وأنا وضعت نظامي والكل يعرفني ويحترمني».

من يعرف سماح يحترمها، لكن من لا يعرفها لا يحترمها. أولئك يشملون بعضاً ممن يحاول التحرّش بها، وهم من يلقنون درساً عنيفاً، حيث تأكيدات عدة بإنها قادرة على كسر يد - وإن لزم الأمر رقبة- من يتجاوز حدوده، إلى كثر يعتبرونها عالة على المجتمع أو آفة في الشارع أو مشروع مجرمة تحت التأسيس. كما أن القائمة تشتمل على الدولة التي تجاهلت دورها على مدى عقود. وتركت قطاعات عريضة من المصريين في مهب رياح الإهمال والجهل والتطرف والعشوائية.

سماح، ومثلها ملايين، نزحت مع والديها قبل نحو ثلاثة عقود من صعيد مصر إلى العاصمة بحثاً عن لقمة عيش تعذرت في جنوب البلاد. سكنوا عشوائية من العشوائيات المحيطة بالقاهرة. عملت في الخدمة في المنازل لسنوات، وفي مصنع ملابس لسنوات أخرى. ثم جاءها الفرج ومعه «العدل». فقد تزوجت من عامل أحذية نهاراً ومدمن مخدرات ليلاً، ويوم أنجبت طفلهما الرابع اختفى الزوج، ما يعني إنها أضحت المسؤولة «رسمياً» عن إعالة الأسرة.

المتعلمون يقولون إن سماح تعمل في الإقتصاد العشوائي غير المنظّم، الذي تبلغ نسبة مشاركة المرأة المصرية فيه 43 في المئة (دراسة صادرة عن منظمة العمل العربية). وهي تقول إنها تعمل في قطاع «على باب الله»، وهو القطاع الذي تعمل فيه النساء في بيع الحلوى والمحارم والكتيبات الدينية في وسائل المواصلات والخدمة في المنازل، وهو ما يتطابق مع تعريف منظمة العمل العربية.

تقول سماح إن من يعملن مثلها غالبيتهن المطلقة لم يذهبن إلى مدارس، والسبب الوحيد لإنخراطهن في هذا المجال المتعب هو توفير نفقات الأسرة بعدما أغلقت الأبواب الأخرى. وهذا ما تفسره منظمة العمل العربية رقمياً حيث 80 في المئة من النساء العاملات في هذا القطاع متزوجات، ما يعني ضرورة قصوى لتوفير دخل إضافي وربما أساسي. وقد يصل انتشار نسبة الأمية بين أولئك النساء إلى 90 في المئة. إلا أن نسبة المعرفة – وإن تعذّر قياسها علمياً - مرتفعة جداً.

تعرف سماح أن اليوم هو عيد العمال. لكنها تتعجب من أن يكون عيد العمل عُطلة وعَطَلة. «العُطلة تعني عَطَلة لنا وتدنّي في الدخل ووقف حال. يفترض أن يكون عيد العمال عملاً إضافياً وليس عَطلة. وأنا عن نفسي أعمل في العطلات والإجازات الرسمية».

الاحتفال بعيد العمال اليوم أبقى على العمال والعاملات والموظفين والموظفات في البيوت من دون عمل، لكن العمال والعام

*نقلاً عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان