رئيس التحرير: عادل صبري 09:09 مساءً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

الدستور .. تونس أكثر "مدنية" من مصر

بالفيديو..

الدستور .. تونس أكثر "مدنية" من مصر

أسامة إبراهيم 30 يناير 2014 19:27

كانت كل من مصر وتونس على موعد مؤخرًا مع إقرار دستور جديد.. لكن الساسة في تونس آثروا لتسوية بدلاً من اتباع سياسات تصادمية، ففي مصر حصل "الإخوان" على أغلبية برلمانية لكنهم أخفقوا في التوصل لتسوية مع بقية القوى السياسية فحصل الصدام، بينما في تونس اختارت "حركة النهضة" بعد فوزها بأغلبية مقاعد البرلمان التسوية مع الأحزاب.

المقارنة إذن بين دستوري البلدين لا مفر منها بعد أن سلكت كل من الدولتين مسارًا مختلفًا، واتجهت وجهة مختلفة.

 

أساليب إنشائية

عند التمعن في النصوص الدستورية في الدولتين نجد أنهما يصطبغان بالأسلوب الإنشائي والعاطفة والتّكرار علاوة على وجود بعض البنود ذات المضمون غير الدستورية أو التي يكون مكانها في النّصوص القانونية الأخرى.

 

- الشكل، يتكون كل من الدستور المصري والدستور التونسي من مقدّمة تحمل عنوان ديباجة في مصر وتوطئة في تونس، ثم تجد النّص ينقسم إلى أبواب يحتوي أساسًا على مواد في الدستور المصري وفصول في التونسي.

 

ونلاحظ في الدستورين اعتماد الأسلوب الخطابي والتّكرار الذي وصل إلى حدّ يمكن تسميته بالثّرثرة. بما في ذلك تكرار نفس المصطلحات (مثل شعب، حضارة، حرية، عربية..) إنما يشمل أيضًا المعاني مثل "التحرّر من الاستبداد"، وفي فقرة أخرى "القطع النهائي مع الظلم والفساد"، إصافة إلى عبارات غريبة قانونيًا، كما في الدستور التونسي صيغة "نحن أعضاء المجلس...المنتخبين باستحقاق...) أو الدستور المصري "استعدنا حضارتنا العظيمة... فأقمنا أعرق دول..".

 

ويلاحظ أن العبارات الأخرى المستعملة تتميز بغياب أي مدلول قانوني، كأن تستعمل في الدستور التونسي عبارات: ملحمة، شهداء، استلهام، رفق،.. وفي الدستور المصري عبارات: ميدان التحرير، تاريخ زاهر، قدّمت للعالم أوّل أبجديات الكتابة، شامخ، عبقرية...

 

- الأبواب: تضمّن الدستور المصري خمسة أبواب، بينما تضمّن الدستور التونسي تسعة أبواب كاملة، لكن المتبع في دستور مصر هو الأقرب إلى التقسيمات المعتمدة طبقا للمعايير الدّولية، وقد خصص الدستور التونسي لكل سلطة بباب، في حين وضعت كل السلطات تحت عنوان باب واحد في الدستور المصري.

 

ويدل عنوان باب السّلطة المحلّية في الدستور التونسي على تكريس النظام الفدرالي للدّولة وأن الشّكل المتبّع لم يخرج مثله مثل المثل المصري على شكل الدولة البسيطة، ولا يوجد انسجام في عناوين تفريعات الأبواب في النّص التونسي، فأحيانًا يقسّم الباب إلى أقسام مثل الباب الرّابع (السلطة التنفيذية)، وأحيانًا يقسّمه إلى عناوين مثل الباب الخامس (السلطة القضائية)، بينما تم تقسيم الباب في الدستور المصري إلى فصول ثم إلى فروع.

 

ويمكن تصنيف الدستور المصري ضمن الدساتير المطوّلة حيث يتكون من 236 مادّة، بينما التونسي يعد من النصوص المتوسطة حيث يتكون من 149 فصلاً.

 

- مضامين غير  دستورية.. يتوفر بشكل ملفت في الدستور المصري أكثر من الدستور التونسي، سواء في ديباجة الدستور: (حضارة عظيمة، تاريخ زاهر، أعرق دولة، ريادة مصر الفكرية والثقافية... ) أو في بقية الفصول خاصة الباب الأول الذي يحمل عنوان مقومات الدولة والمجتمع، وتعد أغلبها مضامين اجتماعية: (الأسرة أساس المجتمع قوامها الدّين والأخلاق و الوطنية، خدمات الأمومة، الرّتب المدنية، السّجن دار تأديب وتهذيب وإصلاح...)، واقتصادية: (ربط الأجر بالإنتاج، تقريب الفوارق، الزراعة مقوّم أساسي، أصناف نباتية، تنمية الرّيف، الصّناعة، ترعى الدولة التعاونيات، تتشّجع الدّولة الإدّخار...)، وأخلاقية: (ترسيخ قيم الأخلاق، ترعى الدولة الأخلاق والآداب)...

 

وحيث إن فكرة الدستور في الدولة الديمقراطية، تلتصق بحماية الحقوق والحريات وتنظيم السّلط بشكل يمنع التسلّط والاستبداد، فإن الدولة المدنية في الدستورين التونسي والمصري مهدّدة، ويعود ذلك بالأساس إلى إضفاء مرجعية دينية على القاعدة الدّستورية.

 

وهو ما نلمسه في المثال التونسي لكن خاصة في المثال المصري.


على أن تهديد صيغة الدولة المدنية يظهر في بعض الفصول أو المواد المتعلقة بالأمن والدفاع، إذ إن الدستورين التونسي والمصري وضعا الأمن والدفاع في نفس مقام بقية السّلط التقليدية (التشريعية والتنفيذية والقضائية). فخصّص له الدستور التونسي القسم الثالث من الباب الرابع. أما الدستور المصري فخصّص له الفصل الخامس من الباب الثالث.


وقد نصت المادة 195 من الدستور المصري على أن يكون "وزير الدفاع وهو القائد العام للقوات المسلحة من بين ضبّاطها"، أما الدستور التّونسي فأكّد في الفصل 96 "أن الجيش التونسي قوّة عسكرية مسلّحة (...) يدعم السّلطات المدنية وفق ما سيضبطه قانون الطّوارئ".

 

- الحقوق والحريات: أكد كل من الدستور المصري والتونسي على مختلف الحقوق والحرّيات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد ورد ذلك في الدستور المصري من المادّة 31 إلى المادّة 81، أي خمسين فصلا كاملاً، أما التونسي فتعرض إلى هذه الحقوق ابتداءً من الفصل 16 إلى الفصل 43. أي 28 فصلا.

 

وقد تضمنت المادة 81 فقرة أخيرة من الدستور المصري: "وتمارس الحقوق والحريات بما لا يتعارض مع المقومات الواردة في باب الدولة والمجتمع"، وهو ما يجعل مكانة هذه الحقوق والحريات في مرتبة دنيا بالمقارنة مع الباب الأول من الدستور. إذ يخشى أن يقع منع ممارسة بعض الحقوق والحريات أو تسليط قيود على ممارستها بدعوى مثلا وأنها تتعارض مع "مبادئ الشريعة الإسلامية.".

 

- السطة التشريعية: ورد في الفصل 44 من الدستور التونسي "يمارس الشعب السلطة التشريعية بواسطة ممثليه بمجلس الشعب..."، هذا الفصل يدل على وجود إرادة للقطع مع النظام السّابق ولكن ذلك ليس على حساب المصطلحات المستعملة. فاستعمال مصطلح "مجلس الشعب" يطغى عليه نوعا من "الشّعبوية" ولا يعكس الحقيقة. فمن يوجد داخل المجلس ليس بالشعب وإنما هو نائب عنه، علما بأن فصولاً أخرى من المشروع تستعمل مصطلح "لنوّاب" أو "النّائب" انسجاما مع المصطلح الدستوري العادي: "مجلس النّواب".


من ناحية ثانية، قطعت مصر نهائيا مع هذه التّسمية إذ تتكوّن السلطة التشريعية، طبق المادة 82 من الدستور: "من مجلس النواب ومجلس الشورى، وأن تكون تركيبة مجلس النواب خاصة مجلس الشورى مراعية للمستوى التعليمي لأعضائه، وإذا ما أمكن فهم هذا التوجه نظرا لارتفاع نسبة الجهل، فإنه يعدّ ضربا من ضروب الاقتراع المقيّد".

 

وفي تونس، استأثر مجلس الشّعب تقريبًا بكل الصلاحيات التشريعية، لكن الأمر على خلاف ذلك في مصر إذ يمارس مجلس النّواب أهمّ الصلاحيات لكن الصلاحيات التشريعية مشتركة بينه وبين مجلس الشورى، وأعطى كلمة الفصل إلى مجلس النواب.

 

- السلطة التنفيذية: يضمن كل من الدستور المصري والتونسي وجود سلطة تنفيذية تساهم في تكريس ديمقراطية النظام السياسي المرتقب وفي استقراره.

 

لم يخفض النّصان المصري والتونسي من سن الترشح، إذ بقيت 40 سنة هي السن الدنيا. مع أن النص التونسي وضع سنا قصوى حصرها في 75 سنة. بينما احترم الدّستور المصري، وعلى عكس النص التونسي، مبدأ المساواة من خلال عدم اشتراطه لدين معين للمترشح إلا أنّه غالى في التدخل في الحياة الخاصّة للمترشح إذ اشترط ألا يكون متزوجًا من غير مصرية.

 

كما وضع الدستوران شرط التّزكية، يتولاّه في تونس عدد معين من أعضاء مجلس الشعب، أو رؤساء المجالس البلدية المنتخبة وفي مصر 20 عضوًا على الأقل من المنتخبين في مجلسي النواب والشورى أو في كلا المثالين عدد من الناخبين المسجلين.

 

ولئن لم يتضمن الدستور التونسي حديث عن الذمّة المالية لرئيس الدولة، فقد تضمّن الدستور المصري مواد هامة تفرض على الرئيس تقديم ذمته المالية عند توليه المنصب وفي نهاية كل سنة، ويمارس الرئيس مهامّه لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة وحيدة في تونس وأربع سنوات لا يمكن إعادة انتخابه إلا لمرّة واحدة في مصر.

 

- الحكومة: تتكون في الدستور المصري من رئيس مجلس الوزراء، رئيسا لها ونوابه والوزراء، أما التونسي فتتكون من رئيس ووزراء وكتاب دولة.

 

وتتمتع الحكومة في الدستورين بمشروعية غير مباشرة إذ عليها قبل كل شيء أن تنال ثقة مجلس الشعب في تونس ومجلس النواب في مصر، وإن لم تنجح في ذلك يتولى رئيس الجمهورية حلّ البرلمان.

 

 * شرط المسئولية

- رئيس الدولة: بخلاف النص التونسي فإن رئيس الجمهورية في مصر لا يتمتع بحصانة، لكن الدستور أجاز إمكانية اتهام رئيس الدولة من قبل مجلس الشعب لارتكابه الخيانة العظمى ثم "إحالته على المحكمة الدستورية" التي لا يمكن لها أن تحكم في صورة الإدانة إلا بالعزل. وإذا كان النص التونسي في حاجة إلى إعادة الصّياغة، فإن طرح مسؤولية رئيس الدولة في الدستور المصري يسمح بالخلط بين المسؤولية القانونية والمسؤولية الجزائية. إذ تقع محاكمته من قبل محكمة خاصة لها أن تسلّط، إن أجاز القانون المنظم لإجراءات التحقيق والمحاكمة، عقوبات جزائية على الرئيس .

 

- رئيس الحكومة:  أقرّ الدستوران حقّ كل من مجلس النواب في مصر ومجلس الشعب في تونس إمكانيات متعددة لمراقبة عمل الحكومة قد تنتهي بطرح مسؤوليتها .لكن شروط سحب الثقة من الحكومة حسب الدستور المصري مرنة فإن المثال التونسي أدرج شروطا قاسية يمكن أن تؤدي إلى أزمة دستورية حادّة لا يمكن لرئيس الجمهورية أن يكون حكما فيها بين الحكومة والبرلمان. إذ علاوة على ضرورة انتظار مرور (15 يوما) فإن الدستور اشترط تقديم حكومة بديلة.  ولا يتناسب هذا التصوّر مع وجود رئيس دولة يمارس صلاحيات فعلية وهامّة.

 

وإذا كانت الحكومة في كلا المثالين غير مسؤولة أمام رئيس الدولة فإنه يمكن للرئيس، طبق المادة 166 من الدستور المصري، "أن يتهم رئيس مجلس الوزراء أو أحد أعضاء الحكومة، بما قد يقع منهم من جرائم خلال تأدية أعمال مناصبهم أو بسببها".


وإذا كان توزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية في مصر من شأنه أن يضمن، عموما، النّجاعة فإن الأمر يختلف في النّص التونسي الذي يعدّ خطيرا.

 

 - سوء توزيع للصّلاحيات :اعتبر الدستور المصري في المادة 132 أن رئيس الدولة هو "رئيس السلطة التنفيذية". ومن شأن هذه المكانة المدعّمة بمجموعة الصلاحيات التي يمارسها أن تحسم أي خلاف يمكن أن يحصل بينه وبين رئيس مجلس الوزراء. يعطي هذا الخيار رئيس الدولة الأولوية داخل هذه السلطة. على أن الدستور المصري لم يطرح صراحة مسؤولية رئيس مجلس الوزراء أمام رئيس الدولة.

 

أما الدستور التونسي فإن توزيع الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية أكثر غموضا من جهة وغير منسجمة من جهة أخرى مع بعضها البعض .

بما من شأنه أن يجعل إمكانية التّصادم بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة مؤكّدة. يضاف إلى هذه المشاكل اعتبارات أخرى تتعلّق بتضمّن النّص مقترحات عديدة ومتضاربة.  إذ أقرّ الفصل68 من جهة أن "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة يمثل وحدتها ويضمن استقلالها واستمراريتها" . غير أنه نجد وأنه ليس إلاّ الممثل الأول للدولة(الفصل 71) ويرسم السياسة الخارجية للدولة بالتشاور مع الحكومة(الفصل72) ولا يرأس مجلس الوزراء إلا في المسائل الراجعة بالنظر إليه (الفصل77) ولا يعين إلا في بعض الوظائف. أما رئيس الحكومة فهو يضبط السياسة العامة للدولة ويسهر على تنفيذها، ويرأس مجلس الوزراء، ويمارس السلطة الترتيبية العامة، ويتصرّف في الإدارة ويصدر الأوامر الفردية والترتيبية، ويبرم الإتفاقيات الدولية الفنية (الفصل 86(.

 

- السّلطة القضائية:  هي عنوان الباب الخامس في الدستور التونسي الذي يشتمل على عنوانين فقط.  يتعلق العنوان الأول منه بالقضاء العدلي والإداري والمالي أما العنوان الثاني فهو يتعلق بالمحكمة الدستورية. أما في مصر فإن السلطة القضائية تشكل عنوان الفصل الثالث من الباب الرابع الذي يحمل عنوان السلطة القضائية. وقد احتوى الفصل على عدة فروع. إذ يتركّب الفصل من القضاء العدلي والنيابة العامة(الفرع الثاني) ومجلس الدولة (الفرع الثالث) والمحكمة الدستورية العليا (الفرع الرابع) والهيئات القضائية (الفرع الخامس(.

 

وقد حاول الدستوران تقديم ضمانات للسلطة القضائية تتجسّد خاصة في استقلال القضاة وإقرار مبدأ عدم قابلية عزل القاضي وعدم نقلة القاضي بدون رضاه. وقد قام النّص التونسي بتجريم التدخل في شأن القضاة. كما سعى النّصان إلى إعطاء أهمية خاصة للدفاع عن الحقوق والحريات. فاعتبر النص التونسي أن القضاء سلطة مستقلة تسهرعلى (...) حماية الحقوق والحريات(...)". أما الدستور المصري فقد خصّ المحاماة بفرع كامل واعتبرها "مهنة حرة وهي ركن من أركان العدالة، يمارسها المحامي في استقلال (...)".

 

ولكن تبقى مسألة احترام الدستور هو هاجس الدول الديمقراطية. وقد اختار النصّان العمل بالأنموذج الأوروبي من خلال تخصيص فصول ومواد متعددة بالمحكمة الدستورية. ولئن فضّل النّص المصري البقاء في مستوى التنصيص على المبادئ والعموميات وترك المسائل التفصيلية للقانون فإن النص التونسي خاض في العديد من المسائل التفصيلية.

 

شاهد أيضا

http://www.youtube.com/watch?v=9BMhO31Atmw

 

اقرأ أيضا:

- ملف تفاعلي.. هل يتكرر السيناريو المصري في تونس؟

- درس.. من تونس.. فمن يتعظ !

- الغنوشي: إقرار الدستور جعل تونس "نموذج" للعرب

 

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان